19 May
19May

فن التعامل مع الناس 

بقلم علي عروسي


مقدمة :

هذا الكتاب جمع لمادة محاضرة للدكتورعبد الله الخاطر رحمه الله، و هي محاضرة قديمة ألقاها في المنتدى الإسلامي بلندن،  مع إضافات لمقالة  لعبد الرحمن الجار الله منشورة في موقع صيد الفوائد، مع  تعليقاتي و إضافاتي ...و هو كتيب كنت قد قرأته في لندن سنة 1998 و أعجبت به لبساطته و قوة تأثيره و علاقته بموضوع شديد الأهمية ألا و هو علم النفس البشرية، و طريقة  التعامل الأمثل مع الناس، و هو كتيب على صغره شديد النفع و الأثر، يحتاجه كل شخص، المربي و الداعية و الزوج و الصديق و الرئيس و المرؤوس، و لا يستغني عنه أحد لأن الناس جميعا يحتاجون أن يتعاملوا مع بعضهم بعضا، و قد حرصت أن أجده على النت و لكن مع الأسف لم أجد نسخة عربية و هو أمر غريب جدا، بينما وجدت نسخ فارسية و بنغالية و بلغات أخرى !

فتوكلت على الله و نسخته من محاضرة صوتية لإعادة قراءته و العمل به، وأضفت إليه بعض الأفكار و التعليقات،  فإن العلم يحتاج إلى تجديد مع مرور الوقت، و قسوة القلوب ...

المدخل :

يقول عبد الله الخاطر رحمه الله تعالى :

تكاثرت الظباء على خراش   فما يدري خراش ما يصيد

يقول هذا الكلام في سياق الحديث عن  كثرة المصادر و المعلومات عند إلقاء محاضرة أو تأليف كتاب.


مقدمة المؤلف :

فن التعامل مع الإنسان موضوع كبير جدا تعتني به كل الشعوب في العالم. و من ضمنها الشعوب الإسلامية و قد أعطينا قدوات من الأنبياء اختتموا بمحمد صلى الله عليه و سلم .

لكن الحقيقة أن الغرب عندهم اهتمام و معاهد خاصة بهذا العلم و الفن، معاهد تدرس ما يسمى بالمهارات الإجتماعية، كيف يتحدث الإنسان، كيف يكسب الثقة بنفسه، كيف يكون لبقا في الحديث مع الناس، الطريقة و الكيفية ..الإسلام فيه كثير، فيه كنوز، فيه معامل ما استطاع المسلمون أن يستفيدوا منها كلها، تبقى في مرحلة التنظير و الفكر، و هناك أناس قليلون من الذين يتدربون على هذا، كعالم يدرب تلامذته في آداب العشرة و آداب الصحبة و الحديث، و لكن الغالب هو التعليم و ليس التربية .. فيقال : من آداب الصحبة كذا، و من آداب الحديث كذا، لكن لا يتم التدريب العملي إلا عند القليل، و هذا هو المطلوب الذي وجب أن نركز عليه .

قلت : و قد ظهر في عصرنا مبدعون كبار التفتوا إلى أهمية التدريب و الدورات التدريبية في شتى المجالات و العلوم و على رأسهم الدكتور طارق السويدان و الكثير من المهتمين بشأن النهضة.

و الإنسان كما هو معلوم مكون من عدة قضايا و هو ليس آلة من الآلات، فهو إنسان بجسمه و عقله و روحه و مشاعره، و يحتاج إلى التربية في هذه الأمور كلها، فالذي يتعامل مع الإنسان أيا كان نوعه لابد أن يتعامل مع هذه القضايا كلها، فبعض الناس يخطئون عندما يتعاملون مع الإنسان، في الجانب الدعوي مثلا، فيعاملون الفكر و العقل فقط، دون أن يهتموا بمشاعر هذا الإنسان الذي أمامهم، و هناك من يتعامل مع الإنسان ، كأصحاب المصانع مثلا، على مستوى الجسد فقط، كم ينجز، كم ساعة يعمل، لكن يهمل الجانب العقلي و الفكر و جانب المشاعر، إلا من رحم ربي.. فهذه القضايا لابد من التركيز عليها حتى يكون المرء شموليا و متكاملا في تعامله مع الإنسان.

و هذا التعامل قد يكون في طريقة الكلام، و قد يكون في محتوى الكلام، أو في السلوك المصاحب للكلام، فتختلف الصيغة، قد يقول الإنسان كلاما معينا بلسانه و قد يقول شخص آخر نفس الكلام و لكنك تحس أنه يقوله بقلبه، فهذه قضايا ذات علاقة فيما يسمى بطريقة التخاطب بلغة العيون أو التخاطب بالطريق غير اللفظية، فمثلا شخص يقول : جزاك الله خيرا بطريقة باردة جافة .. و آخر يقول : الله يجزييك الخير بحرارة و طول نفس .. تشعر أن الثاني يقولها من قلبه فهي مختلفة عن الأولى .. و إنسان يكلمك و هو ينظر إليك تحس أنه يقدرك و يحترمك بخلاف من يكلمك و هو ينظر في ورق أو في مكان آخر فهذا غير مهتم، و هذا أسلوب غير لائق، يقول لك تكلم فأنا أسمعك، قل له : تسمعني و أنت لا تنظر إليّ، هذه فيها كلام ! هذه الخبرة مكتسبة عند البشر بالتجربة، و لكن نريد أن تسطر وتكتب و يتدرب عليها الناس تدريبا، فهذا الفن يحتاج إلى تركيز و استفادة، و حديثي في هذه المحاضرة ليس عن كل ما جاء في آداب الإسلام بخصوص هذا الموضوع، إنما الحديث عن بعض القواعد الثابتة و المشتركة عند كل الشعوب التي تنطلق من الفطرة، فمن طبع البشر قضايا يحبها الناس و قضايا يكرهونها، فالإنسان مسلما كان أو كافرا يحب أشياء و يكره أخرى، سواء أكان مسلما من الشرق أو من الغرب، فالمطلوب الممارسة العملية و التطبيق و قد تستمر لسنوات من أجل التخلص من طبع سيء في الإنسان يكرهه الناس، أو تكتسب طبعا حسنا يحبه الناس، و قبل ذكر هذه القضايا في نقاط، أحببت أن أتحدث عن الدافع للعمل أو التعامل مع الناس.

لماذا يتعامل الناس مع بعضهم البعض ؟ تختلف الدوافع باختلاف الشخص و نظرته للحياة، فقد تكون دوافع المسلم مختلفة عن دوافع شخص غير مسلم، قد تكون مصلحيّة، قد تصدق و تكون باشا في الوجه، وفيا بالوعد، تأتي في الوقت المحدد، و لكن دافع هذا العمل هو المصلحة أو الخوف من المضرة التي تحصل، فقد يكون الإنسان أمينا لا يسرق خوفا من الرقابة الموجودة، و من الأمثلة على هذا أن الكهرباء في أمريكا توقفت لمدة ثمان ساعات فوقعت حادثة مشهورة سجلت فيها 5000 حالة سرقة بسبب توقف الكاميرات المصوبة لرقابة الناس، فأصبح بإمكان الشخص أن يحمل سريرا بأكمله و يخرج به من محلات البيع. أما الإنسان المسلم فدافعه في المعاملة الحسنة يختلف، و نيته تختلف،  فالمسلم يبحث عن  رضى الله و محبته، و يريد تحقيق الخيرية في نفسه،  يقول الرسول صلى الله عليه و سلم : " خير الناس أحسنهم خلقا " فأنا أريد أن أكون خير الناس، تكون أخلاقي طيبة، و كذلك أبحث عن الأجر العظيم، و عندما تكون هذه النية موجودة تستمر هذه القضية، سواء رضي الناس أم لم يرضوا، تحسنت العلاقة أم لم تتحسن، كسبت ودهم أم لم أكسب، و تكون الإستمرارية، يقول صلى الله عليه و سلم : " إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة قائم الليل و صائم النهار "  و هذا الخلق الطيب صفة من صفات المؤمنين، يقول صلى الله عليه و سلم : " المؤمن يألف و يؤلف، و لا خير فيمن لا يألف و لا يؤلف و خير الناس أنفعهم للناس " .. و من الدوافع أن الله تعالى أمرنا  التزام الحكمة و هي عين العقل، يقول الله تعالى { ادع إلى سبيل ربك بالحكمة و الموعظة الحسنة}

و نحن نعرف أن الموعظة الحسنة هي عبارة عن محتوى معين لكلام حسن يدعو إلى شيء طيب .

لكن ما هي الحكمة ؟ هي طريقة يؤديها الإنسان في كيفية تقديم ما عنده من أفكار و عقائد و أحكام .. و قد وصف الله تعالى رسوله بأنه كان لين الجانب و لو لم يكن كذلك لخسر الناس { و لو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك} فلم يقل أنا نبي و من أراد فليأتي و من لم يرد لا يهمنا هذا الأمر، و إنما كان حريصا عليهم { فبما رحمة من الله لنت لهم و لو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم و استغفر لهم و شاورهم في الأمر }

استغفر لهم وسيلة من وسائل تشجيعهم، و تنمي السلوك الطيب فيهم، فعندما تشاورهم تظهر احترام رأيهم و و تقديرهم و تعطيهم قيمة .. يقول ميمون بن مهران :" التودد إلى الناس نصف العقل"، و لذلك فعندما لا تكون الدوافع الأخلاقية حسنة طيبة داخليا تتلاشى عندما تذهب تلك الدوافع، فقد يتعامل الضباط مع رئيسهم اللواء أو الفريق معاملة طيبة، فيزورونه وقت الأعياد، و يهنئونه وقت الأفراح، و يعزونه وقت الأحزان، و عندما يتقاعد لا يزورونه و لا يلتقون به. ما هذه العلاقة ؟ إن كان منبع هذه العلاقة هو الخلق الحسن فالأولى أن تستمر، و على الأقل أن يعرف لصاحب الفضل فضله، و لكن ليس هذا الذي يحصل مع كثير من الناس، فتجد أن  الناس يتسابقون إلى المسئول في وقت المصلحة، و عندما يتوقف عن المسئولية يتحدثون في عرضه و يسيئون إليه و يضايقونه، فإذا أردت معرفة أخلاق الناس انظر إلى تعاملهم معه عند انقضاء منصبه. إذن الأخلاق لها دوافع، و التعامل الحسن يجب أن تكون له دائما الدوافع الطيبة، و لهذه الأخلاق أيضا ضوابط، و الضابط يحدده الشرع،  و لا نحدده بعقولنا، فالسلوك الحرام لا مجال لفعله، و السلوك الواجب لا مجال لتركه، فبر الوالدين و صلة الأرحام لا يوجد مجال لتركه، و كذلك السنن المستحبة لا تتغاضى عنها و تقول هذه مجرد سنة، فلم يسنها الرسول صلى الله عليه و سلم إلا لخير لنا، أن يكون المجتمع مترابطا خيرا فاضلا، و لا نحصر المسألة في الواجب الذي يثاب فاعله و لا يذم تاركه، لا بل فيما هو أفضل، و  فيما ينتج عنه خيرات و فوائد للمجتمع، و الأشياء المباحة عندما تفعلها بطريقة جيدة تكون وسيلة للإصلاح و الخير، تكسب فيها الناس.. و سنتحدث على قواعد كلية تناسب الشخص السوي و لا نتحدث هنا عن الشخصية الشاذة، فالشخص السوي إذا أكرمته كسبته، و هناك حالات شاذة يتمرد فيها الإنسان إذا أكرمته، و نحن نحكم على القاعدة العامة لا على الإستثناء الذي يعالج بطرق فردية بحسب الحالة، فاحرص على إكرام الناس ..

إذا أنت أكرمت الكريم ملكته   و إن أنت أكرمت اللئيم تمرّدا

كيف نتعامل مع الناس الأسوياء ؟

فطبيعة التعامل تختلف بحسب طبيعة العلاقة، فمثلا الوالد مع ولده، و الزوج مع زوجته، و الرئيس مع مرؤوسه و العكس ..تختلف طبيعة التعامل و العكس، و كذلك تختلف طبيعة التعامل باختلاف الأفهام و العقول فالرجل الذكي الفاهم الواعي تختلف طريقة التعامل معه عن الرجل المحدود العقل و العلم ..بقول ابن مسعود رضي الله عنه " ما أنت محدث قوما حديثا لا تدركه عقولهم إلا كان فتنة لبعضهم ". فإذا تحدث متحدث بمستوى أعلى من مستوى السامعين يكون فتنة لبعضهم، فلا يفهمونه جيدا و تكون شبهة .. كذلك تختلف طبيعة التعامل بحسب صفات الشخص الشخصية، كشخص حساس أو شخص شكاك .. و صلب الموضوع هو قضايا يكرهها الناس، و قضايا يحبها الناس.

اختلاف الطباع وأساليب التعامل :
الناس منذ خلقهم الله وهم مختلفوا الطبائع والرغبات والميول. روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"الناس معادن كمعادن الفضة والذهب، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا، والأرواح جنودٌ مجندةٌ، فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف".
وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال:"إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض، فجاء منهم الأحمر والأبيض والأسود وبين ذلك، والسهل والحزن والخبيث والطيب".

وتمثل بعض الشعراء بهذا المعنى، فقال :

الناس كالأرض ومنها هُمُ       فمن خَشنِ الطبع ومن ليِّنِ
فجنـدلٌ تدمـى بـه أرجـلٌ        وإثـمدٌ يـُوضـع في الأعـينِ

قلت : و قال آخر :

سألت الناس عن خلّ ودود     فقالوا الناس من خلّ و  دود 

قلت أليس فيهم ذو وفاء        قال كان ذلك في الجدود 

الخل بكسر الخاء هو الصديق الوفي و الحبيب 

الخل بفتح الحاء  هو المادة الكحولية التي تستعمل للأكل.

ويُعلم بداهةً أن معاملة هذه الاختلافات معاملةً واحدةً لا يستقيم. فما يلائم هذا لا يناسب ذاك، وما يحسُنُ مع هذا لا يجمل مع غيره. لذا قيل:(خاطبوا الناس على قدر عقولهم )
فكان شأنه صلى الله عليه وسلم في تربية أصحابه وتعليمهم أن يراعي أحوال من يتعامل معهم وينزل الناس منازلهم.ففي فتح مكة أمر الرسول صلى الله عليه وسلم المنادي أن يعلن في الناس أن من دخل المسجد الحرام فهو آمن، ومن دخل بيته فهو آمن،ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن... ألا ترى أن دار أبي سفيان لم يكن لها ما يميزها عن دُور أهل مكة، وأن دخول هذه الدار أو غيرها سيّان ؟ و لكن الرسول صلى الله عليه و سلم عارف بطباع البشر و أراد أن يستغل حب أبو سفيان للمدح و لمن يرفع قدره فأعطاه ذلك ترقيقا  و تأليفا لقلبه ! و ذلك أسلوب قيادي كبير.
ومنها توزيعه صلى الله عليه وسلم بعض أموال الغنائم والفيء على أناسٍ دون أناس.وكذلك تقسيمه الأعمال والمهام على أصحابه كُلٌّ بحسبه، فما أوكل إلى حسان غير ما أوكل إلى معاذ ويصح ذلك مع أبي بكر وعمر و صهيب وخالد وبقية الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
إنها المعرفة بنفسيات الناس وما يطيقون وما يحبون، ومعرفة الدخول إلى قلوبهم.

و الطُعم المناسب هو الذي يصطاد السمك.
يقول دايل كارنيجي:"من هواياتي أن اصطاد السمك، وبمقدوري أن أجعل الطُعم الذي أثبته في السنارة أفخر أنواع الأطعمة، لكني أفضل استعمالي طعوم الديدان على الدوام، ذلك أنني لا أخضع في انتقاء الطعوم إلى رغبتي الخاصة، فالسمك هو الذي سيلتهم الطُعم... وهو يفضل الديدان فإذا أردت اصطياده قدَّمت له مايرغب فيه.
والآن . لماذا لا نجرب الطُعُومَ مع الناس ؟
لقد سئل لويد جورج السياسي البريطاني الداهية، عما أبقاه في دفَّة الحكم مع أن معاصريه من رجال الدول الأوربية الأخرى لم يستطيعوا الصمود مثله، فقال: ( إنني أُلائم بين ما أضعه في السنارة وبين نوع السمك ).
والواقع أن "الطُعم" هذا مهمٌ للغاية... ذلك أن علاقتك مع الآخرين تُهمهم أيضا بقدر ما تهمك أنت، فحين تتحدث إليهم حاول أن تنظر بعيونهم، وتعبر عما في نفسك من زاويتهم وبمعنى آخر أبدِ لهم اهتمامك بهم، أكثر من اهتمامك بمصلحتك الشخصية، اجعلهم يتحمسون لما تريد منهم أن يفعلوه عن طريق اتخاذ الموقف من جانبهم.

أساليب التعامل مع الناس :

هناك قضايا يحبها الناس و قضايا أخرى لا يحبونها، و هذه فطرة الله التي فطر عليها بني آدم، هناك أمور مشتركة  يحبها كل الناس و هناك أمور مشتركة يبغضها كل الناس، و الكلام هنا عن " التعامل " لا عن الأذواق و الأفكار المجردة التي تختلف من شخص لآخر .. و لذلك كان تقسيم هذا الكتاب إلى قسمين، قضايا يكرهها الناس و به البدء لأن التخلية قبل التحلية، و درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، و المتأمل في هذا يلاحظ أن الله تعالى ذاته يتعامل مع خلقه المكلفين على أساس ما يحب و ما يكره، فالله تعالى يحب أمورا و يكره أخرى، و لا يمكن لك أن تتقرب إلى الله بما يكره، و لا أن تبتعد عنه و  أنت تعمل ما يحب { قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله }و الله تعالى يحب المحسنين و يحب المتقين و يحب المؤمنين و يحب الصالحين و يحب المتصدقين و المتطهرين و التوابين .. و يبغض المتكبرين و المتفيهقين و الظالمين و المجرمين و الكافرين ...

1ـ قضايا يكرهها الناس :

. النصيحة في العلن :

لا أحد يحب أن تنصحه في العلن و لو أخذت الشخص الذي ترغب في نصحه جانبا و تحدثت معه لكان هذا أدعى للقبول و أدعى لاستقبال القضية و فهمها لأنك قدمت له خدمة و نصيحة .

يعبر عن هذا الإمام الشافعي رحمه الله معبرا عن طبيعة النفس البشرية :

تعمّدني بنصحك في انفرادي      و جنبني النصيحة في الجماعة

فإن النصح بين الناس نوع         من التوبيخ لا أرضى استماعه

و إن خالفتني و عصيت قولي       فلا تجزع إذا لم تعط طاعة


و حتى الإنسان المتجرد الذي يقبل النصيحة في العلن فهو ينزعج من أسلوب الحديث هذا إذا كان متجردا، و كم من الناس عنده هذا التجرد ؟ و مع ذلك فهو يرغب أن يسمعها بطريقة أخرى ..

لابد من فهم طبيعة البشر، فعندما تريد أن تنصح شخصا في مجلس و تريد منه أن يتقبل كلامك أمام الملأ فأنت مخطئ لا تفهم طبيعة البشر، و حتى إذا كنت بينك و بين الشخص فتعطيه فرصة للتفكير و فرصة للإنسحاب و لا تضيق عليه .

. إلقاء الأوامر مباشرة

الناس لا يحبون أن تلقى إليهم الأوامر مباشرة، تقول  : اعمل كذا و لا تعمل كذا، فلا يحب، هكذا طبع الناس، ممكن أن يعملها لأنها واجب ـ لكنه سيقوم بتنفيذ الأمر و يكره الآمر ـ  لكن لو قدمتها بطريقة أخرى يكون أدعى لقبول الأمر، حتى لو كان أمرا من رئيس إلى مرءوسه فطريقة تقديم الأمر و طرحه هذا هو المطلوب ـ و هنا قصة أحد المتسولين كان أعمى يجلس و يضع جنبه لائحة مكتوب عليها " ساعدوني فأنا أعمى لا أبصر " و مرت امرأة ذكية فأخذتها و غيرتها إلى عبارة " اليوم جميل و لكني لا أستطيع أن أراه " فتدفقت عليه المساعدات.. فالطريقة التي تقدم بها المطلوب و المحتوى لها دور كبير في التأثير على البشر لأن ذلك يتوافق مع طبيعتهم ـ و الرسول صلى الله عليه و سلم كان يستخدم الأمر المباشر، و لكنه كان أيضا يستعمل أساليب شتى غير الأوامر المباشرة فقال ذات مرة لأصحابه في قصة الفقراء الذين جاءوا من مضر فتأثر صلى الله عليه و سلم لوضعهم و قام فخطب الناس فقال  : " تصدق رجل  من ديناره من درهمه في ثوبه من صاع بره من صاع تمره حتى قال و لو بشق تمرة فجاء رجل من الأنصار بصرة كادت كفه تعجز عن حملها بل قد عجزت ثم تتابع الناس حتى رأيت كومين من طعام و ثياب حتى رأيت وجه رسول الله صلى الله عليه و سلم يتهلل فقال صلى الله عليه و سلم من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها و أجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء " .رواه مسلم.

في قضايا أخرى تكلم النبي صلى الله عليه و سلم بصيغة الخبر و كذلك فعل سيدنا عمر و المقصود ليس أن أن تأمر الناس بل أن توصل الفكرة، فيستجيب الناس عندما تصيغ جملة خبرية غير مباشرة، فعندما تقول : وضّح كلامك فهو غير مفهوم .. غير أن تقول : المسألة غير واضحة، ممكن الإنسان لا يفهمها، فيعيد المتحدث الكلام  بأريحية، فأنت تعطي أوامر و لكن بطريقة خفيفة لا تزعج الآخر و تجعله ينفذ و هو راغب و مرتاح .. و بالمثال يتضح المقال : انقلوا هذه الطاولة .. هذه صيغة مباشرة جافة.. و ما رأيكم لو نقلنا هذه الطاولة من أجل كذا .. هذه صيغة لينة مقبولة جدا ..

و الطريقة الأخرى أن تشعر الإنسان أنك تحبه و كان من عادته صلى الله عليه و سلم أن يشوّق القضية التي سوف يصدر فيها أمرا، سيسير جيشا فلا يقول : افعلوا كذا و كذا .. بل يقول مثلا " لأعطين الراية غدا رجل يحبه الله و رسوله " فكل واحد يتحرى و يريد أن يكون هو ذاك الرجل .. و قبل أن ينصح أبا ذر  يقول له  " إني أحب لك ما أحب لنفسي.. ثم يقول له : لا تأمرن على اثنين  " .

و صيغة أخرى أدعى للقبول هي أن تزرع الثقة و الحماس في نفس المخاطب بأن تقول : إني أطلب منك كذا و كلّي ثقة أنك ستفعل و ستقوم به على ما يرام.. فرق كبير بين أن تقول : افعل كذا !

فلا يكون الرئيس و القائد جيدا إلا بهذه الأساليب الطيبة، و لا يكون الداعية طيبا بدون استخدام هذه الأساليب الطيبة، فالتنفيذ يكون رائعا إذا تفهم الناس فكرة و غاية رئيسهم فعندما يتعلق المنفذون بالقضية العامة و يعتبرونها قضيتهم الشخصية و أنها تخصهم مباشرة و تخص مصلحتهم و تدفع عنهم مفسدة يسارعون في التنفيذ فإذا استطعت أن تقنع الناس بأن ينفذوا ما تريد على أنه مصلحتهم و قضيتهم هم فأنت قائد جيد و داعية جيد .

الزوج الجيد يجعل زوجته تنفذ ما يريد و هي راغبة تحب الشيء..

فالزوج يأتي بضيوف مثلا و يقول لزوجته : اطبخي لنا ..

فتقوم بواجبها و عندما يذهبوا يقول لها : نسيت البرتقال ! فيضيق صدرها .. هذا عكس أن يقول لها : يا فلانة ويناديها بأحب الأسماء إليها .. عندنا ضيوف مهمين و نريد أن تبيضي وجوهنا أمامهم .. و الطبخ يعكس عملك أنت فأنت أدرى بعملك، هكذا تشعرها بأنها ستتقن عملها و تحمل القضية على أنها قضيتها و هذا الأسلوب يجب أن يكون حاضرا و على الإنسان أن يتدرب عليه و يحرص، فإبراز الجوانب الإيجابية في عمل المأمور يجعل مردودها طيبا .. حاول أن يعكس أمرك إلى المأمور صلاحه هو و سمعته هو و شرفه هو .. فالقائد الذي يقول لجنود انتهت خدمتهم مثلا : ستذهبون و يأتي غيركم للتدريب و أنا واثق من أنكم كنتم نموذجا للنظام إلى آخر لحظة، و ستظلون كذلك إلى آخر لحظة، و سيأتي غيركم و يجدون أماكنهم في أتم الإستعداد و النظام لتسلم مهامهم الجديدة، و هذا سيجعلكم مثالا يحتذى به مثل و أفضل ممن كان قبلكم ..الخ .. هذا الأمر يجعل الجنود هم أصحاب القضية و يدفع بهم إلى ترك الثكنات في غاية النظام و النظافة ..

هذه الأساليب يجب أن تتدرب عليها  وتصير طبعا.

. النظر إلى العيوب و ترك الحسنات :

و خير مثال هنا هو علاقة الزوج بزوجته، و ينطبق على كل العلاقات الإنسانية، قال صلى الله عليه و سلم : " لا يفرك ـ أي لا يبغض ـ مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقا رضي منها خلقا آخر ". لا تبغض زوجتك لأنها فقط عندها بعض العيوب، فعندها أيضا حسنات، لا تكن مثاليا في النظر إلى الآخرين عندما تنتقدهم فأنت أيضا عندك عيوب، و نفس الشيء بين الأصدقاء أو الرئيس و المرؤوس، يقول سعيد ابن المسيب : " ليس من شريف و لا عالم و لا ذي فضل إلا و فيه عيوب و لكن من الناس من لا ينبغي أن تذكر عيوبه فمن كان فضله أكثر من نقصه وهب نقصه لفضله ".

يقول الشاعر :

لا يزهدنك في أخ لك       أن تراه زل زلة

ما من أخ لك لا يعاب    و لو حرصت الحرص كله


و يقول آخر :

دعوت على عمرو، فمات ،فسرني ،و عاشرت أقواما أبكوني على عمرو.

فالنظرة الإصلاحية تبحث عن محاسن الناس و مزاياهم و مهاراتهم و تطويرها، و تغض البصر عن عيوبهم و تصلحها بالطرق الحكيمة ـ إن معظم الأزمات السياسية  بين الحكومات و شعوبها، و كذلك الأزمات الإجتماعية بين الأفراد و بين الأزواج مصدرها عدم الرغبة في إصلاح الذات، و يفرض كلّ  على الآخر أن يسير في طريقه كما هو دون أن يبذل مجهودا في إصلاح عيوبه المضرة بزوجه، و لو حصل تفاهم و تفهم و تنازل و إصلاح متبادل لحلت المشاكل.  فالمرأة الحادة الطباع التي تقول لزوجها أنها لن تتغير و لا تنوي بذل أي مجهود، بفعلها هذا إنما تفرض عليه أن يقبلها بحدتها كما هي، أليس في ذلك نوع من التعالي و الوقاحة ؟! فكيف يحبها ؟ و كيف يكون سعيدا معها ؟! و أمها التي تشتمه و تسبه لأنه لا يتفاهم معها .. أي جهل هذا ؟! ـ و طبع الناس ملاحظة العيوب أكثر من الحسنات، يقول عليه الصلاة و السلام : " أوصيكم بالأنصار فهم كرشي و عيبتي و قد قضوا الذي عليهم و بقي الذي لهم فاقبلوا من محسنهم و تجاوزوا عن مسيئهم " . فلا تنس الفضل لأهل الفضل، فكل إنسان فيه إيجابيات و سلبيات، و لا تركز على المساوئ وحدها كي لا يضيق صدرك و تحزن و تقطع علاقتك مع الآخر، و إذا ركزت على المحاسن استمرت العلاقة ..

قال الشاعر : 

و عين الرضى عن كل عيب كليلة    و عين السخط تدبي المساويا


. الناس يبغضون الذي لا ينسى الزلة :

الناس يبغضون من لاينسى زلاتهم ولايزال يُذَكِّر بها ويمُنّ على من عفا عنه،  فالناس يكرهون ذلك الإنسان الذي يُذَكِّرُ الناس بأخطائهم ويعيدها عليهم مرةً بعد مرةٍ في مناسبة و في غير مناسبة. والله عز وجل يقول:"والعافين عن الناس". ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم :"من ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة". و يحكى أن في مجلس حاكم شمت رائحة كريهة لشخص أخرج ريحا، فعزم الحاكم على من فعلها أن يقوم فيتوضأ، و هو موقف محرج للغاية، فقال عالم : بل نقوم جميعا و نتوضأ! و هكذا ستر العالم  بفقهه و نبله على الرجل فكان بذلك إنقاذا له من حرج كبير . فعلا العلماء هم النجوم ..

. الناس يكرهون الذين يعاملهم باحتقار و استعلاء :

مهما كان الإنسان عالما أو حاكما أو غنيا فالناس يكرهون من يعاملهم باحتقار و لا يحبون لقاءه، و لذلك فعلى العالم و المدرس و الرئيس في مقام التعليم أن يكون متواضعا لا يعلو على الآخرين، روى هارون بن عبد الله الجمال، فقال: ( جاءني أحمد بن حنبل بالليل ـ انظروا كيف يكون التصرف يريد أن يصحح خطأً! ـ، فدقَّ علي الباب، فقلت: من هذا ؟ فقال: أنا أحمد، ـ لم يقل: الشيخ أحمد ـ فبادرت وخرجت إليه فمساني و مسِّيته. فقلت: حاجة أبي عبد الله ؟ ( أي: ما حاجتك ؟)، قال: شغلت اليوم قلبي. فقلت: بماذا يا أبا عبد الله ؟، قال: جُزتُ عليك اليوم وأنت قاعدٌ تُحدِّث الناس في الفَيء (الظل) والناس في الشمس بأيديهم الأقلام والدفاتر. لا تفعل مرة أخرى، إذا قعدت فاقعد مع الناس). تأمّل كيف كانت النصيحة،  والذي يرويها  هنا، ليس الإمام وإنما ذلكم الشخص المتأثر بالنصيحة.

انظر إلى المخطئ نظرة الطبيب إلى مريضه، فالناس لا يحبون نظرة الإحتقار، تحدث عن مشاعرك تجاه الخطأ و قل : أشعر أن في هذا الكلام شيئا ما .. لا تقل أنت لا تفهم .. انظر إلى الناس نظرة إشفاق لا استعلاء ..

لا تقل أنت مخطئ :

حين تبدأ كلامك مع رجلٍ بأن تقول له: (( أنت مخطئ )) أو(( اسمع يا هذا: سأثبت بطلان ما تقول))، أتدري أنك في تلك اللحظة تعني: أنك أيها الرجل تعوزك براعتي و ينقصك ذكائي، قف أمامي ذليلاً لكي أدلك على الطريق الذي بلغه ذهني المتوقد وحكمتي الأصيلة !هذا هو المعنى بالضبط... فهل تقبل بأن يوجه إليك أحدٌ مثل هذا القول ؟ كلا طبعاً . إذن، فلماذا توجهه أنت إلى الآخرين ؟
قال اللورد شستر فيلد في رسالته إلى ولده: (( يابني... كُن أحكم الناس إذا استطعت، ولكن لا تحاول أن تقول لهم ذلك )). فلماذا يسارع الواحد منا بنشر التأكيد والجزم وحتى في أمورٍ غامضةٍ، لمجرد الادعاء بالعلم، أو مناكفة الغير، أفتظن أن قولك: (( أنت مخطئ )) سيوصلك إلى نتيجةٍ مع من تحدثه بنفس القدر الذي يوصلك إليه قولك: (( قد أكون أنا مخطئا ))، فلنفتش عن الحقيقة. إن إقرارك باحتمال أن قولك غير مصيب لا يُضعف موقفك كما قد يُخيلُ إليك، فالسامعون يتأثرون بك وبنزاهتك وحبك للإنصاف ، أما من قابلته مباشرة بتخطئته فيصعب عليك إقناعه بالخطأ بعد ذلك، فهذه طبيعة النفس البشرية فهي تتأثر انعكاساً . فاحترم آراء الغير مهما كانت وصغرت، يحبك الناس ويتأثرون بشخصك، وأكبر دليلٍ على ذلك صبره صلى الله عليه وسلم على جفاء الأعراب حين يخاطبوه، يدخل الرجل منهم مغضباً ويخرج وأسارير الرضا على وجهه.

تقدير عواطف الآخرين وعدم جرح مشاعرهم :


روى ابن إسحاق عن ابن عباس: رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه : ( إني قد عرفت أن رجالاً من بني هاشم وغيرهم قد أُخرجوا كرهاً لا حاجة لهم بقتالنا فمن لقي أحداً من بني هاشم فلا يقتله، ومن لقي أبا البَخْتَريّ بن هشام فلا يقتله ومن لقي العباس بن عبدالمطلب فلا يقتله فإنه إنما أخرج مستكرهاً). فقال أبو حذيفة بن عتبة: أنقتل آبائنا وأبناءنا وإخواننا وعشيرتنا ونترك العباس، والله لأن لقيته لألحمنه أو لألجمنه بالسيف. فبلغت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لعمر بن الخطاب: يا أبا حفص أيضرب وجه عمِّ رسول الله بالسيف، فقال عمر: يا رسول الله دعني فلأضرب عنقة بالسيف فوالله لقد نافق
فكان أبو حذيفة يقول:ما أنا بآمنٍ من تلك الكلمة التي قلت يومئذٍ ولا أزال منها خائفاً. إلا أن تكفرها عني الشهادة، فقتل يوم اليمامة شهيداً. (الرحيق المختوم ص: 246)

. التأنيب و التوبيخ  مكروه عند الناس

التأنيب و التوبيخ في غير محله، أو بما لا يتناسب مع حجم الخطأ،  و التسرع  قبل التبصر و السؤال، لذلك لابد دائما أن تعرف سبب التصرف قبل الحكم عليه، و عادة الذي يؤنب و يوبخ أن يكون في لحظة غضب. من الخطأ أن يتمادى الإنسان في التأنيب بعد أن يعتذر صاحبه ومن يتحدث معه فالناس جميعاً ومنهم نحن عاطفيون أولاً، ثم أصحاب منطقٍ وعقولٍ في الدرجة الثانية . إن لنا نفوساً ذات مشاعر وأهواء، وهي تريد من الآخرين أن يحترموها كما هي. فلماذا تحاول مناقضة نفوس الآخرين، بينما تعرف أن نفوسنا من نفس النوع ؟ إن اللوم والتأنيب مُرُّ المذاق ثقيلٌ على النفس البشرية فحاول تجنبه حتى تكسب حُبَّ غيرك.

بعض الناس يحسبون أنه من حسن المعاملة أنك عندما تقابل الشخص تبدأ تلومه أينك لا نراك .. لماذا لا تتصل .. لماذا لا تأتي .. و هو نفسه لا يزور، فيضيق صدر المسكين و يبدأ يعتذر و الله مشغولين، فيقول مشغولين علينا يعني !! لوم عجيب .. يتكرر .. هذه عادة سيئة يجب التخلص منها ..و كأن الإنسان وكيل عليك هذا لو كان اللائم أكبر سنا أو عقلا أو مكانة من الملوم، فأما إن كانوا أقرانا أو كان أحدهم أقل  من الآخر قدرا أو أصغر سنا، فلا يحق له اللوم أبدا .. طيب لماذا أنت لم تزره ؟ لماذا أنت لا تتصل ؟

لأن البشر يلتقون و يتفرقون و هذا هو الطبيعي و اللوم يجعل المرء ثقيلا، فقد تود إنسانا و لا تراه إلا مرة في السنة، و قد ترى إنسانا كل يوم و أنت لا توده..قال الشاعر


من نكد الدنيا على الحرّ أن يرى   عدوا له ما من صداقته بد

قال الإمام أحمد " إن لي إخوانا لا ألقاهم إلا كل سنة مرة، أنا أوثق بمودتهم ممن ألقى كل يوم ".

و لو تفرغ الناس للزيارات لما قام بعمله أحد، و أجريت دراسة في أحد المصانع حول معاناة العمال، فقال 90 %  من العمال أن التأنيب أمام الزملاء  هو أسوء ما يمكن أن يتعرضوا له من طرف الرؤساء، و أهم شيء في العمل هو الإرتياح الوظيفي. فلابد أن تحقق الإحتياجات الغريزية الطبيعية من مسكن و طعام و شراب ثم تشعر أنك مطمئن في عملك فتؤدي دورا جيدا. و إذا شعر العامل و الموظف بهذا قد لا يطلب زيادة في الراتب، و إذا زاد الراتب لكن لم يكن هناك ارتياح وظيفي قد يترك الوظيفة رغم ذلك، لأن الراتب الجيد مع الذل اليومي لا يقبله إلا ذليل !

و قد اعترف الكثير من العمال و الموظفين بهذه الحقيقة.  و كثير من الناس يتمنون تغيير وظيفتهم و لو براتب أقل، المهم أن يكون عندهم ارتياح وظيفي، حيث تحس أنك محترم و مقدّر بين زملائك و مرؤوسيك.

فعليك بالنقد البناء و إياك و التوبيخ و مهاجمة الشخص، كن موضوعيا.

. الناس يكرهون المتمادي في الخطأ :

الإنسان الذي لا يعترف بالخطأ جبان، و الشجاع هو من  يعترف  بخطئه و يسعى لإصلاحه بسرعة، بعض الناس يرى من العيب أن يقول أنه مخطئ فيبدأ يعجن في الموضوع بدلا من الإعتراف بالتناقض و التضارب في المعلومات، فالعالم إذا سئل سؤالا لا يجد له جوابا، يقول لا أعلم، و يقول هذا يحتاج إلى دراسة و بحث، و طويلب العلم يريد أن يقول في كل شيء و يجيب عن كل شيء !

ليس عيبا أن تقول لا أعلم، و ليس عيبا أن تقول أخطأت، و هذه أمور تربوية يحتاج الإنسان إلى فترة و تدريب حتى يتخلص من حب الذات - و الحياء في غير محلّه.


. الناس يبغضون من ينسب الفضل إلى نفسه دائما : أنا .


الإنسان المتعالي كلما حصل خلل أو عيب يلقي اللوم على الآخرين، و إذا حصل ما يراد يبدأ يقول : قلت لكم، و ألم أقل لكم، ليظهر أنه هو الذي عمل كل شيء، و هو الأذكى ..و إذا صار في خطأ يبدأ يؤنب و يقول أنتم قصرتم و أنتم السبب .. هذا منبوذ لا يحبه الناس لأنه دائما ينسب الفضل له و الأخطاء يرميها على الآخرين .. و لذلك في علم القيادة إذا أردت أن تعرف من هو الرئيس و القائد الحقيقي في أي مؤسسة فاسأل سؤال : من الذي سيتحمّل مسؤولية الفشل إذا حدث ؟ فالذي يجيب على هذا السؤال بأنه هو ذاك يكون هو الرئيس ! أما إذا تحمّل الموظفون المسؤولية كلها إذن فهم الرؤساء و ليس هو !

فالرئيس هكذا يعرف، فالمطلوب أن يعمل الإنسان دون الحديث عن ذاته، و أعماله و أفكاره، و سيد قطب رحمه الله له عبارة جميلة في رسالة أفراح الروح، و هي رسالة قصيرة كتبها لأخته يقول فيها : " التجار وحدهم هم الذين يحرصون على العلامات التجارية لبضائعهم كي لا يستغلها الآخرون و يسلبوهم حق الربح، أما المفكرون و أصحاب العقائد فكل سعادتهم أن يتقاسم الناس أفكارهم و عقائدهم و يؤمنوا بها إلى حد أن ينسبوها إلى أنفسهم لا إلى أصحابها الأولين ".

لذلك على الإنسان أن يحرص على أن يترك الشخص الآخر يحس بأن الفكرة فكرته و يفرح إذا نسبها أحدهم لنفسه ـ و لا يكون تاجرا محتكرا !
جاء في الحديث الصحيح:( أنا زعيمٌ ببيتٍ في ربض الجنة لمن ترك المراء ولو كان محقاً )
إن حُبَّ الظهور في معظم الأحيان هو الدافع الأول إلى المجادلة، فأنت تود أن تعرض سعة اطلاعك وحُسن تنقيبك في الموضوع المطروح للجدال، ومثل هذا يُحسِّسُ الرجل الآخر الذي تجادله، فإذا قهرته بمنطقك السليم وفزت عليه، فإنه لن يعتبر ذلك إلا إهانةً منك، وجرحاً لكرامته، وهو قلّما يغفر لك ذلك. بهذا تكون قد اشتريت خصومته دون نفعٍ يصيبك من الشراء.


2 ـ قضايا يحبّها الناس :


. الناس بطبعهم يحبون من يهتم بهم

كان رسول الله صلى الله عليه و سلم عندما يحدث إنسانا يلتفت إليه بكل جسمه و يهتم اهتماما كبيرا به حتى يظن الشخص أنه أحب الخلق إليه و أنه لا أحد غيره .. و الناس بطبعهم يحبون من يهتم بهم و بما يفكرون و ما الذي يشغل بالهم و حينما يتحدثون ينصت إلى حديثهم و ينظر إليهم  بتركيز و يلخص ما يقولون و يناقشهم فيه . أنا أفهم من حديثك أنك تقول كذا و كذا ..هكذا يفرح المتحدث و يعرف أنك متابع له ..و من الناس من ينظر إليك و يقول نعم نعم و هو لا يتلقى شيئا و لا يدرك أو لا يفهم أو يسهو أو يفكر في شيء آخر لا علاقة له بالموضوع.. الشخص الذي يهتم بحاجاتك، الشخص الذي يقدم هدية ، هذه هي وسائل الإهتمام ، قال صلى الله عليه و سلم " تهادوا تحابوا " .. فالهدية قد لا تكون غالية و لكنها تدل على أن هذا الإنسان مهتمّ .. و هناك فرق بين أن تعطي الأطفال لكي يشتروا حلوى و أن تأتيهم أنت بها .. و أي وسيلة من وسائل الإهتمام لها دور .. عندما يشعر الإنسان أن شخصا ما يهتم به و بقضاياه و أفكاره و همومه يشعر بأن حياته لها معنى و أن دوره مطلوب و أن حياته لها قيمة و يعطي أكثر بكثير مما لو افتقد هذا الإهتمام .

إن الناس يُقدِّرون من يسعى في حاجتهم ويشفع لهم، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول : ( أحب الناس إلى الله عز وجل أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلى الله سرورٌ تدخله على مسلمٍ ، تكشف عنه كرباً ، أو تقضي عنه ديناً ، أو تطرد عنه جوعاً ، ولو أن تمشي مع أخيك في حاجته أحبُّ إليَّ من أن تعتكف شهراً ).

ولو أدرك العامل والموظف عظم هذا الحديث لأنهى المعاملات في وقتها. بل لزاد على الوقت المحدد في خدمة الناس، و لكنهم محترفون في تعطيل مصالح الناس و لسانهم يقول ارجع غدا أو بعد غد !

و لو استصحب نية المشي لقضاء حاجة أخيه لانتهى منها و قضى حاجة الثاني..فلو تفهّم الناس الإسلام بهذا الشكل لرأيت المجتمع مختلفا تماما، مجتمعا متضامنا متكافلا متحضرا راقيا .. و هو المجتمع المثالي ..

و رب العمل الذي يتعامل مع العامل على أنهم آلات إنتاج فقط هذا لا ينجح، و قد أكدت حادثة إضرابات المعامل في فرنسا أن المعامل التي كان مسؤوليها يعاملون العمال معاملة حسنة و يهتمون بشؤونهم و أسرهم لم تضرب ! و الذين يتعاملون مع العمال معاملة طيبة و باهتمام تكون فعالية العامل أكبر رغم أنه نفس الدوام.


. الناس يحبون من يستمع لحديثهم لا من يحدثهم عن نفسه

إذا أردت أن تكون متحدثا لبقا كن مستمعا لبقا .. شارك المتحدث، استفسر بأدب، لا يكفي أنك تستمع للشخص، بل قد تثيره ليتحدث في القضية التي أنت تريدها، و قد تجعله يشرح فكرة هامة للآخرين رغم أنك تعرفها عن طريق سؤاله إياها و هذا ذكاء نبوي .. و تمر على الناس مناسبات في حياتهم كالترقية و النقل و الولادة و الوفاة و الأعياد و القائد الفعال هو الذي يعلّق على كل حادثة و لو بكلمة طيبة .. مبروك التعيين .. يسرنا أنك انتقلت .. كلمات تجعل الإنسان قريبا منك، و تثير في النفس شعور المحبة و تقوي الأواصر .. هذه مسألة مهمة جدا في الطب النفسي أن تشعر الإنسان أنك متعاطف معه.


. الإنسان بطبعه يحب من يحترمه و يقدره :

الإنسان لا يحترم من لا يحترمه، مهما كان علمك أو مقامك إذا لم تحترم لن تحترم ! تشاور مع الشخص و ذلك نوع من التقدير { و شاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله } فإذا تبين لك الحق في عكس ما أشير به عليك فلا حرج .. و تنشأ الحاجة إلى الشعور بالتقدير من الحاجة إلى إثبات الشخصية و حب النجاح، فإذا قام المرء بعمل حسن و شعر بتقدير من الآخرين، و خاصة  من قبل المسؤولين، تأكد من نفسه ،و انطلق بقوة جديدة،  و كلما اكتشفتم في المرء صفات حسنة ازدادت دماثتكم في معاملته، فإذا أردت أن تكون علاقتك جيدة مع شخص ما ابحث عن صفاته الحسنة، فكل شخص ـ حتى الأشقياء ـ فيهم جانب حسن، و الإنسان يرفض العبودية و الذل، و لكنه لا يكره الخدمة و العمل، شريطة أن يحظى بثقة رئيسه و حسن معاملته كرجل .


. فتح المجال للآخر أن يحقق ذاته .

فالإنسان لا يحب أن تكون عنده مزايا  مجهولة أو مهملة أو أن إمكاناته موضع شك و بعض الناس بالعكس يكون رئيسا أو  أبا و يعمل كل شيء بنفسه شكا منه في أن مرؤوسيه أو أبناءه يستطيعون أن يقوموا بتلك المهمة ! و لذلك يتضايقون منه لأنه شخص لا يثق بهم فيفقدون الثقة به أيضا، و هذا يعني الفشل في تعليم الآخرين العمل بشكل متقن..فأن تعمل كل شيء بنفسك يعني أنك فاشل في تدريب الآخرين أن يؤدوا نفس العمل. و إذا اعتقدت أن العمل لن ينجح و لن يكون على ما يرام إلا إذا كنت موجودا فهذا فشل ذريع في تكوين و تدريب الناس . و هناك فرق بين أن تهتمّ بإنسان و أن تعطيه دورا معيّنا مهمّا يثبت به ذاته و يثبت به قدراته .

إن الناس لا يريدون منك أن تتحدث عن تجاربك وخبراتك، فلهم خبرات أيضاً، وخير مُحدِّثٍ هو من يستمع بشغفٍ إلى الآخرين، اسأل مقابلك سؤالاً ودعه يتحدث في تخصصه، بذلك يشعر بالامتنان لك وتظفر بصداقته سريعاً، إذا أتحتَ له فرصة التحدث عن تجاربه وظللت مصغياً له باهتمامٍ، إن الاستماع المشغف هو أعلى ضروب الثناء الذي يمكن أن تضفيه على محدثك فالناس يحبون من يفتح لهم المجال لتحقيق ذواتهم .


. الناس يحبون الشكر و التشجيع :

قال رسول الله صلى الله عليه و سلم " من لا يشكل الناس لا يشكر الله " و قال عليه الصلاة و السلام في غزوة الخندق " اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة فاغفر للأنصار و المهاجرة " يمدحهم .. فالدعاء للناس من باب التشجيع : الله يوفقك و يستخدمك في خدمة هذا الدين، فيه تشجيع و هو أفضل من أن تمدح بطرق مباشرة و فيها خطر على الإنسان كخطر الإغترار و العجب فتقول له : ترى أنت إنسان عظيم و عبقرية فذة ... و قال صلى الله عليه و سلم " من صنع إليه معروف فقال لصانعه جزاك الله خيرا فقد أبلغ في الثناء " فكلمة جزاك الله خيرا كلمة ليست بسيطة فهي عظيمة جدا أبلغ من أي عطاء ..

فالشكر له دور كبير في نفسية الإنسان، اشكر زوجتك، اشكر الطفل، اشكل الناس أجمعين .. كلمات طيبة تشجع على العمل، و لذلك فالقائد الفاشل لا يقدم خطابات شكر للناس و يقول لا يوجد هناك داع، فما يقوم به فلان هو واجبه و لا شكلر على واجب ! هذه كلمات الفشل و الجهل المخالفة لطبيعة البشر الذين يحبون أن يشكروا . و في الشكر تشجيع و تأكيد على السلوكيات المرغوبة و هو وسيلة من وسائل التربية و الأدب و ترسيخ العمل الجيد و ليست هي مسألة قيام بواجبات جافة لا يقدّرها أحد ! و هناك فرق بين أن تشكر من يصنع معروفا و تثني على فعل طيب تؤكده و تجعله يعمل الصالحات أكثر ، و المدح المذموم الذي يقول فيه رسول الله صلى الله عليه و سلم " احثوا في وجه المداحين التراب " و " إياكم و التمادح فإنه الذبح "! فالمدح الذي يصيب الإنسان بالغرور أو يغيّر نيته ،أو المدح في غير محلّه أمر مذموم،  فلا يقال للمنافق " يا سيّد " لأنه لا يستحق .. كما قال رسول الله صلى الله عليه و سلم مشجعا  : " من سن في  الإسلام سنة حسنة " وقال : " ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم ".  و قال :  " أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، و أشدهم في أمر الله عمر ،و أصدقهم حياء عثمان، و أقرأهم لكتاب الله أبيّ بن كعب، و أفرضهم زيد بن ثابت، و أعلمهم بالحلال و الحرام معاذ بن جبل؛ ألا و إن لكل أمة أمينا ، و إن أمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح  ".  يختار أحسن صفة في كل شخص و يذكرها . قلت و في هذا الحديث فوائد جمة، منها ضرورة معرفة القائد بالصفة المميزة لكل شخص و تأكيدها فيه و دفع الآخرين للتتلمذ عليه فيها، و تشجيع الشخص على الحفاظ عليها و تقويتها، و إعطاء المهمة المناسبة للرجل المناسب فليس كل شخص يصلح لأي عمل، و تذكير الأمة بتخصص و فضل السابقين و الرجوع إلى سيرهم للتوسع في الباب فهم السابقون الأولون، و احتمال أن هذه الصفات في الأمم السابقة، هي التي بنيت عليها حكم، و أمثال ،و فلسفات؛ بل و حتى الخير الذي تبقى فيها مما تبقى من الرسالات.  و قد يكون بوذا  الحقيقي نبيا  مثلا أو أحد صحابة أحد الأنبياء، فمن يدري ؟ و هل هناك مانع شرعي من هذا ؟ هناك فرق بين أن تقول أنه من الممكن أن بوذا الحقيقي كان نبيا أو صحابيا لأحد الأنبياء، و أن تقول أن بوذا الحالي كما هو معروف و معبود من قبل البوذيين هو من هو !! تماما كالفريق بين عيسى الحقيقي عبد الله و  رسوله، و بين عيسى كما يتصوّره النصارى اليوم.


. الناس يحبون الذي يصحح أخطائهم دون أن يجرح مشاعرهم :

إصلاح الأخطاء بالتلميح أفضل، الناس يحبون من يُصحح أخطائهم دون جرح مشاعرهم ، ويُضربُ مثلٌ في ذلك في أحد الكتب: أن شخصاً ألقى خطاباً ( محاضرةً ) في جمع كبيرٍ من الناس، ولكنها كانت طويلةٌ وفيها تفصيلٌ، فملّ الناس، ولما عاد المحاضر إلى منزله سأل زوجته، فقال: ما رأيكِ في المحاضرة ؟ فلم تقل له أن الناس ناموا ! بل قالت: هذا الموضوع يصلح مقالةً رصيفةً في مجلةٍ علميةٍ متخصصةٍ. وقد فهم المحاضر من كلام زوجته أن الموضوع لا يصلح للمحاضرة. و شخص يقول لصديقه أنه يريد أن يبدأ تجارة فيجيبه : أنت لا تصلح للتجارة و التجارة تحتاج إلى كذا و كذا .. فيحطم معنوياته .. فإياك وقول: أنت لا تصلح لكذا ، أو أنت تصلح لغير ذلك. من الممكن أن تقول له و الله أنت صاحب قلم جيد، و منتج و تكتب جيدا، و الناس بحاجة إلى مثل ما تكتب، و شيء أنت تحسنه و تنتج فيه لماذا تضيعه ؟  وإن كان بإمكانك أن تمارس التجارة دون أن تتخلى عن أحسن ما فيك و هو " الكتابة " مثلا فافعل .. و أنا واثق بأنك بذكاءك و مثابرتك في البحث ستتوصل إلى التجارة المربحة و طرقها .. هكذا يكون الكلام . و على الإنسان أيضا ألا يحشر نفسه فيما لا يحسن، فشخص يريد أن يكون خطيبا مثلا و هو لا يصلح للخطابة لأسباب عديدة، فليبحث عن شيء آخر يتقنه. و بدلا من أن تقول للشخص : أنت لا تصلح للعمل الفلاني، قل له : أنت تصلح للعمل الفلاني ( و يقصد عمل آخر ) فدائما التلميح أفضل، و إصلاح  الأخطاء دون جرح المشاعر فن من الفنون و قد كان عليه الصلاة و السلام يقول " ما بال أقوام يفعلون كذا و كذا " و لم يكن يجرح أو يذكر الشخص مباشرة، كما في حادثة الرجل الذي دخل ليبول في المسجد فقام الصحابة يوبّخونه و كادوا يضربونه،  فأمرهم النبي صلى الله عليه  و سلم بالتأني حتى يكمل الرجل حاجته، حفاظا عليه،  ثم ناداه و قال له : يا فلان إن بيوت الله لم تبن لهذا، و لكنها جعلت للصلاة، و الذكر ،و تلاو ة القرآن ؛ و لم يعنفه ، فتهلل وجه الرجل.  و دعا قائلا :  اللهم ارحمني و ارحم محمدا ، و لا ترحم معنا أحدا، ـ لاحظ هذا الجاهل المسكين يعالج جهلا بجهل، و يستقبله النبي بتعليم في تعليم ـ  فتبسم النبي صلى الله عليه و سلم و قال له : لقد حجرت واسعا " . أي لقد ضيقت رحمة الله و هي واسعة لا تخضع لمقاييسك أو مقاييس غيرك!! انظر و تأمل في عظمة هذا النبي الكريم صلى الله عليه و سلم كيف يعلّم و كيف يربي و كيف يصلح. فقبل النقد دائما اذكر النقاط الإيجابية للشخص و امدحها، ثم قل له : إن فيك كذا و كذا من الخصال الحميدة،  إلا أن النقطة الأخيرة عندي عليها ملاحظات،  و هي كذا و كذا،  فهذه الطريقة في النقد قلّ من يرفضها إلا مكابر عنيد.  و القاعدة في هذا أنك عندما تناقش إنسانا أخطأ في قضية أن تبدأ بذكر المتفق عليه. هذا هو الأصل .إذا أراد إنسانٌ أن يصرف شخصاً عن طبع سيئ مثلاً فمن الخطأ أن يقف موقف المرشد الناصح في الوعظ، فتِّش عن رغبةٍ يود هذا الشخص بلوغها، ثم اربط تلك الغاية بالإقلاع عن هذا الطبع السيئ،  وستجده ينصرف عنه فعلاً؛ طمعاً في الوصول إلى الغاية لا تأثراً بصواب رأيك ابتداءاً. (ولا يُفهم من هذا التقليل من شأن الوعظ).


الناس يحبون أن ينادون بأحب الأسماء إليهم :

 كان صلى الله عليه وسلم ينادي الناس بأحب أسمائهم، حتى الأطفال الصغار كان يكنيهم أحياناً ( يا أبا عمير ما فعل النغير؟) وأبو عمير طفلٌ صغير.و النغير هو طائر صغير مات له.  من أخطائنا أننا نلتقي و لا يعرف بعضنا حتى اسم بعض، و لا مهنته ،و لا ما يمكن أن نتعاون فيه، و هذا خطأ كبير في الإجتماع .. هناك أمور كثيرة و مشاكل كبيرة يمكن أن تحل لو تعرفنا على بعضنا ، و على ما يمكن أن نكمل فيه بعضنا بعضا، ففي المسجد الواحد تجد الناس يصلون لسنوات مع بعض و لا تتكون بينهم أي علاقة وثيقة ،و ربما لم يتعاونوا في شيء قط !فهذا نجار و ذاك كهربائي  و الآخر أستاذ لغات و ذاك طبيب .. و لكننا كلنا نعرف الجزار و نتعامل معه أي أن الجهاز الهضمي عندنا ماشاء الله فأين الجهاز الفكري ؟! إن مناداة الناس بأحب الأسماء إليهم يجعلك تبني علاقة تقارب سريعة، و الناس يحبون عندما تكلمهم أن تناديهم بأسمائهم ، و هذا جزء من الإهتمام و التقدير ..
"جيم فارلي" ما إن بلغ الأربعين من عمره حتى منحته أربع جامعاتٍ درجاتها الفخرية, وتم تعينه مدير البريد العام في الولايات المتحدة... فما سر نجاحه ؟؟ كان يتملك مقدرةً فائقةً على تذكُّر أسماء الناس. كان يلقى الرجل فيتعرف على اسمه الكامل، وأسماء أولاده وأهله المقربين، ويستفسر عن عمله، وميوله السياسية، ونزعاته الفكرية، ثم يختزن كل ذلك في ذاكرته حتى إذا التقى به ثانية سار الحديث بينهما وكأنه لم ينقطع عنه. فيسأله "جيم" عن أولاده وزوجته وأزهار حديقته، وفي لغة يشعر معها المسئول بقرابته الفعلية من قلب "جيم" وعواطفه. وهكذا إذا أردت أن يحبك الناس فاذكر أسماءهم لأن اسم الرجل هو من أقرب الطرق لكسبه..


 الناس يحبون من يبتسم في وجوههم : 

إن قسمات الوجه خيرُ معبِّرٍ عن مشاعر صاحبه، فالوجه الصبوح ذو الابتسامة الطبيعية الصادقة خير وسيلةٍ لكسب الصداقة والتعاون مع الآخرين، قال صلى الله عليه وسلم في الحث على البشر والتلاطف:" تبسمك في وجه أخيك لك صدقة ".. تفهم عواطف الآخرين و استثر عواطفهم النبيلة :كما أن لك عاطفة تسوقك في كثيرٍ من الأحيان إلى اتخاذ موقفٍ معينٍ، أو تبني رأيٍ خاصٍ, فإن للآخرين عواطف أيضاً، وكما يسرك بأن يراعي الآخرين عاطفتك، فإنهم يسرهم أن تراعي عواطفهم بنفس المقدار.
مهما بدا الناس عتاةً قساةَ القلوب أو لامنطقيين، فإن طبيعتهم الإنسانية هي التي تسود آخر الأمر، إنهم ضعفاء، إنهم يطلبون التعاطف معهم بل والعطف عليهم فإذا قلت لمحدثك: إني لا أوجه إليك اللومَ، إذ إنني سأفعل مثل ما فعلت، لو كنتُ مكانك. فإن هذا كفيلٌ بضمان انجذابه إلى جانبك، واستلالِ كل حقدٍ أو تصورٍ كان من الممكن أن ينشأ بينكما، إذا كنتما مختلفين على أمرٍ من الأمور.
إن استثارة العواطف النبيلة في قلوب الآخرين طريقةٌ ناجحةٌ تماماً في كسب الناس إلى وجهة نظرك، كما أنها لن تؤدي إلى مضرَّةٍ لو قُدِّر لها الفشل.


. تكلم فيما تظن أنه يسر محدثك أولا :

إذا أردت إدخال السرور إلى قلوب الناس حدِّثهم فيما تظنهم يودون الاستماع إليه أولاً، وبذلك تستدرجهم إلى التحدث، والحديث الشيِّق اللذيذ فتصغي إليهم بشغف، ويعتبرونك محدثاً بارعاً تستطيع جلب مسرتهم.


الخاتمة : 

رحم الله الدكتور عبد الله الخاطر رحمة واسعة على هذا الجهد النافع،  و قد أحببته في الله و لم أره. و كم من كتيب فيه من الفوائد ما لا يوجد في مجلدات، و قد يوجد في النهر ما لا يوجد في البحر، و العبرة بالكلمة الطيبة التي تخرج من القلب و تنفع و تتحول إلى عمل، أما كثرة العلم الذي لا ينفع و كثرة المطولات التي لا ينتج عنها عمل، فهي مضيعة للوقت و الجهد، و رب كتاب في 20 صفحة أغنى عن كتاب في 200 أو 300 صفحة !

و قضايا هذا الكتاب تحتاج إلى تدريب عملي قوي جدا حتى تتحول إلى طباع و  سلوك، و  بهذا يتم الإنتقال إلى المجتمع المثالي الراقي الحضاري .. الذي يتعاون على البر و التقوى و تشيع فيه الخيرات و الأفكار النافعة و الآداب الجميلة .. المجتمع الذي يتكامل فيه الأفراد و لا يتدابرون و يتعاونون و لا يتقاتلون .. و يحب بعضهم بعضا انطلاقا من إدراك أن المجتمع ليس سوى مجموعة أفراده، و أن الأفراد بدون مجتمع يوحدهم مثل الأعضاء بدون جسد .. و قيمة العضو إنما تكتسب من دوره في الجسد ... سواء في الطب أو في الإجتماع !

ولكن لمّا كان اكتساب العادة صعباً، نظل في حاجةٍ إلى يقظةٍ ذاتيةٍ ومحاسبةٍ دائمةٍ كما يجب تعلم كيفية اكتساب العادات و قراءة كتب في التنمية البشرية،  و أخذ دورات تدريبية.  فما الإنسان سوى عاداته،  كما قال أرسطو،   و الشيء إذا تكرر تقرر. فاجعل من نفسك رقيباً على نفسك، وجاهد نفسك ألا تميل مع التخاذل، وطبِّق ذلك مع أبيك،وأمك، وإخوانك، وأقربائك، وأصدقائك ؛ لأنهم ألصقُ الناس بك ومن ثم تتحول هذه الحقائق والأساليب إلى مهاراتٍ اجتماعيةٍ عملية .

و صلى الله و سلم و بارك على سيدنا محمد و على آله و صحبه.



المراجع :

1 ـ محاضرة صوتية الدكتور عبد الله الخاطر " فن التعامل مع الناس " .

2 ـ مقال عبد الرحمن بن فؤاد الجار الله بعنوان " فن التعامل مع الناس ". موقع صيد الفوائد.

3 ـ بعض كتب ديل كارنيجي.

4 ـ الرحيق المختوم . للمباركفوري.


تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.
تم عمل هذا الموقع بواسطة