18 May
18May

كتاب الأكثرية و الأقلية في القرآن الكريم

نحو تفسير موضوعي

أو بعبارة أدق : نحو تدبّر موضوعي للقرآن.

تأليف  علي العروسي




{ قل لا يستوي الخبيث و لا الطيب و لو أعجبك كثرة الخبيثالمائدة : 100



[ و إن كثيرا من الناس بلقاء ربهم لكافرون ]  الروم 8.


قال أبو علي الفضيل بن عياض :

" الزم طرق الهدى ، و لا يضرك قلة السالكين ، و إياك و طرق الضلالة و لا تغتر بكثرة الهالكين" .


الأكثرية تعني، أحياناً ، اتفاق الأغبياء"."

المفكر الأمريكي كلود ماكدونالد



مقدمة 

باسم الله الأول بلا ابتداء الآخر بلا انتهاء، الظاهر الذي ليس فوقه شيء، و الباطن الذي ليس دونه شيء. و الصلاة و السلام على خير الأنام سيدنا محمد و على آله و صحبه  و أزواجه و التابعين له بإحسان إلى يوم الدين . 

هذا الكتاب هو محاولة للرد على سؤال : هل الحق مع الأغلبية أم مع الأكثرية ؟ أم أنه متجرد عن الأشخاص و الزمان و المكان ؟ 

و هو أيضا جواب على : كيف كانت استجابة الأمم السابقة  لرسلها و أنبيائها ؟ 

و هل أغلبية البشر يتبعون الحق و يتحرّونه و يعيشون له و من أجله و به ؟ أم أن الأمر على عكس هذا ؟!

هل أكثر الناس مع الحق أم مع الباطل  في جميع العصور ؟ 

هل أكثر  اتبعوا أنبيائهم و رسلهم أم العكس ؟

و ماذا قال القرآن الكريم حول هذا الموضوع ؟

كثيرا ما يظن الناس أن معيار الحقيقة و الصلاح و الخير هو ما يتفق عليه أكثر الناس، أو هو ما يفعله أكثر الناس، أو ما تقوم به حضارة من الحضارات أو أكثر الحضارات.

فهل هذا صحيح ؟ هل هذا هو المعيار ؟

سأثبت في هذا الكتاب استنادا إلى دراسة موضوعية للقرآن الكريم بأن العبرة بالكيف و ليست بالكم، و أن ذلك قاعدة قرآنية عامة، بل و سنة / أي قانون قرآني لا يتخلّف.

فالعبرة دائما و في كل الأزمنة و الأمكنة كانت بالحق النازل من السماء عبر العصور، و هذا الحق لم تتبعه إلا الأقلية في كل زمان و مكان، و بالتالي فلم تنج إلا الأقلية، و لا يصلح اتخاذ الأكثرية معيارا لأي شيء سوى الجهل و اللاعقل و الحمق و عدم الإيمان !!

و لذلك قال الإمام علي رضي الله عنه : "لا يعرف الحق بالرجال، اعرف الحق تعرف أهله ". فمعيار الحق ليس هو ما يقوله الناس، و لكن ما ثبت بالدليل القطعي من مصادره.

 تدبرت كتاب الله فوجدته مدح القلة و ذمّ  الكثرة في كل الآيات، و الآيات التي جاءت الكثرة فيها في سياق المدح جاءت مقيدة و مشروطة . تماما كما أن خيرية هذه الأمة ليست على إطلاقها، و إنما هي مشروطة بالأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و الإيمان بالله.  كما أن الآيات التي ذكرت الأقلية جاءت كلها في سياق المدح، و لم أجد آية واحدة في سياق الذم، اللهم سوى استهزاء فرعون بأتباع موسى و محاولة الانتقاص من شأنهم  { إن هؤلاء  لشرذمة قليلون  } و فيها حجة على المنطق الفرعوني الذي يغوى الكثرة و البهرج و  يحتقر القلة في كل زمان و مكان، و يريد أن يقول لقومه بأن الأغلبية الساحقة مع فرعون و أن عباد الله ليسوا سوى شرذمة قليلون !  فلا يغرّنّك أن يقال : كل الناس يفعل ذلك ... فأكثر الناس في التاريخ كانوا غير مؤمنين، و ضالين، و فاسقين، و جهلة، و مضلين، و {  ما أكثر الناس و لو حرصت بمؤمنين}.

هذه حقيقة قرآنية ثابتة و مبثوتة في العديد من الآيات .

و إن أشهر فيلسوف حمل فانوسا هو  الفيلسوف اليوناني ديوجين و هو لم يدخل التاريخ لأنه حمل فانوسا، و لكنه أمسك الفانوس في وضح النهار، و كان الناس ينظرون إليه و يضحكون لأن رجلا عاقلا مثله يمسك فانوسا في وضح الشمس، و لما سألوه عن أي شيء تبحث، كان جوابه : إنني أبحث عن إنسان. إنه لم يكن يبحث عن إنسان، فما أكثر الناس ! كان يبحث عن القيم . عن الخير و الحب و الجمال و العدل .. 

و منهجي في هذا البحث هو الجمع بين كل النصوص المتعلقة بهذا الموضوع و النظر في مجموعها، و هو بحث وصفي يصف الواقع كما هو، أي يتحدث عما هو كائن و واقع و ليس عما ينبغي أن يكون. و الفرق بينهما عندي هو الفرق بين التاريخ البشري و بين النظم و الأخلاق المثالية. الفرق بين أفعال البشر و مراد الله . الفرق بين تاريخ البشر كتجربة في الزمان و المكان، و بين مقاصد الشريعة التي تحدد الغايات الكبرى .

و فيه أيضا النظر إلى تاريخ الأمم و الشعوب و الحضارات فيما يتعلّق باستجابتها للحق على مر التاريخ،ـ كما استخلصته في كتابي حول تاريخ الحضارات البشرية منذ ما قبل السومريين إلى الحضارة الغربية الحديثة، و هو تاريخ يؤكد بكل قوة على أن الميكيافيلية و الداروينية كانتا موجودتان في تصرفات البشر و طبائعهم منذ القدم، و أن الشركيات و الخزعبلات و الخرافة و الظلم السياسي و الطبقية الأجتماعية كانت هي السائدة في كل الحضارات و لم تزل، و رغم أن الإسلام حارب كل ذلك بشدة، و جعل الناس سواسي كأسنان المشط، إلا أنه لم يتم التطبيق الحرفي لذلك  و لم يتم الارتقاء المثالي سوى في فترات متقطعة من التاريخ بداية بعصر الرسول و عصر أبي بكر و عمر و عثمان، ثم سرعان ما بدأت الفتن في زمن عثمان و ما تزال إلى عصرنا هذا .. تموجتها موجات من الإصلاح و محاولات التجديد و مواقف مثالية من حين لآخر، و قوافل من الصالحين في كل مجال. و رغم كل ذلك تظل هذه الأمة هي الأكثر رشدا و استقامة بين الأمم حين نقارن تاريخها بتاريخ الأمم الأخرى .

كما أنه بحث يصف حقيقة البشر على مرّ التاريخ، كما يصفها القرآن الكريم، و ليس من شأنه الحكم على الناس أفرادا بالضلال أو الكفر. بل إنه يصف واقع الأمم قبل سيدنا محمد صلى الله عليه و سلم تحديدا و امتدادا إلى عصر نوح عليه السلام.

بل جاء في تراثنا الأدبي و الديني :

قال أبو علي الفضيل بن عياض :" الزم طرق الهدى ، و لا يضرك قلة السالكين ، و إياك و طرق الضلالة و لا تغتر بكثرة الهالكين" .

و قال جمال الدين القاسمي علامة الشام رحمه الله تعالى في تفسير قوله تعالى { إنا هديناه السبيل إما شاكرا و إما كفورا } " لما كان الشكر قل من يتصف به قال ( شاكرا ) و لما كان الكفر كثيرا من يتصف به و يكثر وقوعه من الإنسان بخلاف الشكر قال ( كفورا ) بصيغة المبالغة" ...  انظر ص 6010 تفسير القاسمي محاسن التأويل.

سمع عمر بن الخطاب و هو الصحابي الملهم رجلا يدعو و يقول : اللهم اجعلني من الأقلين ، فاستغرب و سأله ما الشأن ، فأجابه الرجل بأن الله تعالى يقول:  {  و قليل ما هم } ، فقال عمر : كل الناس أفقه منك يا عمر ! يقول هذا و هو الرجل المحدَّث الملهم . فانظر كيف يتعلم من الصغير و الكبير ، فليس العلم و التعلم بالشهادات التي تمنحها جامعات الدنيا فقط، و لا بالألقاب الفاخرة،  و لكن التعلم منهاج حياة العارفين ، و  الكتاب المسطور هو نور البصائر ، و الكتاب المنظور كله مختبر تحاليلهم و تجاربهم . و العلم الحقيقي ما أدى إلى خشية الله تعالى ، فافهم هذا تكن على طريق طلاب العلم الجادين 

و أكثر الناس يعلمون بحكم الفطرة و التجربة أنه لا يعوّل على الأكثرية عددا، و  أن الأغلبية الساحقة هم من الغوغاء ، أتباع كل ناعق و بنيات الطريق ، و رغم ذلك  لا يتصرفون تصرف الفئة القليلة الناجية . فعجبا ! { فشربوا منه إلا قليلا منهم  } . طالوت اختبر جنوده فوجد أن قليلا منهم من ثبت، و كثيرا ما تكرّرت هذه القصة في التاريخ.

و نتيجة هذه الدراسة هي أن الأقلية هي التي نجت على مر العصور، منذ سيدنا نوح عليه السلام إلى أن بعث سيدنا محمد صلى الله عليه و سلّم. في حين أهلك الله الأمم السابقة كل بعذاب معيّن، بسبب تمرّدهم على أنبيائهم و كفرهم و ضلالهم و ظلمهم. فمنهم من عاقبه الله بالطوفان كقوم نوح، و منهم من أهلكه الله بالريح الصرصر العاتية، إلى غير ذلك من أنواع الهلاك كما هي مفصلة في القرآن.

قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " عرضت علي الأمم، فرأيت النبي ومعه الرهيط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي ليس معه أحد، إذ رفع لي سواد عظيم، فظننت أنهم أمتي، فقيل لي: هذا موسى وقومه، ولكن انظر إلى الأفق، فنظرت فإذا سواد عظيم، فقيل لي: انظر إلى الأفق الآخر، فإذا سواد عظيم، فقيل لي: هذه أمتك، ومعهم سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب"، ثم نهض فدخل منزله فخاض الناس في أولئك الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، فقال بعضهم: فلعلهم الذين صحبوا رسول الله صلى الله عليه و سلم  وقال بعضهم: فلعلهم الذين ولدوا في الإسلام فلم يشركوا بالله شيئا -وذكروا أشياء- فخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال: ما الذي تخوضون فيه؟ فأخبروه، فقال: هم الذين لا يرقون، ولا يسترقون، ولا يتطيرون؛ وعلى ربهم يتوكلون فقام عكاشة ابن محصن، فقال: ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: أنت منهم ثم قام رجل آخر، فقال: ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: سبقك بها عكاشة . أخرجه البخاري في كتاب الرقائق.

فتأمّل كيف أنه في سلسلة الأنبياء على مر التاريخ، هناك من يأتي و معه الرهيط و هو تصغير الرهط أي عشيرة الشخص و قومه، و تطلق على العدد القليل. و يأتي النبي و معه رجل، و النبي و معه رجلان فقط .. !و فيه فضل أمة سيدنا محمد صلى الله عليه و سلم التي فيها كثير من الصالحين و الأولياء و الشهداء و فيه فضل هذه الأمة على سائر الأمم، و ليس هذا مقام بحثنا هذا .. و لعلنا نفرغ له بحثا آخر  إن شاء الله.

هذا فيما يخص استجابة الأمم للأنبياء و المرسلين، و ما يترتب عليها من نجاة يوم الدين. أما فيما يخص التأثير في أحداث التاريخ و صناعته، فالأقلية دائما أيضا، و في جميع العصور و لدى جميع الأمم هي التي تصنع الأحداث و الإختراعات و التاريخ و الفوارق و البطولات .. النوابغ  هم أفراد قلائل دائما و لهذا فإن نظرية توماس كارليل حول البطولة في كتابه " الأبطال "  صحيحة بكل تأكيد، و هي تتوافق تماما مع حديث " الناس كإبل مائة لا تكاد تجد فيها راحلة " .فكل الاختراعات هي جهود أفراد قلائل على مر التاريخ، و  الفيسبوك الذي يستعمله اليوم  العالم كله هو فكرة رجل واحد. و كذلك الفئئة القليلة هي التي اتبعت الأنبياء دائما، بل يأتي أنبياء و ليس معهم أحد، و يأتي من معه رجل واحد و رجلين !! كما أنه { كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله }. فالفئة القليلة المؤمنة المنظمة تغلب الكثرة المتفرقة المبعثرة .. و هذه حكمة موجودة حتى في الأمثال الشعبية لدى جميع شعوب الأرض و في جميع اللغات. فالاتحاد قوة حتى لو كان اتحاد الفئة القليلة، فما باك لو كان اتحاد الكثرة ؟ !! 

          كونوا جميعاً يا بنيّ إذا اعترى

         خطبٌ ولا تتفرقوا آحاداً

         تأبى الرماح إذا اجتمعن تكسراً

         وإذا افترقن تكسرت أفراداً

 و لكن في المقابل ليست العبرة بالكثرة فأكبر خدع التاريخ فكرة الديمقراطية اعتمدت على الأغلبية الساحقة، و هذا يعني أنه إذا قال 99 جاهل أن الماء سائل، و قال عالم واحد أن الماء له حالات ثلاث فإن الديمقراطية تقول لك أن الحق مع 99 % ! و كنت في حوار مع صحفي إنجليزي يوما، فقال لي : أتعرف الفرق بيننا و بينكم في السياسة ؟ قلت : لا . قال : أنتم يأتيكم الديكتاتوريون على ظهر الدبابة . أما نحن فنختارهم بطريقة ديمقراطية . فالديمقراطية أكبر أكذوبة و خدعة في التاريخ، و رغم ذلك تحضى بأكبر قدر من الاحترام من قبل الأغلبية الساحقة، و تبقى هي أفضل نظام بين النظم كما قال تشرشل !

و الإسلام جاء يصلح المفاهيم، فقلب مفهوم كن مع أخيك ظالما أو مظلوما إلى أن تمنعه من الظلم . لا أن تكون معه على كل حال كما هو الفهم الجاهلي. 

ومَا أَنَا إِلَّا مِنْ غَزِيَّة إِنْ غَوَتْ... غَوَيْتُ وَإِنْ تَرْشُدْ غَزِيَّة أَرْشُدِ

و في هذا الكتاب محاولة لجمع الآيات المتعلقة بموضوع الأكثرية و الأقلية في القرآن الكريم، لنخلص إلى ما قاله كتاب الله عن هذا الموضوع الهام، و أحسب أن الكتيّب على صغر حجمه يعطينا فكرة كافية و واضحة عن هذه القضية ، و قد ألّفته  ليكون مرجعا من مراجع الفكر المستقيم في موضوع الكثرة و القلة، و الأكثرية و الأقلية. و هو يصبّ في قوله صلى الله عليه و سلم " لا تكونوا إمّعة، تقولون إن أحسن الناس أحسنّا، و إن ظلموا ظلمنا، و لكن وطّنوا أنفسكم، إن أحسن الناس أن تحسنوا، و إن أساءوا فلا تظلموا ". فالمعيار و المقياس ليس هو الناس، و لا الأكثرية.

و الفرق بين التفسير الموضوعي و التفسير البياني في القرآن هو أن التفسير الموضوعي ـ و هو علم جديد  نسبيا ـ يبحث في النظرة القرآنية إلى موضوع معيّن، عن طريق جمع كل الآيات المتعلقة بالموضوع المعيّن في القرآن، فتخرج بفكرة واضحة عما يقوله القرآن عن الإنسان مثلا أو المرأة أو المال أو الدنيا أو الحرب أو العلم الخ ...

أما التفسير البياني فهو التفسير القديم الذي يفسر لك القرآن من سورة الفاتحة إلى سورة الناس، دون رابط بين المواضيع، و هي تفاسير على أهميتها، و قيمتها العلمية، تبقى مشحونة بالإسهاب النحوي الإعرابي، و الإسرائيليات، و لا تفيدنا كثيرا في مستجدات و علوم العصر، و لذلك أفضّل التفسير الموضوعي الذي يتدبّر المواضيع موضوعا موضوعا، و يستعين بالتراث التفسيري البياني دون أن يجمد عليه ، رغم أني في حقيقة الأمر أعتبر أن العبارة الأفضل هي التدبّر بدلا من التفسير كما وردت في الآيات نفسها .. { ليدبروا آياته } و إلا فكيف يفسّر الإنسان المحدود زمانا و مكانا و علما، كلام رب العالمين الذي هو على صراط مستقيم و الذي كلامه بحار لا حدود لها ؟

و خلاصة القول أن الأقلية في جميع العصور هي الفئة الناجية، ـ باستثناء الأمة المحمدية أمة الإجابة، و حتى هي على كثرتها مقارنة مع الأمم السابقة، تبقى أقلية قليلة في تاريخ البشرية،  كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود ـ و أن العبرة بالكيف و بالجودة و ليس بالكمّ و الكثرة، و العبرة بسلامة القلوب و النيات، و ليس بكثرة الأعمال الظاهرة المفتقدة إلى الإخلاص، و قد عانى التابعون و أتباع التابعين و تابعيهم من هذا الأمر مشقات كثيرة لإصلاح النوايا، و أقوالهم مبثوتة في كنوز التراث، و من ذلك قوله صلى الله عليه و سلم : " ما سبقكم أبو بكر بكثرة صلاة أو كثرة صيام، و لكن بشيء وقر في قلبه ".

أكرر فأقول أنه موضوع وصفي يشمل تاريخ البشرية و استجابتها للرسل، مع استثناء عصر سيدنا محمد صلى الله عليه و سلم و أمته،  و لا علاقة له بالحكم على الناس في عصر البعثة فما بعدها إلى يومنا هذا.

مصطلح الأكثرية في القرآن :

ورد جذر  ك ث ر و اشتقاقاته في القرآن الكريم في عديد من الآيات، و كلها جاءت في سياق الذمّ، كما ورد جذر ق ل و كلها في سياق المدح. و  هذا تفصيلها :

المتدبر في آيات القرآن الكريم المتعلقة بموضوع الأكثرية يجد أنه ذم الأكثرية و أهلك الأكثرية و وصفها بعدم الشكر و الضلال  و ضعف أو انعدام الإيمان ، و الكفر بالله و باليوم الآخر،  كما وصف الإنسان المتكبر على مدى التاريخ بأنه يعوّل على كثرة ماله أو ولده و عدده و عتاده !

{ و قالوا نحن أكثر أموالا و أولادا و ما نحن بمعذبين } سبأ 35 . قال  الدكتور عمر الأشقر في زبدة التفسير : " أي قالوا إن الله فضلنا عليكم في الأموال و الأولاد في الدنيا ، و ذلك يدل على أنه قد رضي ما نحن فيه من الدين ، فما نحن بمعذبين في الآخرة بعد إحسانه إلينا في الدنيا و رضاه عنّا " .فهذه هي طبيعة سيكلوجية الكفر ، حيث يظن الجاهل أن الإكثار من الدنيا هو دليل على الفلاح و الصلاح ، و لا يفقه سنة الإستدراج .

{ فقال لصاحبه و هو يحاوره أنا أكثر منك مالا و أعز نفرا  } الكهف 34. أي أمنع منك جانبا لكثرة من يقوم معي في المطالبة بما أريد .

و سنة الله الماضية في هذا النوع هي الإهلاك و الدمار .

{ كالذين من قبلكم كانوا أشد منكم قوة وأكثر أموالا و أولادا فاستمتعوا بخلاقهم فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم و خضتم كالذي خاضوا أولئك حبطت أعمالهم في الدنيا و الآخرة و أولئك هم الخاسرون  } التوبة 69. و الخطاب للمنافقين أي كان قبلكم من الكفار أشد من هؤلاء المنافقين المعاصرين للرسول صلى الله عليه و سلم فتمتعوا بنصيبهم الذي قدره الله لهم من ملاذّ الدنيا فاستمتعتم أنتم أيها المنافقون بنصيبكم الذي قدره الله لكم ... عاب على الفريقين استغراقهم في تلك الحظوظ حتى غفلوا عن حق المنعم عنها .. و في الحديث"  ليس المؤمن بالمتنعم". و خضتم كالذي خاضوا أي في أسباب الدنيا و اللهو و اللعب و التكذيب بآيات الله . قلت : وفي الآية إشارة إلى تعاقب السنن { خضتم كالذي خاضوا } فسترون ما رأوا ..

{أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم  كانوا أكثر منهم و  أشد  قوة و آثارا في الأرض  فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون } غافر 82 . من الأمم التي عصت ربها ، و كذبت رسلها ، فإن الآثار الموجودة في ديارهم تدل على ما نزل بهم من عقوبة و ما صاروا إليه من سوء العاقبة . قلت : و من عجيب أمر المسلمين اليوم إلا من رحم الله أنهم يقلدون الكفار في الذهاب إلى تلك الآثار و بدلا من الإعتبار و الإستغفار و الفرار تراهم يلتقطون الصور كأسيادهم من جهلة الشرق و الغرب و أفواههم شاغرة من الغباء و التيه ! . أي أكثر منهم عددا ، و أقوى أجسادا و أوسع منهم أموالا و أظهر منهم بالعمائر و المصانع و الحرث ، فلم يغن عنهم كل ما عملوه في دنياهم من الشرك و الكيد و المكر ، و لا نفعهم قوتهم و مبانيهم و في رد أمر الله عنهم و مؤاخذتهم على ما تجنيه أيديهم من الظلم و مخالفة أمر الله .

{ أو لم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة و أكثر جمعا } القصص 78 .المراد بالقرون الأمم الخالية .. و لو كان المال أو القوة يدلان على فضيلة لما  أهلكهم الله . قلت : و في الآية دليل على أنه مرّ في تاريخ البشرية من هو أغنى و أعتى من قارون .

{أو لم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ، كانوا أشد منهم قوة  و أثاروا الأرض و عمروها أكثر مما عمروها } الروم 9 .

و بخصوص الكم ّ و الكيف في إطار القوة السياسية يعتقد البشر في كل الأمكنة و الأزمنة أن كثرة العدد هي من أسس القوة و النصر ، و قد تدفع بالمرء أن يحتقر خصمه لقلة عدده { إن هؤلاء لشرذمة قليلون } الشعراء 54 .

 و كثرة العدد قد تكون من النعم العظيمة  و لكن بشروطها، و هذا هو الاستثناء،  كقوله تعالى :

{ و اذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم } الأعراف 86  فالله سبحانه و تعالى يمنّ على عباده بنعمة التكثير{ و كأين من نبي قاتل معه ربيون كثير } آل عمران 146  . و لاشك أن الفهم المستقيم هنا يعني الكثرة مع الصلاح كما في سورة  الفاحتة { صراط الذين أنعمت عليهم } و  معلوم أنهم هم النبيون و الصديقون و الشهداء و الصالحون،  القرآن يفسر بعضه بعضا.  و لا أحد يقول أنهم الأكثرية في كل مجتمع ! و لكن جمعهم  في جميع الأجيال يعطينا حصيلة كثيرة مقارنة مع الأمم الأخرى . و  في سورة العصر { و العصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا و عملوا الصالحات و تواصوا بالحق و تواصوا بالصبر } و هؤلاء دائما كانوا أقلية مقارنة مع الأغلبية الرافضة للحق. و الاستثناء في هذا السياق قلة من كثرة، و هو ما يتوافق مع الآيات الأخرى . فهل يقول قائل أن الذين آمنوا و عملوا الصالحات و تواصوا بالحق و تواصوا بالصبر كانوا هم الأغلبية في جميع العصور ؟ و أن الأقلية هي الخاسرة ؟! أم العكس ؟ 

و جاء التكاثر في سياق الذمّ في آية { ألهاكم التكاثر } سواء كان تكاثرا بالمال أم بالأولاد .. و جاء ذكر أن الأموال و الأولاد فتنة عندما يتعارض ذلك مع مراد الله من خلقه و مع مقاصد شريعته ..

{ و جعلناكم أكثر نفيرا } الإسراء 6 . و يقول النبي صلى الله عليه و سلّم " إني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة " ، فالكثرة الصالحة المستقيمة على شرع الله نعمة و بركة و  لكن في المقابل يبقى الشرط هو الصلاح و ليست الكثرة.   { و لن تغني عنكم فئتكم شيئا و لو كثرت } الأنفال 19. فالعبرة بالاجتماع على الحق و الخير و الصلاح و ليس بالكثرة من أجل الكثرة، و إلا لكانت الكثرة  الغثائية أمرا مطلوبا و محمودا ! و لا يقول بهذا عاقل. بل جاءت الكثرة الغثائية في آخر الزمان في سياق الذم، و هي السبب في حالة تداعي الأمم التي دامت أكثر من 100 عام  ..فلو صلحت الشعوب لأصلح الله أمرها بحكام صالحين، و هذا موضوع آخر.

 { كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله } البقرة 249 . 

و أهل بدر كانوا قلة  مؤمنة أمام كثرة كافرة ضالة .. 

{ و يوم حنين إذ أعجبتكم كثرثكم فلم تغن عنكم شيئا } التوبة 25 .

و لكن يوم حنين اغتر المسلمون بكثرتهم فلم تغن عنهم لأن العبرة ليست بكثرة العدد فقط.

فما أجمل أن تجتمع الكثرة مع الصلاح !

أما في مجال الدعوة إلى الله فقد  مدح القرآن الكريم كثرة مجادلة الكفار و إقامة الحجة عليهم ، فعلى الداعي إلى الله أن يكثر من ذلك مع الذين لا يؤمنون فهو من باب إقامة الحجة عليهم  و قد يكون سببا في هدايتهم .

{  قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا } هود 32 .

{ و جاهدهم به جهادا كبيرا }

أي جاهدهم بالقرآن و الحجج و البراهين و الأدلة لعلك تساعد في إيقاظ نزعة التفكر لديهم، فأكثر الناس يفرّون من التفكر و التفكير لأن فيه جهد و تركيز و الأغلبية لا يستحملون ذلك و هذا ما يفسّر ميلهم إلى اللهو و اللعب و السطحية في نمط العيش. { فما لهم عن التذكرة معرضين كأنهم حمر مستنفرة فرّت من قسورة } سورة المدثر : 51.

أما عن ردود أفعال الناس تجاه من يدعوهم إلى الله فقد فصّله القرآن تفصيلا :


 كيف كانت استجابة الناس للرسل على مدى التاريخ ؟

 

{ بشيرا و نذيرا فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون } فصلت 4 .

{ و إني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم } نوح .

{ لقد جئناكم بالحق و لكن أكثركم للحق كارهون } الزخرف 78 .

{ أم يقولون به جنة بل جاءهم بالحق و أكثرهم للحق كارهون } المؤمنون 70 .

{ و ما كان أكثرهم مؤمنين } الشعراء 67-103-121-139-158-174-190.

تكررت هذه الآية كثيرا في سورة الشعراء ..

{ قالوا يا شعيب ما نفقه كثيرا مما تقول } هود 91 

{ رب إنهن أضللن كثيرا من الناس } إبراهيم 36 

{ و قد أضلوا كثيرا } نوح 24 .

فخلاصة تاريخ البشرية  الحقيقي هو تاريخ  استجابتها و رد فعلها مع الأنبياء و المرسلين، و لكن هذه الحقيقة التاريخية القرآنية الكبرى لا يدرّسونها لك في جامعات العالم، فتمرّ على حضارة الفينيقيين و تدرس أنهم كانوا يعبدون بعل و كانوا يلبسون اللباس الأحمر و كانوا يتاجرون في البحر و.. و.. و ..دون أن يقولوا لك أن الله تعالى قد بعث فيهم سيدنا إلياس ! و قل مثل ذلك عن السومريين قبلهم و عدم ذكر سيدنا نوح عليه السلام، رغم أن قصة الطوفان مذكورة في جميع تواريخ و ميثولوجيات الحضارات القديمة، و قوم سيدنا يونس و اللائحة طويلة { منهم من قصصنا عليك و منهم من لم نقصص } فإنه نفس الدرس يتكرر و لا فائدة من مزيد تفصيل ..فالحضارات و الميثولوجيات القديمة تذكر الأصنام و الآلهة الباطلة  كعشتار و بعل و فينوس و ديانا و باخوس و فولكان.. و لكنها لا تذكر الأنبياء الذين أرسلهم الله لها، و قد وقع كثير من الكتاب في خطأ أن الأصل في تاريخ البشر هو الشرك، و أن التوحيد جاء كنتيجة للتطور الحضاري للبشر في زمن الحضارة المصرية، و وقع في هذا الخطأ الفادح كانتب كبير كعباس محمود العقاد في كتابه " الله " و تناسى  عن أن الله تعالى خلق آدم رجلا كاملا و علمه الأسماء كلها، و كان نبيا رسولا بل هو أب الأنبياء و الرسل و البشر جميعا، و أب الحضارة البشرية فكيف يكون مشركا ؟!!  إن التأثر بالمناهج الغربية في التاريخ و الاستغناء عن النظر في القرآن هو سبب هذا الخلط الفكري الشنيع ..

و قد فصّلت في هذا الموضوع في كتاب لي بعنوان " تاريخ البشر الحقيقي هو تاريخ الأنبياء و المرسلين  من آدم إلى محمد عليهم الصلاة و السلام أجمعين" و ذكرت فيه أن سيدنا إدريس هو باني أول حضارة بشرية كبرى على أسس علوم سيدنا آدم و ما أوحى إليه الله تعالى { و رفعناه مكانا عليّا }. و لكن بعد الحضارة يأتي الترف و الخلود إلى الأرض، و نكران الرسالات السماوية، و قسوة القلوب، فكان الله تعالى يرسل الأنبياء و الرسل واحدا تلو الآخر، و كان  ما لقيه الأنبياء و الرسل  من أقوامهم، إعراض، و غلق الآذان عن السماع، و كراهية الحق الذي جاءوا به، و عدم الإيمان، و عدم الفهم، و عدم الفقه ، و الضلال .. هذه هي حصيلة أكثر البشر منذ سيدنا  نوح إلى سيدنا محمد صلى الله عليه و سلم  الذي عانى من قومه الرفض و الاتهام و التكذيب في بداية الأمر، و لكن الله أكرمه بنشر رسالته في الآفاق، تلك الرسالة التي غيرت العالم و صنعت أكبر حضارة ربانية عرفها تاريخ البشرية. و أكرر مرة أخرى، ليس هدف بحثي هذا هو الحكم على أمة سيدنا محمد في عمومها، عبر مراحلها التاريخية الأربع ـ خلافة راشدة ثم ملك عضوض ثم ملك جبري ثم عودة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة ـ  فهي تبقى رغم كل الانحرافات التاريخية عن المنهج القويم، خير الأمم، و أنفعها للناس، و أبشع مراحلها التاريخية ـمرحلة الغثائية ـ هي مرحلة استثنائية، و إن طالت  ـ فهي تكاد تشكّل الأصل لدى الأمم الأخرى ـ !! و لذلك بحث آخر .

و نعلم من الأحاديث أن عشرة قرون بين سيدنا آدم و سيدنا نوح كانت كلها على الإيمان و التوحيد، و أن الشرك طرأ على البشر بوحي من الشياطين في زمن سيدنا نوح. و لذلك فأنا أعتقد أن بين سيدنا آدم و نوح عشرة قرون كما جاء في الأثر، هي كلها على التوحيد  كما قال تعالى : (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ) البقرة/213 

قال ابن عباس في تفسيرها : " كان بين نوح وآدم عشرة قرون، كلهم على شريعة من الحق. فاختلفوا ، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين ".

وقال ابن كثير رحمه الله بعد نقله عن ابن عباس وتصحيحه : "  لأن الناس كانوا على ملة آدم، عليه السلام ، حتى عبدوا الأصنام ، فبعث الله إليهم نوحًا عليه السلام ، فكان أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض " انتهى من "تفسير ابن كثير" (1/569).

وروى مسلم (2865) عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ الْمُجَاشِعِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ذَاتَ يَوْمٍ فِي خُطْبَتِهِ : ( أَلَا إِنَّ رَبِّي أَمَرَنِي أَنْ أُعَلِّمَكُمْ مَا جَهِلْتُمْ مِمَّا عَلَّمَنِي يَوْمِي هَذَا : كُلُّ مَالٍ نَحَلْتُهُ عَبْدًا حَلَالٌ ، وَإِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمْ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يُشْرِكُوا بِي مَا لَمْ أُنْزِلْ بِهِ سُلْطَانًا ). 

قلت : و قد جاء ذكر أول انحراف بشري و عبادة للأصنام في سورة نوح في قوله تعالى : { وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا و قد أضلوا كثيرا و لا تزد الظالمين إلا ضلالا } نوح 23 ـ 24

و جاء في كتاب " مختصر سيرة الرسول " ( و لما مات آدم بقي أولاده بعده عشرة قرون على دين أبيهم، دين الإسلام. ثم كفروا بعد ذلك. و سبب كفرهم الغلو في حب الصالحين. كما ذكر الله تعالى في قوله  وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا و قد أضلوا كثيرا و لا تزد الظالمين إلا ضلالا } نوح 23 ـ و ذلك أن هؤلاء الخمسة قوم صالحون كانوا يأمرونهم و ينهوهم، فماتوا في شهر، فخاف أصحابهم من نقص الدين بعدهم فصوروا صورة كل رجل في مجلسه لأجل التذكرة بأقوالهم و أعمالهم إذا رأوا صورهم، و لم يعبدوهم، ثم حدث قرن آخر فعظموهم أشد  من تعظيم من قبلهم، و لم يعبدوهم، ثم طال الزمان، و مات أهل العلم. فلما خلت الأرض من العلماء، ألقى الشيطان في قلوب الجهال أن أولئك الصالحين ما صوروا مشايخهم إلا ليستشفعوا بهم إلى الله، فعبدوهم. فلما فعلوا ذلك أرسل الله إليهم نوحا ... ) ص 9.

و من الأدلة العقلية على هذا أن قوة الشعلة النورانية التي هبط بها آدم لاشكّ أنها أنارت الأمصار و طالت لأجيال يتناقلها أبناء آدم عليه السلام، شوقا و حنينا إلى ما كان يحدّث به سيدنا آدم عليه السلام  أبنائه، و ما عاشه في الجنة ـ تلك الجنة التي كانت في الأرض، و لم تكن هي جنة الخلد ( و هذا موضوع آخر )، ثم جاء سيدنا إدريس مؤسس أول حضارة بشرية كبرى و علّم الناس العديد من الصناعات بوحي من السماء إلى أن ازدهرت الحضارة في العصر الذي بعث فيه سيدنا نوح عليه السلام حيث بدأ الشرك و الإنحراف و الظلم و الطغيان كنتيجة للترف و نشأة أجيال طال عليها الأمد و قست قلوبها، فكان الطوفان، و نجا من نجا في سفينة نوح و هم أقل القليل ..

هل وقع الطوفان في الأرض كلها، أم في منطقة ميسوبوتاميا فقط ؟ 

و هل كان كل سكان الأرض مستقرون في تلك المنطقة فقط ؟ و هل الذين نجوا من الطوفان هم الذين تأسست عليهم البشرية فيما بعد، أم أنه كان في بقاع أخرى من الأرض بشر آخرون لا علاقة لهم بذلك الطوفان ؟ هذا أيضا موضوع آخر ... 

أكثر الناس لا يشكرون :

{ إن الله لذو فضل على الناس و لكن أكثر الناس لا يشكرون } البقرة 243 . 

{ و لكن أكثر الناس لا يشكرون } يوسف 38.

{ إن الله لذو فضل على الناس و لكن أكثر الناس لا يشكرون } غافر 61.

{ و لا تجد أكثرهم شاكرين ْ} الأعراف 17 .

{ إن الله لذو فضل على الناس و لكن أكثرهم لا يشكرون } يونس 60 .

{ و إن ربك لذو فضل على الناس و لكن أكثرهم لا يشكرون } النمل 73 .

 

أكثر الناس فاسقون : بخصوص أهل الكتاب.

{ و أن أكثركم فاسقون } المائدة 59 .

{ منهم المؤمنون و أكثرهم الفاسقون } آل عمران 110 .

{ و إن وجدنا أكثرهم لفاسقين } الأعراف 102 .

{ يرضونكم بأفواههم و تأبي قلوبهم و أكثرهم فاسقون } التوبة 8 .

{ و كثير منهم فاسقون } الحديد 16 .

 

أكثر الناس لا يحبون الحق :

{ لقد جئناكم بالحق و لكن أكثركم للحق كارهون } الزخرف 78 .

 

أكثر الناس ضال أو مضل أو هما معا : 

{ و إن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله } الأنعام 116 .

{و لقد ضل قبلهم أكثر الأولين }  الصافات 71 .

{ الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد } الفجر 12 .


أكثر الناس لا يعلمون :

{ قل إنما علمها عند الله و لكن أكثر الناس لا يعلمون } الأعراف 187.

{ هل يستويان مثلا . الحمد لله . بل أكثرهم لا يعلمون } الزمر 29 .

{ و الله غالب على أمره و لكن الناس لا يعلمون } يوسف 21 .

{ ذلك الدين القيم و لكن أكثر الناس لا يعلمون } يوسف 40 

{ و إنه لذو علم لما علمناه و لكن أكثر الناس لا يعلمون } يوسف 68.

{بل وعدا عليه حقا و لكن أكثر الناس لا يعلمون } النحل 38 .

{ لا يخلف الله وعده و لكن أكثر الناس لا يعلمون } الروم 30 .

{ ذلك الدين القيم و لكن أكثر الناس لا يعلمون } الروم 30 

{ و ما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا و نذيرا و لكن أكثر الناس لا يعلمون } سبأ 28 .

{ قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء و يقدر و لكن أكثر الناس لا يعلمون } سبأ 36 .

{ لخلق السماوات و الأرض أكبر من خلق الناس و لكن أكثر الناس لا يعلمون } غافر 57.

{ أإله مع الله بل أكثرهم لا يعلمون } النمل 61 .

{ رزقا من لدنا و لكن أكثر الناس لا يعلمون } القصص 57 .

{ قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون } لقمان 25 .

{ بل هي فتنة و لكن أكثر الناس لا يعلمون } الزمر 49 . 

{ ما خلقناهما إلا بالحق و لكن أكثرهم لا يعلمون } الدخان 39 .

{ و لكن أكثر الناس لا يعلمون } القصص 13 .

{ و إن للذين ظلموا عذابا دون ذلك و لكن أكثرهم لا يعلمون } الطور 47 . 

{ ثم يجمعكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه و لكن أكثر الناس لا يعلمون } الجاثية 26 .

{ و لكن أكثرهم لا يعلمون } الأنعام 37 .

{ ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله و لكن أكثرهم يجهلون } الأنعام 111 .

{ ألا إن طائرهم عند الله و لكن أكثرهم لا يعلمون } الأعراف 131.

{ إن أولياؤه إلا المتقون و لكن أكثر الناس لا يعلمون } الأنفال 34 .

{ ألا إن وعد الله حق و لكن أكثرهم لا يعلمون } يونس 55 .

{ هل يستوون . الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون } النمل 75 .

{ قالوا إنما أنت مفتر بل أكثرهم لا يعلمون } النحل 101 .

{ بل أكثرهم لا يعلمون الحق } الأنبياء 24 .

أهل النار كثير من الجن و كثير من الإنس :

{ و لقد ذرأنا إلى جهنم كثيرا من الجن و الإنس لهم قلوب لا يفقهون بها و لهم أعين لا يبصرون بها و لهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام } 

{ يوم نقول لجهنم هل امتلأت و تقول هل من مزيد } سورة ق : 16

أكثر الناس يتبع الظن ! 

{ و ما يتبع أكثرهم إلا ظنا } يونس 36 .

أكثر الناس مشركين :

{ فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل كان أكثرهم مشركين } الروم 42 .

{ و ما يؤمن أكثرهم بالله إلا و هم مشركون } يوسف 106 !! 

{ بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم  بهم مؤمنون } سبأ 41 .

إن هذه الآية تستدعي أن ننظر في الحضارات القديمة و في  الثقافات الشعبية و الكتب القديمة ـ كحضارات المايا و الأستيك في جنوب أمريكا، و حضارة بابل و آشور، و الحضارة المصرية ،و سوف نرى العجب العجاب من كيف أنه فعلا معظم الأديان و الإعتقادات الشائعة بين الناس من قديم الزمان إنما هي عبارة عن تعاويذ و شركيات و خزعبلات تصب في النهاية في عبادة الجن، ثم ظهرت الماسونية و الحركات السرية و هي موجودة إلى زمننا هذا، و لب ديانتها المركزية هي عبادة الشيطان، و منها أيضا العديد من الحركات الصوفية التي خلطت الأعمال الصالحة و الأذكار  بالشركيات و عبادة الجن !!و لقد رأيت بأمّ عيني كتابات فيها أدعية قرآنية مخلوطة بخزعبلات و كلمات فيها ذكر أسماء الجن !!

{ بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم  بهم مؤمنونسبأ 41 .

{ و كذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم } الأنعام 137.


أكثر الناس لا يؤمنون :

{ فأبى أكثر الناس إلا كفورا } الفرقان 50 

{ إنه الحق من ربك و لكن أكثر الناس لا يؤمنون } هود 17 .

{ و ما أكثر الناس و لو حرصت بمؤمنين } يوسف 103 .

{ و لكن أكثر الناس لا يؤمنون } الرعد 1

{ و لقد صرفناه بينهم ليذكروا فأبى أكثر الناس إلا كفورا } الفرقان 50 

{إن الساعة لآتية لا ريب فيها و لكن أكثر الناس لا يؤمنون } غافر 59.

{ نبذه فريق منهم بل أكثرهم لا يؤمنون } البقرة 100 .

{ يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها و أكثرهم الكافرون } النحل 83 .

{ أم يقولون به جنة بل جاءهم بالحق و أكثرهم للحق كارهون } المؤمنون 70 .

{ و إن كثيرا من الناس بلقاء ربهم لكافرون } الروم 8 

{ و ما كان أكثرهم مؤمنين } الشعراء 67-103-121-139-158-174-190.

{ لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون } يس 7 .

 

أكثر الناس لا يعقلون :

{ يفترون على الله الكذب و أكثرهم لا يعقلون } المائدة 103 .

{ أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون } الفرقان 44 .

{ قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعقلون } العنكبوت 63 .

{ إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون } الحجرات 4 .

 

أكثر الجن كذبة : 

{ يلقون السمع و أكثرهم كاذبون } الشعراء 223 .

أهل النار هم كثير من الجن و كثير من الإنس :

{ و لقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن و الإنس ْ} الأعراف 179.

 

أكثر أهل الكتاب :

{ ودّ كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا } البقرة 109 .

{ منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ساء ما كانوا يعملون ْ} المائدة 66 .

{ فعموا و صموا ثم تاب الله عليهم ثم عموا و صموا كثير منهم } المائد 71 .

{ و كثير حق عليه العذاب } الحج 18 .

{ و لتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم و من الذين أشركوا أذى كثيرا } آل عمران 186 .

{ و بصدهم عن سبيل الله كثيرا } النساء 160 .

{ ثم إن كثيرا منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون } المائدة 32 .

{ و إن كثيرا من الناس لفاسقون } المائدة 49 .

{ و ترى كثيرا منهم يسارعون في الإثم و العدوان } المائدة 62 

{ و ليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك طغيانا و كفرا } المائدة 68 .

{ و لا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل و أضلوا كثيرا } المائدة 77 

{ ترى كثيرا منهم يتولون الذين  كفروا } المائدة 80 

{ و لكن كثيرا منهم فاسقون } المائدة 81 

{ و إن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم } الأنعام 119 .

{ إن كثيرا من الرهبان و الأحبار ليأكلون أموال الناس بالباطل } التوبة 34 .

 

طبائع الإنسان في القرآن :

 

الجدال أكثر شيء في الإنسان :

{ و كان الإنسان أكثر شيء جدلا } الكهف 54 

 و عندما يتحدث القرآن الكريم عن الناس، فالمقصود كل الناس، مؤمنهم و كافرهم، مسلمهم و غير مسلمهم، الناس هم البشر بصفة عامة، بغض النظر عن عقائدهم و أديانهم. { قل أعوذ برب الناس ملك الناس إله الناس }

أكثر الناس لا عهد لهم :

{ و ما وجدنا لأكثرهم من عهد } الأعراف 102 .

لا خير في كثير من كلام الناس: 

{ لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر  بصدقة أو معروف  أو إصلاح بين الناس } النساء 114 .

أكثر الناس غافلون عن آيات الله : 

{ و إن كثيرا من الناس عن آياتنا لغافلون } يونس 92 

 

أكثر الناس ظالم للناس : 

{ و إن كثيرا من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض } سورة ص : 24 .

 

و هناك كثير من الطبائع الأخرى للإنسان و جاءت كلها في سياق الذم، و لذلك فمن الجهل الكبير شيوع قول " الإنسانية " على أنه مقابل للرحمة أو الخير، فهذا خطأ فادح و مخالف للقرآن الذي أكّد أن الإنسان جهول و ظلوم و طمّاع و مستعجل و أناني و مغرور و متكبّر الخ الخ، و قد فصّلت هذا الموضوع في كتابي ( الإنسان في القرآن ) فليرجع إليه من أراد التفصيل.

و التاريخ يؤكد أن ما فعله الإنسان بأخيه الإنسان من تعذيب و حروب و دمار و تخريب شيء لا يصدّق ! و لذلك تساءلت الملائكة مستغربة : { أتجعل فيها من يفسد فيها و يسفك الدماء } سورة البقرة.

و الواقع المعاصر ما يزال يؤكد حقيقة أن هذا الإنسان مهما بلغ من علم مادي تجريبي و تقدم تيكنولوجي يظل وحشا كاسرا يؤمن بفلسفة القوة و الغلبة على مذهب سوبرمان نيتشه، و يظل عنصريّا بامتياز، و لا يرتقي بهذا الإنسان الإرتقاء الحقيقي، و لا يؤدبه التأديب الحقيقي، إلا الإيمان بالله و العلم الرباني الذي يزرع في قلبه النور و الرحمة الحقيقيان، و قليل من البشر من يصل إلى هذا المستوى العالي في جميع العصور و الأمصار، بل حتى في تاريخ المسلمين نفسه لم يصل إلى هذا المستوى إلا القليل ـ رغم أنهم أكثر بكثير من الأمم السابقة بدون شك ـ و يكفي مراجعة سير الصحابة و الأولياء و العلماء الربانيين و الشهداء ، فهم و الحمد لله كثرة في هذه الأمة المحمدية المرحومة مقارنة مع من سبقها من الأمم، و لكن تبقى هذه الكثرة نسبيّا مجرد قلة وسط بحر من الأكثرية التائهة و التي تعيش عيش الإستهلاك و الترف و تنحرف عن الجادة، و لا تكرّس حياتها من أجل رسالة ما .


الأكثرية في الحديث النبوي الشريف 

قال رسول الله صلى الله عليه و سلم " تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة ". حديث صحيح رواه الشافعي عن ابن عمر. و أخرجه ابن حبان.

فهو حديث ينهى عن الرهبانية و الإنقطاع عن الحياة الإجتماعية و ينهى عن  التبتل و اعتزال الحياة، فهذا ليس منهج الرسول، بل هو منهج ابتدعه بعض رهبان النصارى و لا علاقة له بالإسلام.

ويحث على طلب الزواج و الولد  وفق تربية صحيحة فالرسول يطلب منا كثرة الولد و تكثير أمة المسلمين لأهداف دنيوية و أخروية. و لا يقوم هذا إلا بالتربية الصالحة. و رجاء سيدنا محمد صلى الله عليه و سلم أن يكون أكثر الرسل أتباعا من هذا الباب. و جاء التكاثر في سياق الذمّ في آية { ألهاكم التكاثر } سواء كان تكاثرا بالمال أم بالأولاد .. و جاء ذكر أن الأموال و الأولاد فتنة عندما يتعارض ذلك مع مراد الله من خلقه و مع مقاصد شريعته ..

{ إنما أولادكم و أولادكم قتنة فاحذروهم } فليس التكاثر بالأولاد  نعمة على إطلاقها .. و إنما ينضبط وفق ضوابط المقاصد الكلية . بل و قد ورد في سياق آخر الزمان " و يصبح الولد غيظا " و " تلد الأمة ربتها " و فيخ إشارة إلى خلل التربية و التعليم و الإعلام و تبدّل الثقافة و القيم.

و قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : لَا تَكُونُوا إِمَّعَةً ، تَقُولُونَ : إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَحْسَنَّا ، وَإِنْ ظَلَمُوا ظَلَمْنَا ، وَلَكِنْ وَطِّنُوا أَنْفُسَكُمْ ، إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَنْ تُحْسِنُوا ، وَإِنْ أَسَاءُوا فَلَا تَظْلِمُوا) رواه الترمذي.

فالإنسان المسلم عليه أن يكون صاحب شخصية  ومرجعية مستقلة، و لا يكون تابعا لغيره من الثقافات و العادات و السلوكيات لمجرد أن الناس يفعلونها ! و مقياس و معيار الصلاح  ليس هو الناس و ما يفعلونه، بل هو الحق و الخير، كما قال سيدنا علي رضي الله عنه " الحق لا يعرف بالرجال، و لكن الرجال يعرفون بالحق،  اعرف الحق تعرف أهله ".

و قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " إنما الناس كالإبل المائة، لا تكاد تجد فيها راحلة ".

و الراحلة هي النجيبة المختارة من الإبل كاملة الأوصاف، و الحديث يشير إلى ندرة النجيب في الناس، و ندرة من له تكوين متكامل و قادر على تحمل المسؤوليات و القيام بالواجبات على أحسن ما يرام، فالأكثرية أهل نقص، و أهل الفضل قليل { و لكن أكثر الناس لا يعلمون }. و هذا ايضا يتوافق مع أن صناع الحضارات و التاريخ و التغييرات البشرية الكبرى هم قليل .. فالأنبياء و الرسل قليل، و الأطباء قليل، و العلماء قليل .. و في آخر الزمان يكثر الجهل و يقل العلم، مع كثرة شيوع القلم و النشر !

قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " تقوم الساعة و الروم أكثر الناس ".

و قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق ". 

قلت : طبعا لأن المتأمل في التاريخ المعاصر يجد أن كل المفاسد التي طلعت في قرن الشيطان ـ قرن سايكس بيكو و الإستعمار ـ  خرجت من أوربا و أمريكا، و هم سيسيرون على درب الإنحلال الخلقي إلى نهايته و ستكون ردّة إلى الإفساد و الإنحلال التام  بعد موت عيسى عليه السلام ، لدرجة أن بعض الأحاديث تشير إلى وقوع الزنى جهارا نهارا في الطرقات .

" لا تقوم الساعة حتى تتسافدوا في الطرقات تسافد الحمير ".

و هذا الحديث مع غيره فيه تحذير كبير من اتباع ثقافة الغرب المضلة لأخلاق الناس، و هل فسدت أخلاق المجتمعات كما فسدت في قرن الشيطان الذي ظهرت فيه الإختراعات كالتلفاز و الفيديو و السينما و التي استخدمت جميعا في هدم الدين و نشر الرذائل و التطبيع معها .. و سوف تكون استراحة  وإنابة و توبة و  استقامة في زمن الخلافة الراشدة، و زمن عيسى عليه السلام ، ثم تعود ديمة لعادتها القديمة.. و على شرار الخلق تقوم القيامة، و أكثرهم من الروم.

 الساعة تقوم على شرار الخلق و  أكثر شرار الخلق هم الروم ! و سوف تأتي  ريح في زمن عيسى عليه السلام  و تأخذ أرواح جميع المؤمنين فلا يبقى في الأرض إلا شرارها و عليهم تقوم الساعة ..

( أنتم كالشعرة البيضاء في الثور الأسود ).

بشرى لأمة المسلمين الموحدين :

عن عبدالله بن مسعود قال: كنا مع النبي في قبَّة، فقال: " أترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة؟ " قلنا: نعم، قال: "أترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنة" قلنا: نعم، قال: "أترضَون أن تكونوا شَطر أهل الجنة"، قلنا: نعم، قال: "والذي نفس محمد بيده، إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة، وذلك أن الجنة لا يدخلها إلا نفس مسلمة، وما أنتم في أهل الشرك إلا كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود، أو كالشعرة السوداء في جلد الثور الأحمر". 

هذا نص صريح على أن من مات على الكفر كان من أهل النار، و الآيات القرآنية تشير إلى هذا المعنى بوضوح.

و هو صريح أيضا في أن نصف أهل الجنة هم من أمة سيدنا محمد صلى الله عليه و سلم، و النصف الآخر من أتباع الأنبياء والرسل السابقين عليهم الصلاة و السلام أجمعين.

و غنيّ عن الذكر أن أمة سيدنا محمد صلى الله عليه و سلم هي كل من عاش في زمنه فما بعد إلى أن تقوم الساعة، و فيها كل من آمن بالله و رسله من جميع الأجناس و الأعراق ـ و هم أهل الجنة ـ و فيها أيضا أن  من لم يؤمن بالله و خاتم رسله ـ هم أهل النار ـ . و الدليل :

 قال صلى الله عليه و سلم : " و الذي نفس محمد بيده لا يسمع بي من هذه الأمة يهودي و لا نصراني، ثم يموت و لم يؤمن بالذي أرسلت به، إلا كان من أصحاب النار ". راوه مسلم. و لذلك قال العلماء أن أمة سيدنا محمد هي أمة إجابة، و أمة دعوة. أي جميع الأمم التي جاءت في عصره إلى قيام الساعة هي داخلة في أمته.

أكثر أهل الجنة و أكثر أهل النار : 

عن النبي صلى الله عليه و سلم قال : " اطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء، و اطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء ". رواه البخاري.

كانت النساء في جميع الحضارات أكثر ميولا إلى إفساد المجتمعات،  و تحريض الرجال على الحروب و التجبر في الأرض، و لم تقم حرب بين الرجال إلا و كثير من  النساء من وراءها تحريضا و تشجيعا على الباطل، ثم إن الكثير من النساء يقعن في الشرك و الإيمان بالسحر و ضرب الكف و الخزعبلات ،  أخطر ما في ذلك هو اللسان .. اللسان .. اللسان .. منذ القدم ! و هذا ليس انتقاص من المرأة، بل هناك من النساء من تفوق الرجال صلاحا و ذكاء  و إيمانا، و إنما هي مسألة نسبية، و التعميم خطأ  فالقاعدة الكبرى هي أنه لا فرق بين عربي و عجمي و لا بين رجل و امرأة إلا بالتقوى ...

و يكفي إكراما للمرأة أن القرآن فيه سورة النساء و ليس فيه سورة الرجال. كما فيه سورة مريم.

و العالمات الفاضلات الصالحات القانتات في أمة سيدنا محمد صلى الله عليه و سلم كثيرات جدا.. و لكن أيضا تبقى المسألة نسبية مقارنة مع الكثرة الهالكة .. شعرة بيضاء في ثور أسود.

و هذا الحديث فيه حث للنساء خاصة على الحذر و الإستقامة ..و التحذير من كفران العشير كما في الحديث الآخر. و هذا ليس فيه ترخيص للرجال أبدا.

قال رسول الله صلى الله عليه و سلم :" يوشِك الأمم أن تداعى عليكم، كما تداعى الأكلة إلى قصعتها. فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ؟ قال: بل أنتم يومئذٍ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن الله في قلوبكم الوَهْن. فقال قائل: يا رسول الله، وما الوَهْن؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت ". 

فالكثرة هنا لا معنى و لا قيمة لها، لأنها غثاء لا نفع فيه، و فيه دليل على أن العبرة تبقى دائما بالكثرة الصالحة النافعة، بل و حتى بالقلة النافعة { كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة } أما الكثرة بدون صلاح و بدون علم و بدون خير فلا قيمة لها .. 

و فيه دعوة صريحة إلى الخروج من حالة الغثائية و الفرار منها، و تجديد القوى الروحية و الإيمانية و العلمية و الفكرية بنظرة شمولية، و عدم الغرور بعدد السكان و كثرة المنتسبين ، فذلك لا يغني شيئا، و الدليل الواقعي المعاصر أن عدد المسلمين يفوق المليار و النصف، و لكنهم أكثر شعوب العالم تخلفا و فقرا و ديكتاتورية و ظلما اجتماعيا ..و لا يشكلون نموذجا عالميا يحتذى، بل تقع عليهم جميع المظالم و المجازر في مشارق الأرض و مغاربها، و لا تغني عنهم كثرة العدد شيئا، لأن العبرة ليست في الكثرة العشوائية الفوضاوية التائهة .. و على كل حال هذا موضوع آخر .. 

مصطلح القلة و الأقلية في القرآن :

بضدها تتميّز الأشياء، و مصطلح القلة يقابل مصطلح الكثرة، فهيّا بنا نلقي نظرة عن الآيات القرآنية في هذا الباب . 

سمع عمر بن الخطاب رجلا يقول " اللهم اجعلني من عبادك القليل . فقال له عمر : من أين أتيت بهذا الدعاء ؟ فقال الرجل : { و قليل من عبادي الشكور } فبكى عمر و قال : كل الناس أفقه منك يا عمر !

رأينا كيف جاء ذكر الأكثرية في القرآن الكريم، فهيا بنا الآن لنرى كيف ذكرت  مصطلحات القلة و القليل و الأقلية ..

1 ـ  متاع الدنيا قليل بالنسبة للكافرين .

{ متاع قليل ثم مأواهم جهنم و بئس المهاد } آل عمران 197.

{ قل متاع الدنيا قليل و الآخرة خير لمن اتقى و لا تظلمون فتيلا } النساء 77 .

{ و من كفر فأمتّعه قليلا } البقرة 126 .

حقيقة هذه الدنيا مقارنة مع الآخرة، هي كما قال رسول الله صلى الله عليه و سلم " وَاللَّهِ مَا الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ مِثْلُ مَا يَجْعَلُ أَحَدُكُمْ إِصْبَعَهُ فِي الْيَمِّ فَلْيَنْظُرْ بِمَ يَرْجِعُ ". فكم من الناس يستحضر هذا المعنى و يعيشه ؟

2ـ بنو إسرائيل :

{ ما فعلوه إلا قليل منهم } النساء 66 .

افتخر ثابت بن قيس بن شماس ورجل من يهود، فقال اليهودي: والله لقد كتب الله علينا أن اقتلوا أنفسكم، فقتلنا أنفسنا! فقال ثابت: والله لو كُتب علينا أن اقتلوا أنفسكم، لقتلنا أنفسنا! أنـزل الله في هذا:  وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا  . 

روى الطبري:

لما نـزلت: " وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلا قَلِيلٌ مِنْهُمْ"، قال رجل: لو أمرنا لفعلنا، والحمد لله الذي عافانا! فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إنّ من أمتي لَرِجالا الإيمان أثبت في قلوبهم من الجبال الرَّواسي. 

3 ـ استجابة الأمم للرسل 

{ و ما آمن معه إلا قليل } هود 40 .

{ ما يعلمهم إلا قليل } الكهف 22 .

4 ـ الشاكرون قليل 

{ و قليل من عبادي الشكور } سبأ 13 .

5 ـ الذين آمنوا و عملوا الصالحات قليل 

{ إلا الذين آمنوا و عملوا الصالحات و قليل ما هم } ص : 24 

6 ـ الناجون قليل 

{ ثلة من الأولين و قليل من الآخرين } الواقعة 14.

قد يظن البعض أن القليل تعني بضع عشرات أو مئات. كلا. فإن ملياري ناج قليل أمام بلايين من الهلكى على مر التاريخ البشري.. 

هل هذه  الآيات تحتاج إلى تعليق ؟

7 ـ صفات علماء السوء  :

{ و لا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا } البقرة 41.

{ ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا } البقرة 79 .

{ ثم توليتم إلا قليلا منكم و أنتم معرضون } البقرة 83 .

{ بل لعنهم الله بكفرهم فقليلا ما يؤمنون } البقرة 88 .

{ و يشترون به ثمنا قليلا أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار } البقرة 174 .

 إن الذين يشترون بعهد الله و أيمانهم ثمنا قليلا } آل عمران 77 .

{ فنبذوه وراء ظهورهم و اشتروا به ثمنا قليلا } آل عمران 187 .

8 ـ القليل يثبتون عند المواقف 

{ فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم } البقرة 246 .

{ فشربوا منهم إلا قليلا منهم } البقرة 249 .

{ لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا } آل عمران 199 .

{ و لكن لعنهم الله بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا } النساء 46 .

{ و لولا فضل الله عليكم و رحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا } النساء 83 .

9 ـ صفات المنافقين في القرآن : يذكرون الله و يؤمنون و  لكن قليلا ـ في الظاهر ـ !

{ قاموا كسالى يراءون الناس و لا يذكرون الله إلا قليلا } النساء 

{ بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا } النساء 155 .

{{ و لا تزال تطّلع على خائنة منهم إلا قليلا منهم } المائدة 13 .

{ و لا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرون } الأعراف 3 .

{ و جعلنا لكم فيها معايش قليلا ما تشكرون } الأعراف 10 .

          { و لا يأتون البأس إلا قليلا } الأحزاب 18 .

{ و لو كانوا فيكم ما قاتلوا إلا قليلا } الأحزاب 20 .

 

نجاة المجتمعات مرتبطة ارتباطا شديدا  بالذين يأمرون بالمعروف و ينهون عن المنكر، و الناجون الحقيقيون هم الذين يقومون بهذه المهمة الاجتماعية الكبيرة و الخطيرة، و رغم ذلك فإن قليلا من الناس ينهون عن الفساد في الأرض  على مدى التاريخ .

أكثر الناس يشاهدون المنكر و الظلم و الفساد و الإفساد و الجرائم عيانا جهارا نهارا، و لا يفعلون شيئا .  بل أصبحنا ـ في عصرنا هذا عصر الدجال ـ  نتفرج على كل هذا و نتطبع معه و نعتاد عليه و لا نحرّك ساكنا !

 قال تعالى :

{  فلولا كان من القرون من قبلكم أولو بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلا ممن أنجينا منهم و اتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه و كانوا مجرمين  } هود 116 .

 تأمّل هنا كيف ربط الله النجاة بالنهي عن الفساد في الأرض !

فالأقلية الناجية هل الفئة التي تأمر بالمعروف و تنهى عن المنكر في كل العصور، و الأكثرية الهالكة هي الأكثرية الصامتة في عالم " الزومبيس " المتفرجين على الظلم و الفساد.

ثم إني تأمّلت في قوله تعالى { إنا أرسلنا إليكم رسولا كما أرسلنا إلى فرعون رسولا } 

فتساءلت : لماذا قال تعالى كما أرسلنا إلى فرعون تحديدا ؟!! و هو يخاطب هذه الأمة .. و أترك لكم التعليق ..لعل تفكركم في تاريخنا السياسي يعطيكم الجواب..فنحن أمة عملاقة برأس قزم كما قررّ المفكر البحريني محمد جابر الأنصاري.

الشيطان و ظنه في بني الإنسان  :

الشيطان يعرف أن القليل هم الذين سينجون من مكائده و مخططاته .. 

{ لئن أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلا } الإسراء 62.

{ و لقد أضل منكم جبلا ّ كثيرا } يس 62 

 { و لقد صدّق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين } سبأ : 20

{ قال  فالحق و الحق أقول لأملأن جهنم منك و ممن تبعك منهم أجمعين } ص : 84

{ إلا عبادك منهم المخلصين } ص : 83

{ و لكن حقّ القول منّي لأملأنّ جهنم من الجنة و الناس أجمعين } 

{ بل كانوا يعبدون الجنّ أكثرهم بهم مؤمنون } سبأ : 40


مزيد من طبائع البشر : 

{ و لا يستوي الأعمى و البصير و الذين آمنوا و عملوا الصالحات و لا المسيء قليلا ما تتذكرون } غافر 58 .

{ فسيقولون بل تحسدوننا بل كانوا لا يفقهون إلا قليلا } الفتح 15 .

{ قليلا ما تؤمنون } الحاقة 41 

{ قليلا ما تذكرون } الحاقة 42 

 

خلاصة البحث : 

1 ـ أكثر الأمم قبل بعثة سيدنا محمد كانت استجابتها للأنبياء و الرسل استجابة سلبية للغاية، فرفضت الرسالات و تمردت عليها، و عتت عتوا كبيرا.

2 ـ أكثر تلك الأمم كانت تكفر بالله و اليوم الآخر 

3 ـ عاقب الله تلك الأمم و أهلكها و جعلها آية لمن خلفها. 

4 ـ جاء وصفها بقلة العلم و كثرة الجهل، و قلة قبول النصح، و كثرة الكفر و الفسق و الطغيان، و قلة الشكر.. 

5 ـ عانى الأنبياء و الرسل كثيرا مع أممهم، و يجيء النبي يوم القيامة و معه رجل واحد أو رجلين ! 

6 ـ أكثر الأمم أنبياء و رسلا هم بنو إسرائيل في الحقبة المتأخرة،  و كثرة المرض احتاجت إلى كثرة الأطباء، و رغم ذلك فهم ليسوا سواء في استجابتهم للرسل. منهم من آمن و منهم من كفر.. و أكثرهم الفاسقون .. 

7 ـ خلق الله البشر حنفاء فاجتالتهم الشياطين، و الأصل في البشرية هو التوحيد الذي هو الفطرة الأصلية، و هو ما بدأ مع سيدنا آدم كرسالة. 

8 ـ طرأ الشرك على البشرية قبل سيدنا نوح في حضارة مترفة طاغية .. فأرسل الله تعالى سيدنا نوح كأول أولي العزم من الرسل.

9 ـ كل الحضارات البشرية  منذ ما قبل  نوح عليه السلام، وقعت في الشرك، و الفساد و الظلم الترف و الطغيان، و انحرفت عن رسالة السماء.

10 ـ  لم أتطرق لموضوع خصوصية الأمة المحمدية إيمانا و صلاحا و خيرية و اتباعا للرسول و هي استثناء بين الأمم .. 

عن عبداللَّه بن عَمْرو بن العاص رضي اللَّه عنهما: أَن النَّبِيَّ صلى الله عليه و سلم  تَلا قَول اللَّهِ في إِبراهِيمَ عليه السلام : رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي [إبراهيم:36]، وَقَوْلَ عِيسَى عليه الصلاة والسلام: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [المائدة:118]، فَرَفَعَ يَدَيْه وَقالَ: اللَّهُمَّ أُمَّتِي أُمَّتِي وَبَكَى، فَقَالَ اللَّه تعالى : يَا جبريلُ، اذْهَبْ إِلى مُحَمَّدٍ -وَرَبُّكَ أَعْلَمُ- فسَلْهُ: مَا يُبْكِيهِ؟ فَأَتَاهُ جبرِيلُ، فَأَخْبَرَهُ رسولُ اللَّهصلى الله عليه و سلم بِمَا قَالَ، وَهُو أَعْلَمُ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: يَا جِبريلُ، اذهَبْ إِلى مُحَمَّدٍ فَقُلْ: إِنَّا سَنُرضِيكَ في أُمَّتِكَ وَلا نَسُوؤُكَ رواه مسلم. 

و داخل الأمة المحمدية هناك استثناء داخل الاستثناء فالغرباء داخل الأكثرية قليل .. و  لا تجتمع أمة سيدنا محمد على ضلالة .. و الجميع تحت رحمة الله إن شاء الله و قد بينت الآية أن أقسام المسلمين ثلاثة : 

{ ثمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ۖ فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ }.

و منهج أهل الحق أن أهل الكبائر تحت مشيئة الله، و تلحقهم شفاعة رسول الله، و يخرج الله من النار من كان في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان.

الاستثناءات

{يضل به كثيرا و يهدي به كثيرا } البقرة 26 

           فالقرآن يهدي به الله كثيرا من الناس و يضل به كثيرا من الناس أيضا، يضل به الذين في فلوبهم زيغ و يتبعون المتشابه منه.

          أكثر الأمم قبل سيدنا محمد كانوا ضلالا و تمردوا على أنبيائهم و هناك النبي الذي يجيء يوم القيامة و معه الرهيط و الرجل و الرجلان ! 

          و أمة سيدنا محمد صلى الله عليه و سلم الصالحون فيها كثر و الربانيون و الشهداء و هي أكثر الأمم تبعا لرسولها، و رسولنا صلى الله عليه و سلم               هو أكثر الرسل أتباعا يوم القيامة و هم السواد الأعظم من أهل الجنة : إنا سنرضيك في أمتك .. 

         و هي أمة معصومة في مجموعها " لا تجتمع أمتي على ضلالة " .. 

         و لكن هذا لا يعني أنها أمة مقدسة لا تقع في الخطأ و الإنحراف، بل فيها مراحل استثنائية خرجت فيها عن الصراط المستقيم في السياسة و الاقتصاد و           العلم و العمل و منها مرحلة الغثائية التي استقرت فيها منذ أكثر من 200 سنة و إلى الآن .. تخللتها محاولات عديدة للإصلاح و التجديد قوبلت   كلها

          بالتشويه و التآمر .

و موضوع الأكثرية و الأقلية داخل الأمة المحمدية يحتاج إلى بحث آخر  مستقل..

11 ـ الأقلية هم الشاكرون في جميع العصور.   { و قليل من عبادي الشكور } { قليلا ما تشكرون } 

12 ـ الأكثرية ليسوا مقياسا للاتباع و لكن وجب اتباع الحق حيثما كان و لو كان مع الواحد. 

13 ـ العبرة بالكيف و الجودة، و ليست بالكمّ و الكثرة . في أمور العلم و الدين و الدنيا . و ما أجمل أن يجتمعا ! أما إن افترقا فالأخذ بالحق و الجودة حتى لو خالفها أغلب الناس .. 

14 ـ هذا البحث ليس له علاقة بمقاصد الشريعة من حيث هي مراد الله من التشريع، و من حيث هي روح القوانين، و الأهداف الكلية.  بل هو وصف لاستجابة الأمم قبل سيدنا محمد لرسلها، و ذلك  هو جوهر تاريخها الحقيقي،  فإذا كانت المقاصد الكلية للشريعة هي روح و لب ما يريده الله لعباده { و لا يرضى لعباده الكفر } فإن استجابة البشر لتلك الإرادة شيء آخر يتعلق بحرية اختيار الناس عبر التاريخ، و هذا هو ما أتحدث عنه، أنا أتحدث هنا عما هو كائن ، و عن الذي كان في التاريخ البشري، و ليس عما ينبغي أن يكون .. لا أتحدث عن  المثالية ، و عن رحمة الله الواسعة و لكن عن أفعال البشر في الزمان و المكان و كيف تعاملوا مع رسلهم و رسالاتهم. 

بل حتى في أمتنا و عصرنا، هل نحن الآن مثال لرسالتنا ؟ هل نحن نمثّل رسالة القرآن في السياسة ؟ أو في الاقتصاد ؟ أم في الاجتماع ؟ أم في الفكر ؟ أم في الإعلام ؟ أم في أي شيء ؟ ! إن ما يريده الله منّا شيء و ما هو واقعنا شيء آخر .. و هذا الواقع المنحطّ طال عليه الأمد لقرون ..

بعبارة أخرى : هل التاريخ البشري خضع في عمومه لآية { فمن اتبع هداي فلا يضل و لا يشقى } أم إلى آية {  و من أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا } ؟

و هل الذين اتبعوا هدى الله كانوا هم الأكثرية أم الأقلية دائما ؟ ! و هل الذين أعرضوا عن ذكر الله كانوا أقلية أم أكثرية  في كل المجتمعات البشرية ؟

أم أن هذا التاريخ البشري خضع لآية { و لقد صدّق عليهم إبليس ظنه } 

{ و لقد ضلّ قبلهم أكثر الأولين } 

الآية صريحة في ضلال أكثر الأولين، أي الأمم السابقة القديمة، أما في عصر سيدنا محمد كما ذكرنا فذلك موضوع بحث آخر.



انتهى


و الآن قيد التأليف .. ( الجزء الثاني ) و فيه  :

1 ـ الأقلية في أقوال الصحابة و التابعين و العلماء: 

قال أبو علي الفضيل بن عياض :" الزم طرق الهدى ، و لا يضرك قلة السالكين ، و إياك و طرق الضلالة و لا تغتر بكثرة الهالكين" .

عمر يتمنى بيتا مملوئا برجال أمثال أبي عبيدة  بن الجراح .

2ـ الأقلية في أحداث التاريخ : 

سيدنا إبراهيم كان أمة وحده.

كثيرا ما قال سيدنا علي : وددت لو أن معاوية أعطاني واحدا من رجاله و أخذ عشرة من رجالي !

توماس كارليل ألف كتاب الأبطال ليثبت فيه أن الأقلية هي التي تصنع التاريخ.

حكام العالم هم مجرد فئة قليلة متشابكة المصالح .. و أكثرية الشعوب مسحوقة لأنهم لا علم و لا تنظيم لهم ..

ثروات العالم في يد فئة قليلة جدا، و الأكثرية تعيش في فقر مدقع.

الدهماء مصطلح سياسي ـ اجتماعي  يشير إلى الشعوب الساذجة العمياء التي تعيش و تتحرك بجهل و غباء ... و كثير من الأحاديث أشارت إلى غثائية الأمة في آخر الزمان و إلى فتن الدهيماء !

3 ـ الأمثال الشعبية حول موضوع الأكثرية و الأقلية و مدى موافقتها أو مخالفتها للحق.


المراجع 

القرآن الكريم 

مراجع ذكرتها في صفحات البحث. 

و اعتمدت غالبا على تأملي و تدبّري المباشر في كتاب الله  و على بعض كتبي الأخرى.

و سوف أفصّلها إن شاء الله حين أقرر النشر



تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.
تم عمل هذا الموقع بواسطة