19 May
19May


خلاصة الكتاب في نقاط : 

1ـ الحياة قنطرة و معبرة و ليست دار قرار.

2 ـ الحياة الدنيا تتعارض مع الآخرة حين تكون هي أكبر الهم و مبلغ العلم و العمل.

3 ـ الحياة الدنيا لا تتعارض مع الآخرة حين تكون نعم المطية و المزرعة لها .

4 ـ اختلفت وجهات نظر الناس إلى الدنيا كما إلى سائر الأمور بحسب العقيدة الدينية أو الفلسفية و كلها محض هراء و تفاهة إلا الرؤية الإسلامية الشمولية المتكاملة لأنها من مشكاة الوحي الرباني المحفوظ بحفظ الله ..

5 ـ أعظم حكمة في هذا الموضوع يمكن أن تسمعها في حياتك كلها  هي :  " اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا، و اعمل لآخرتك كأنك تموت غدا ". فلا تعارض ما دام هناك إيمان و عمل صالح، و ينشأ التعارض حين تصير الحياة الدنيا هي منتهى الأمل !























فهرس الموضوعات

مدخل .............................................................ص 2

مقدمة............................................................. ص 4

ذكر الحياة في القرآن..............................................ص7

الحياة في السنة..................................................ص 20

الحياة عند الذين لا يؤمنون بالله و اليوم الآخر................ص 22

 مبحث المتشبثين بها كما في البقرة...........................ص 23

 مبحث الساخطين عليها كما عند الوجوديين...................ص 24

 مبحث الحياة عند الهندوس......................................ص26

  مبحث الحياة عند البوذيين .....................................ص29

مبحث الحياة عند السيخ .........................................ص 30

عند اليهود.......................................................ص 31

عند النصارى....................................................ص 32

عند فلاسفة اليونان................................................ص32

أحسن ما قيل في وصف الدنيا ...................................ص 40

فلسفتنا في الحياة بين الترغيب و الترهيب........................ص58  

فلسفتي في الحياة ................................................ص 63

ملحقات ..........................................................ص 67

خلاصة الكتاب في نقاط  ........................................ص 70

المراجع ...........................................................ص 71



مدخل 

{ و فرحوا بالحياة الدنيا و ما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع } الرعد 26.

عطاء الدنيا ليس خيرا محضا و لا هو  شر محض بل هو امتحان. والغنى ليس خيرا و لا هو شر، بل بحسب مجالات الكسب و الإنفاق، و الجمال ليس خيرا و لا شرا بل بحسب ما يفعل به المرء، و كذلك العلم و السلطة و الجاه و الشهرة و القوة الخ .... فكل عطاء في الدنيا إنما هو ابتلاء { لننظر كيف تفعلون } { هو الذي خلق الموت و الحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا } { فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه و نعمه فيقول ربي أكرمني، و أما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانني كلا } كلا فالأمر ليس كذلك ... إذا أعطاك فقد ابتلاك .. و إذا لم يعطك فقد ابتلاك ..

و قال صلى الله عليه و سلم " لا تزول قدنا عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع : عن عمره فيم أفناه، و عن جسده فيم أبلاه، و عن و عن علمه ماذا عمل فيه، و عن ماله من أين اكتسبه و فيم أنفقه " .


لا تكن أحمقا أيها الإنسان ..لا تغترّ .. وجودك كله مؤقت .. مجرد لحظة، فكيف يكون ما تملك؟ هل يملك أحد شيئا فعلا ؟ 

{ إن الملك إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه }

لا يوجد مالك حقيقي لأي شيء إلا الله .. و كل من يملك شيئا لفترة مؤقتة فهو ملك زائف و وهم كبير ...حتى لو كان ذلك الملك هو الكرة الأرضية بما فيها !

أما عطاء الآخرة فهو عطاء جزاء، و نظام الآخرة نظام آخر مختلف تماما في النشأة و الحياة { و لقد علمتم النشأة الأولى }{ لهم ما يشاءون فيها و لدينا مزيد } فالدنيا دار كدح و عمل و عطاءها كما منعها ابتلاء أما الآخرة فدار راحة و جزاء { لهم فيها ما يدّعون }  و عطائها متاع لا نهاية و لا حدود له ..بمجرد أن تفكر في الشيء تجده حاضرا أمامك، إنك تنعّم فوق الخيال .. و قد ورد في الآثار أن أهل الجنة يشتهون الطائر يطير فوق رؤوسهم فينزل على طبق لم تره العين من قبل جزء منه مشوي و جزء منه بمذاق آخر، ثم عندما يفرغ الإنسان من أكله يستوي قائما ثم يعود للطيران .. مناظر و أشياء لم ترها العين و لا سمعت بها الأذن و لا خطرت على قلب بشر من قبل ..أي أن تلك هي الحياة الحيقيقة اللائقة بالإنسان المكرّم الذي خلقه الله، حياة دائمة في نعيم مقيم، و ليس حياة مؤقتة تحت الإختبار الدائم !

 أما الدنيا فهي دار كد و كفاح، و ذلك هو سر السعادة فيها أصلا و الذين يبحثون عن الراحة التامة فيها إنما يبحثون عن شقائهم و بؤسهم النفسي لأن الناس  لم يخلقوا  لتلك الراحة و المتاع بل بالإفراط في الراحة  تفسد الأخلاق و العقول و السلوكيات و حتى الأجساد، و ما التخمة المؤدية إلى السمنة، و ما الأمراض النفسية الناتجة عن عدم الحركة و العمل سوى أمثلة بسيطة ... { لقد خلقنا الإنسان في كبد }  فسر سعادته في كده و تعبه كالماء صفائه و نفعه في حركته و جريانه .
{ إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه }
  { فإذا فرغت فانصب } و { كتب عليكم الجهاد و هو كره لكم و عسى أن تكرهوا شيئا و هو خير لكم } 

فالخير كل الخير في الجهاد  و السعي و الحركة و العمل و الكفاح و الإبداع و الشر كل الشر في الراحة ..   و لذلك جاء في المثل العربي : "  من طلب الراحة فقد ترك الراحة  " ! هذه قاعدة عميقة عامة للأفراد و المجتمعات .. فالترف و الخمول  و القعود و الكسل عواقبها وخيمة على الفرد و المجتمع في الدنيا و الآخرة ..

فلا شيء يفسد الإنسان أفرادا و أمما مثل الترف و البذخ و عدم الكد و الجد ..عدم العمل .

فسبحان من خلق من كل شيء زوجين و جعل لكل دار صفاتها و فلسفتها ....اللهم لا تحرمنا من نعيم الآخرة و لا من خير ما في الدنيا ألا و هو ذكر الله و طلب العلم النافع و قراءة حياة الأنبياء و الصالحين و التفكر في خلق السماوات و الأرض ... آمين آمين .


مقدمة 


 عجيب كيف يتحوّل الحلم  المؤقت إلى ما يشبه  الحياة الأبدية  الدائمة !.. و عجبا كيف يتحول الأنموذج إلى سلعة تامة مكتملة !

عجبا لأمر هذه الحياة ، بينا تراها مقبلة مسفرة ضاحكة مستبشرة ، إذا هي عابسة مدبرة، عليها غبرة ترهقها قترة .

فهل يثق بها عاقل مجرب ؟

و هل يغرم بها حكيم عارف  ؟

و هل تخدع إلا المغرور الذي لا تجربة و لا عقل له ؟

قال تعالى { أموات غير أحياء  }.. يقول ابن القيم  في ص 29 ( كتاب الدواء الشافي ) : " فالحياة في الحقيقة حياة القلب وعمر الإنسان مدة حياته فليس عمره إلا أوقات حياته بالله فتلك ساعات عمره فالبر والتقوى والطاعة تزيد في هذه الأوقات التي هي حقيقة عمره ولا عمر له سواها وبالجملة فالعبد إذا أعرض عن الله واشتغل بالمعاصي ضاعت عليه أيام حياته الحقيقية التي يجد غب إضاعتها يوم يقول ياليتني قدمت لحياتي ". 


يقول صلاح الراشد  في ص 11 ( كتاب كيف تخطط لحياتك ) : " إن الحياة إيمان و كفاح و جد و اجتهاد و عمل.. و حكي عن حكيم عربي قال : ليس للحياة قيمة إلا إذا وجدنا فيها شيئا نناضل من  أجله ". 

و إذا أردنا أن نصف الحياة الدنيا وجب أن نقول أنها  حبلى بالمتناقضات ، و لا يخلو منها شيء إلا و كان له ضد ، و هي مرحلة زمنية مؤقتة ، و لا يصل إلى الكمال و لا إلى  غايته منها و لا فيها أحد ! و لذلك يبلغ بنا التأمل إلى أن نقول أنه لا يمكن أن يكون  المقصود منها ما هو موجود فيها من مال أو علم أو سعادة أو سيادة أو ريادة أو شهرة أو أو أو .. كل هذه الأمور جميلة و جذابة و خلابة و مغرية للناس .. و لكنها تفقد قيمتها و يتعكر صفوها بوجود الموت أي بوجود نهاية غير منتظرة لها ! من هنا كان ضروريا أن نتطلع للبحث عن حقيقة و قيمة الحياة فيما وراء هذه الظواهر .. و إلا كنا قانعين بحياة بهيمية مستهلكة غير مفكرة .. الشيء الذي يأباه العقل و الفكر و التأمل فكيف إذا كان كتاب الله يؤكد ذلك بآيات صريحات ؟...

فما سر هذه الحياة إذن ؟

و هل إلى السعادة فيها من سبيل ؟

بحث الناس عن السعادة في المال فهل وجدوها ؟ و بحثوا عنها في كل شهوة أحاطت بالإنسان فأهلكته من سلطان و مناصب و شهرة . فهل وجدوا إلا الضنك و الأحزان و الهموم و الضيق و البلاء المبين و سعادة اللحظات الوهمية ؟!

إن الدول الأكثر غنى و الأكثر قوة و علما هي الدول التي أفسدت البيئة و لوثت الدنيا و أنهكت البشرية بالحروب و هي الدول التي تكثر فيها نسبة الإنتحار و المخدرات و الجريمة و الأمراض النفسية و شيوع فلسفة الفردانية الهدامة لمعاني العلاقات التراحمية ! فهل من تفسير لهذه الظواهر ؟

و قد قال العارفون عن المال أنه بئس الصاحب، لأنه لا ينفعك حتى يفارقك .. ألا ترى أنك لا تشتري به شيئا، و لا تكتسب من وراءه نفعا إلا بعد أن تنفقه و تفارقه ؟

و هل معنى هذا أن نترك المال و العلم و القوة لأنها تؤدي إلى هذا الدمار ؟ كلا ! ليس هذا هو المقصود ، بل المطلوب هو أن نضع القوة و المال و العلم في إطارها الصحيح ألا و هو إطار الحقيقة الدينية العادلة و الحكيمة بدلا من هوى الإنسان البغيض. فتلك وسائل لا غايات .. و مراكب لا محطات نهائية .. فحينما يكون المال وسيلة لإرضاء الله يكون نعم المال الصالح في يد العبد الصالح، به يقيم الواجبات و من ضمنها الزكاة، به يبني المدارس و المستشفيات و كل أعمال البر و به يحقق القوة لمبادئ الخير في الأرض ...و لكن عندما يصبح المال إلها يعبد تنتهك في سبيله الحرمات، و يستأثر به أقلية مجرمة تنهب الثروات و يصبح وسيلة لقهر الشعوب و الهيمنة عليها و التعالي و الإستكبار حينئذ يكون نقمة و أي نقمة على صاحبه و من حوله ! " لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع .. و عن ماله من أين اكتسبه و فيم أنفقه ".


























 

ذكر الحياة في القرآن الكريم :


الحياة في المفهوم القرآني نوعان، حياة دنيا و حياة آخرة، يتميّز المؤمن بالله أنه يؤمن أيضا باليوم و الآخر و بسائر أركان الإيمان الستة المعروفة، و أما الكافر فشعاره هو "إنما هي الحياة الدنيا "! هذا الفارق الكبير في الرؤية و التصور ينتج عنه فوارق شاملة في الثقافة و الإقتصاد و السياسة و الإجتماع و الحضارة بشكل عام ..

و لكن هناك نوع من البشر غريب ينتمي في أقواله إلى المؤمنين و في أفعاله إلى الكافرين خصوصا في مجال السياسة ! و هذا موضوع لا يدخل في صميم هذا الكتاب.


أنواع البشر :


و البشر فيما يخص الحياة  أنواع منهم من يريد الدنيا و منهم من يريد الآخرة، يقول تعالى { من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه و من كان يريد حرث الدنيا نؤته منها  و ما له في الآخرة من نصيب } الشورى 20.

و قال : { من كان يريد الحياة الدنيا و زينتها نوف إليهم أعمالهم فيها و هم فيها لا يبخسون أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار و حبط ما صنعوا فيها و باطل ما كانوا يعملون } هود 15.

و قال عز من قائل : { من أراد الآخرة و سعى لها سعيها و هو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا } الإسراء 19.

فهذا النوع فقط أراد و اختار عن قناعة و تفكّر ..


و هناك نوع آخر أخطر من النوع الأول، هذا النوع  اشترى الدنيا بالآخرة {أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة فلا يخفف عنهم العذاب و لا يهم ينصرون } أي أنهم باعوا الآخرة فلابد أنهم كانوا يعرفون ما باعوا و ما اشتروا و ذلك لأن الإنسان من طبعه { كلا بل تحبون العاجلة و تذرون الآخرة }  و هذه الفئة الدنيوية العالمانية هي التي تحكم اليوم العالم لفترة مؤقتة ! و منهم من باع آخرته بدنيا غيره !

 

و القرآن الكريم فصل قضية الحياة و مفهومها و الهدف منها و سبب وجودها ووجود الإنسان فيها بما لا يدع مجالا للشك أو الحيرة أو التخبط أو الضلال .. قال تعالى : { و ما خلقت الجن و الإنس إلا ليعبدون } ثم يأتي بشر من الجهال الملحدين و من الضلال التائهين و يقولون شعرا أو نثرا أو حتى لغوا مفاده أن الحياة لغز أو سؤال لا جواب له أو مشكلة لا حل لها أو ما شابه ذلك من الترهات ! و يأتي قوم آخرين طمست قلوبهم فينكرون وجود الجنّ و يقوم أحسنهم طريقة  بتأويل الكلمة إلى طاقة سلبية أو وهم من الأوهام !


هكذا يتخبط العقل البشري عندما يبتعد عن النور فماذا يبقى له سوى الظلام ؟ { فماذا بعد الحق إلا الضلال } و لذلك فالمؤمن يتميّز عن غيره بكونه قرآني البصر و البصيرة، مشتعل الفؤاد نورا، منهجه المعرفي متكامل متناغم غير ناقص و لا متناقض، يعتمد في معرفته على الوحي و العقل و الحس و الإلهام في خلطة تعطي لكل ذي حق حقه.. و ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، يتميّز بأنه يمشي في صراط مستقيم، يمشي في نور، يمشي و هو يعرف المبدأ و المنتهى، يمشي على بينة من أمره، يمشي و هو يعلم أنه ليس وحده في هذا الكون، و أن هناك الجن و هم أيضا مكلفون مثله، بل من قبل أن يخلق .. { و ما خلقت الجن و الإنس إلا ليعبدون } يمشي و هو يعلم من أين و إلى أين و لماذا و كيف { أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى أمن يمشي سويا على صراط مستقيم } الملك.

 و كل هذه الظلمات يقع فيها العديد من الذين يزعمون أنهم فلاسفة و مفكرون و شعراء  و كتّاب و أدباء ممن انقطعت صلتهم بالنور، و الله سبحانه و تعالى هو النور، و كتابه هو النور.. { نور على نور }

أما هؤلاء الظلاميون فلا شك عندي أن الشياطين يوحون إليهم هذه الأفكار العدمية السلبية فيغرقون في ظلمات اللامعنى و التيه.

و بما أن الحياة تنقسم إلى قسمين كما يبين القرآن الكريم و حتى الفطرة السليمة التي لا تقبل أن يكون وجود هذا المخلوق المسمى إنسانا مجرد وجود مؤقت و منغص بالمنغصات .. فقد اقتضت حكمة الله البالغة أن تكون الدنيا للمؤمن و الكافر معا، و غالبا ما تكون للكافر بقدر أوفى، و ذلك فيه من الدروس و العبر ما يخفى على مطموسي البصيرة و أصحاب البصر الدنيوي من الذين { يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا و هم عن الآخرة هم غافلون } 

فمن دروس ذلك أن تتم سنة الإبتلاء بعضا ببعض،  وسنة الغربلة و تمييز الصفوف،  فيتميز الصابر من غير الصابر و الشاكر من الجاحد، و العالم من الجاهل، و من يريد الدنيا و التحرر من عبادة الله، و من يريد الله و اليوم الآخر.. كما ورد في قصة قارون العظيمة الفوائد { قال الذين يريدون الحياة الدنيا يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون } و ذلك شأن طلاب الدنيا في كل زمان و مكان، و كما جاء في قصة أصحاب الجنة الذين أرادوا منع الرزق عن غيرهم و الإستئثار به كما في سورة القلم { إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة } { تشابهت قلوبهم } { و قال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن } القصص 80.


المتدبر لكتاب الله يجد أن كل الآيات التي فيها  مصطلح " أملي" .. و معناه الإستفاضة في العطاء سواء كان ماديا أو معنويا،  و يدخل فيه كل ما يعطيه الله من علوم و أموال و قوة و جاه و تمكين مثل قوله تعالى { و لا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما و لهم عذاب مهين } آل عمران 178. و قد جاءت بعدها مباشرة آية الغربلة {  ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب و ما كان الله ليطلعكم على الغيب } آل عمران 179. فهذا العطاء و هذا الإملاء ليس خيرا للذين كفروا، و لذلك نستغرب كيف ينظر بعض المسلمين إلى الكافرين على أنهم أفضل منهم حالا ! كيف و هم واقعون في سنة الإملاء و الإستدراج و مصيرهم إلى النار لكفرهم بالله و آياته و اليوم الآخر، و لاستكبارهم في الأرض بغير الحق، فكيف يكونون أفضل حالا من الذين آمنوا ؟ هذا خلل كبير في العقيدة و نتيجة خطيرة من عواقب هجران القرآن و تدبره  و عدم فهم لمصيبة المؤامرات و الحرب الحضارية!

 و سنة الإستدراج من السنن الخطيرة جدا لأن ظاهرها الرحمة و باطنها من قبله العذاب، فظاهرها المال و القوة و الأولاد و الحكم و الهيمنة والسيطرة و القدرة .. و باطنها الإبتلاء و التمييز و وقوع الأمر عليهم بالحجج و البراهين و استبانة سبل المجرمين بعدما يرتكبون ما يرتكبون من غرور و ظلم و إفساد .. و هي سنة  خاصة بالكافرين و إعطائهم الدنيا يغرقوا فيها ليثبتوا أنما هي مبلغ علمهم منتهى مرادهم و لا يريدون شيئا بعدها فتذهب طيباتهم فيها  ... فتكون هي نهاية أملهم و منتهى علمهم و مطلبهم .. و لذلك تجد أمثلتهم بالإنجليزية و الفرنسية و الإسبانية و جميع اللغات الأوربية البعيدة عن الوحي و المليئة بالكفر و الإلحاد :

Enjoy your life

Live your life fully

Live to the maximum

You only live once

و منهج حياتهم كله قائم على هذه الفلسفة الشهوانية الإستمتاعية القصوى، يتنافسون فيها و يتحاسدون و يقضون أعمارهم بحثا عن موقع فيها و حسرة على ما يفوتهم منها ! لأن سنة الحياة اقتضت أصلا أن يتساوى الناس في الأرزاق و لابد من سنة التسخير بعضا لبعض و إلا لاستحالت الحياة و استحال الإجتماع ..و من هنا فلابد أن يستعلي بعض على بعض، و لابد أن يحسد بعض بعضا، و لابد أن يكون البعض فوق البعض .. و المساواة وهم كبير.. و الذين يطالبون بها من شيوعيين و فوضويين أكثر وهما و جهلا ..

فهذه الأمثلة تدل على أنه لا حظ في الآخرة لعشاق الدنيا لأنهم أصلا ينكرونها و لا يؤمنون بها .. و إنكار الآخرة هو سمة الكفر و أهله .. و علامتهم الجامعة ..  و الآيات في هذا الباب لا تعد و لا تحصى، كقوله تعالى { و أما إن كان من المكذبين الضالين } و قوله تعالى { و قالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا و ما نحن بمبعوثين }الأنعام 29  كما أن الإيمان باليوم الآخر هو علامة أهل الإيمان الجامعة ...

و هو مصداق قوله تعالى { لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد متاع قليل ثم مأواهم جهنم و بئس المهاد } آل عمرن 197

 

هذه النظرة الأولى ضرورية كمدخل جامع لفهم الحياة من منظور قرآني، فالمؤمن عندما يتحدث عن الحياة يكون قصده الحياة الدنيا التي هي مزرعة و الحياة الآخرة التي هي { دار القرار } { الآخرة هي الحيوان لو كانوا يعلمون } أي أنها هي الحياة الحقيقية، و هذا يعرف بالمنطق أيضا، فالحياة الدائمة الخالدة التي لا موت و لا منغصات فيها لابد أن تكون هي الحياة الحقيقية، بينما الحياة التي ينهيها الموت و تنكدها المنغصات ليست حياة حقيقية و إنما هي كالأنموذج فقط .. إنما هي امتحان و ابتلاء و اختبار و دار عمل و دار تفكر و دار تأمل و دار جمع الحسنات أو السيئات ..دار زراعة .. هذه المفاهيم لا ينبغي أن تغيب عن بالك أيها الجيل المؤمن : 

حقيقة أن الحياة الدنيا هي فقط الشق الأول من الحياة .. الشوط الأول .. المزرعة .. دار العمل ..و ليست هي الحياة كلها .. و لا الحياة الحقيقية ..و أنّك متميز بإيمانك هذا عن الكافرين الذين فلسفتهم على اختلاف مشاربهم تقوم على أساس أن الدنيا أكبر همهم و مبلغ علمهم و شغلهم الشاغل و فرصتهم الوحيدة يتهارجون فيها و يتنافسون تهارج الحمر الوحشية ... أما أنت أيها المؤمن فمستعل بإيمانك مستعل بعلمك الذي شمل الدنيا و الآخرة، كما قال سيدنا سليمان من قبل { و أوتينا العلم من قبلها و كنا مسلمين ْ} { بل أنتم بهديتكم تفرحون } . 

و بدون هذا الفهم الإيماني العميق لحقيقة الحياة لا يمكن إدراك أسرار كيف أن الأنبياء و المرسلين و العلماء الربانيين و الصالحين في كل زمان و مكان يعيشون عيش الكفاح و الكدّ و يلقون العناء الشديد من قبل أراذل المجتمعات حيث يكونون في الظاهر هم " الملأ " و هم " السلطة الرسمية " و هم وجهاء القوم و هم في حقيقة أمرهم مجرد أعداء لله و رسله و كتبه و اليوم الآخر ! و أمثلة هذا لا تحصى في القديم و الحاضر .. الصالحون يقتلون و يسجنون و يشردون و المجرمون يحكمون و يسودون و يتمتعون ! أليس هذا هو الوضع ؟ فكيف تفهمونه ؟ هل معناه أن المجرمين هم الفائزون و العلماء الصالحين هم الخاسرون ؟ كلا و الله و  القرآن بيننا و بينكم ..

إن حقيقة الإيمان باليوم الآخر .. بالشوط الثاني و النهائي و الأبدي .. بدار الجزاء .. هو السمة المميزة لأهل الإيمان كما أن إنكار ذلك هو السمة المميزة لأهل الكفر و النفاق .. احفظ هذا و لا تنساه أبدا ..و افهم ما يجري حولك في ضوء السنن و أحسن القصص ألا و هو قصص الأنبياء مع أقوامهم و كيف كانت العاقبة .. لا تكن سطحيّا واقعيّا بمعنى أنك لا ترى سوى ما هو واقع حولك ! و لكن كن قرآنيا سننيا ..

 

و هذا دافع لك قوي على اغتنام أوقاتها و عمل الصالحات و ترك آثار طيبة تذكر بها بعد موتك { سنتكتب ما قدموا  و آثارهم } يس..

و هي دعوى للإجتهاد في العمل و الخير و النفع ...

هكذا يرى المؤمن الحياة، إنها مزرعة العمل، و الآخرة دار الحصاد..

إنها الإمتحان، و الآخرة دار الجزاء ..

إنها التعب و الآخرة دار الراحة ..

فاليوم عمل و لا علم [ اليقين ]،  غدا علم و لا عمل  ( البصر الحديد).

فالحياة الدنيا لا قيمة لها في حقيقة الأمر، و قيمتها تكمن فيما تفضي إليه، و فيما وراءها، إنها مثل السفر قيمته الحقيقية في محطة الوصول و ما بعد  الوصول .. فإذا سافرت و لم تقض غرضك بل تهت في الطريق، هل تسمي ذلك سفرا ؟!

فالدنيا تزول مرتين، مرة بزوال الفرد عنها، و مرة لزوال الوجود بأكلمه يوم الساعة ... ثم هي مليئة بالمنغصات فكيف يطمئن لها الذكي اللبيب ؟! 

 

{ أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل } التوبة 38

{ إن الذين لا يرجون لقاءنا و رضوا بالحياة الدنيا و اطمأنوا بها } يونس 7

القرآن الكريم يشبه هذه الحياة  بدفتر خاص بكل إنسان، و كل عمل يقوم به الإنسان تقوم الملائكة بتسجيله و نسخه.. فوجود الإنسان هنا ليس عبثا و ليس للحفلات و الفرجة و الغباء ! إنه وجود مسؤول و هذه السطحية التي حولت إليها وسائل الإعلام المجتمعات إلى مجتمعات ترفيه و حفلات و أكل و شرب و غناء و رقص و تيه و تخبط هي سطحية و تفاهة تشكّل خطرا على حاضر و مستقبل البشرية في الدنيا و الآخرة، لأن الله تعالى لم يخلقنا لهذا .. و الذين يظنون أنهم يعيشون هنا عيش البهائم بدون سبب و لا مصير محتوم و لا حساب هم واهمون و خاطئون و مفلسون ! و أي فكر أو فلسفة توحي بأن الحياة هي مجرد  هذه السخافة لا يمكن إلا أن تكون فكرا شيطانيا قحا  ووقحا ...

{ ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد } 

{ هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون } الجاثية 29


و أهل السلطة و المال من الغافلين عن حقيقة الوجود و الذين يضعون أنفسهم في خندق عداوة الله و المؤمنين و يعتدون على العلماء و العاملين يقال لهم، قوله تعالى { و لقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة و تركتم ما خولناكم وراء ظهوركم و ما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء لقد تقطع بينكم و ضل عنكم ما كنتم تزعمون } الأنعام 94 و أيضا الآية هلك عني سلطانيه ما أغنى عنى ماليه ..

إن السلطة و المال و الجاه و المناصب و القوة كما ذكرنا هي ليست ملكا لأحد، إنما هي " تخويل " من الله تعالى من أجل الإبتلاء و النظر كيف تعملون و ماذا تعملون بها .. و لكن الإنسان الغبيّ ينسى هذا أو يتناساه و يتغاضى عنه و يقول كما قال قائده قارون { إنما أوتيته على علم عندي } ! و يطغى و يتصرف و كأنّه مالك حقيقي و دائم و حرّ فيما يفعل و ليس له من محاسب ! و تلك طبيعة الإنسان غير المؤمن .. إنها طبيعة الجحود و التمرد .. طبيعة إبليس الأولى ... { كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى } لذلك تلاحظون كيف أن دولة المسخ الصهيوني و حلفائها من آراذل آخر الزمان اليوم تريد إغراق الشرق الأوسط بالمنتجعات و الملاهي و الترف و مشاريع الإلهاء و البذخ ..

{ أيحسب الإنسان أن يترك سدى } ؟! 

{  يا معشر الجن و الإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي و ينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا شهدنا على أنفسنا و غرتهم الحياة الدنيا و شهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين } الأنعام 130

 

التحذير من الدنيا وفتنتها و غرورها 

قال تعالى : [ يا أيها الناس إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا  و لا يغرنكم بالله الغرور ]  لقمان 33.

وقال تعالى [ وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور ] . آل عمران 185 .

[ قالوا شهدنا على أنفسنا و غرتهم الحياة الدنيا ] الأنعام 70.

{ يا أيها الناس إن وعد الله حق فلا تغرنّكم الحياة الدنيا و لا يغرّنكم بالله الغرور ْ} فاطر 5.



في الدنيا متاع و لكنه قليل و فاني 

[ ذلك متاع الحياة الدنيا و الله عنده حسن المآب ] آل عمران 14 .

[ فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل ] التوبة 38.

[ إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض ] يونس 24 .

[ و ما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع ] الرعد 26.

[ و اضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء ] الكهف 45.

 

و لذلك لا ينبغي للعاقل أن يرضى بها و يتخذها أكبر همه ...

الحياة الدنيا لا يجب الرضى بها 

 [ أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة ] التوبة 38.

 [ إن الذين لا يرجون لقائنا و رضوا بالحياة الدنيا و اطمئنوا بها ] يونس 7.

[ و لا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ] الكهف 28.

[ و لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا ] طه 131.

[ و ما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا و زينتها ] القصص 60.

[ فأعرض عمن تولى عن ذكرنا و لم يرد إلا الحياة الدنيا ] النجم 29.

 

 

الحياة الدنيا لعب و لهو

{ و ما الحياة الدنيا إلاّ لعب و لهو و للدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون }  الأنعام 32

 

 

الحياة الدنيا تعطى للكافر و الفاسق و المنافق و قد تعطى للمؤمن أيضا 

 

[ إنك آتيت فرعون و ملإه أموالا و زينة في الحياة الدنيا ] يونس 88.

 [ و لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا ] طه 131.

[ و ما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا و زينتها ] القصص 60.

[ أفمن وعدناه وعدا حسنا فهو لاقيه كمن متعناه متاع الحياة الدنيا ] القصص 61.

[ فأما من طغى و آثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هي المأوى ] النازعات 38.

و فرح الكافرون بالدنيا و متاعها شديد، و تهالكهم عليها قوي، و تنافسهم فيها كبير، و تفاخرهم فيما بينهم متين،  لذلك كان الإسراف و الترف و البذخ من أهم صفات أهل الشمال ..و كان تطاول الحفاة العراة في البنيان من علامات نهاية الزمان ..

{ و أصحاب الشمال ما أصحاب الشمال }

{ إن المسرفين كانوا إخوان الشياطين } 

{ إنهم كانوا قبل ذلك مترفين و كانوا يصرون على الحنث العظيم } 

و لا يكون الإسراف و الترف إلا مع وجود الزائد عن اللزوم من النعم، فهم لبعدهم عن رسالة ربهم، حسبوا أن الفائض عندهم في المال و الوقت و الصحة إنما هو من أجل المتاع و الإستكبار و الغرق في الشهوات، و ظنوا أنهم مستحقون لذلك، و أنهم يعطون لمحبة الله لهم و و تفضيلهم على سائر خلقه، و تناسوا تفضل الكريم المنان،  و نسوا أن ذلك من أجل الإختبار و الإمتحان ... فكان رفضهم لرسالة الله، ناتجا عن كرم الله لهم، و هو نوع قبيح من الكفر الذي يجازي الحسنة بالسيئة، و ذلك شأن غلاظ الرقاب في كل العصور ... و هذا يشبه الذين  { و قالوا نحن أبناء الله و أحباؤه } 

أما أهل اليمين و المقربين، فصفاتهم التوسط في الإنفاق و الإستمتاع، و قد ورد عن صحابة الرسول صلى الله عليه و سلم أنهم كانوا يتركون الكثير من الحلال مخافة الوقوع في الحرام ... و ذلك من فقههم  رضوان الله عليهم أجمعين .. وورد عن سيدنا عمر رضي الله عنه أنه قال " تمعددوا و اخشوشنوا " و ليس ذلك قصورا عن بلوغ شهوات الدنيا و لا عجزا عن إدراكها، فقد كانت بين يديه، و إنما ذلك هو الفهم الثاقب و تلك هي الرياضة التي تصنع الأمم القوية الناجحة .. و هو القائل رضي الله عنه " أو كلما اشتهيتم اشتريتم ؟؟".. و العكس يصنع الأمم التافهة الآيلة إلى الزوال و السقوط .. و دروس التاريخ حاضرة في الكتب غائبة عن الأذهان ..

 

أهل الجهل و  عدم الإيمان هم الذين يغترون بها 

 

[ قال الذين يريدون الحياة الدنيا يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون ] القصص 79.

أهل العلم و الإيمان يعرفون قدرها و حقيقتها 

[ يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع و إن الآخرة هي دار القرار ] غافر 39.

[ فأعرض عمن تولى عن ذكرنا و لم يرد إلا الحياة الدنيا ] النجم 29.

[ و إن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون ] العنكبوت 64.

[ قال الذين أوتوا العلم و الإيمان ويلكم ثواب الله خير لمن آمن و عمل صالحا ] القصص .

و خطاب سيدنا سليمان لملكة سبأ فيه اعتزاز المؤمن كيف يكون ..

{ بل أنتم بهديتكم تفرحون } 

{ ما آتاني الله خير مما آتاكم } 

{ و أوتينا العلم من قبلها و كنا مسلمين } 


فالإفتخار و الفرح يكون بالعلم و الإيمان، و لا يؤتى ذلك إلا للمصطفين الأخيار، أما المال فيؤتى للمؤمن و الكافر، و الطائع و العاصي ... و لا مجال للمقارنة ...

فالدنيا فرصة المؤمن للتزود و الإستثمار لدار القرار، و لولا هبوطه إليها لما كان هناك علم و لا فقه و لا عمل و لا جهاد و لا درجات، فبضدها تميزت الأشياء ...و لو بقي في الجنة لما علم الأضداد، و التناقضات، و الطرق المختلفة، و السيناريوهات المتباينة، و لظن أنه في الجنة استحقاقا و طبعا، لا تفضلا و تكرما من الله عز و جل ... و لما كانت له القدرة على تمييز الأشياء .. و لما عرف قدر قيمة عطاء الله له.. و تفضيله على سائر خلقه .. فكيف يعرف الشر و كيف يعرف الحر و البرد و الجوع و العطش و المرض .. و إذا لم يعرف ذلك كيف يشكر ؟! و الحمد لله من أسرار الوجود ...

و هنا لطيفة إخراج أبينا آدم عليه السلام من الجنة و هبوطه إلى الأرض، يقول ابن رجب الحنبلي في لطائف المعارف ص 118 : " ما زال إبليس يحتال على آدم حتى أخرجه من الجنة، و ما فهم الأبله أن آدم إذا خرج منها كملت فضائله، ثم عاد إلى الجنة على أكمل من حاله الأول. إنما أهلك إبليس العُجب  { قال أنا خير منه }. و إنما كملت فضائل آدم باعترافه على نفسه { قالا ربنا ظلمنا أنفسنا }  ". 

 

طبيعة الناس منذ قديم الزمان هي إيثار الحياة الدنيا 

 [ بل تؤثرون الحياة الدنيا ] الأعلى 16.

{ كلا بل تحبون العاجلة و تذرون الآخرة } 

 

الدنيا فتنة و أكبر فتنها النساء و هناك ما هو خير منها !

{ زين للناس حب الشهوات من النساء و البنين و القناطير المقنطرة من الذهب و الفضة و الخيل المسومة و الأنعام و الحرث ذلك متاع الحياة الدنيا و الله عنده حسن المآب. قل أؤنبكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها و أزواج مطهرة و رضوان من الله و الله بصير بالعباد } آل عمرن 15

 

الحياة في السنة النبوية :

قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " ما أخذت الدنيا من الآخرة ، إلا كما أخذ المخيط غمس في البحر من مائه ". 1

و قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : "  ما الدنيا في الآخرة إلا كما يدخل أحدكم أصبعه في اليم فلينظر بم يرجع ". 2

و قال صلى الله عليه و سلم " ما الدنيا في الآخرة إلا كما يمشي أحدكم إلى اليم ، فأدخل أصبعه فيه ، فما خرج منه فهو الدنيا ".  3

و قال صلى الله عليه و سلم " ما لي و للدنيا ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ، ثم راح و تركها " 4 .

و قال صلى الله عليه و سلم " مالي و للدنيا و ما للدنيا و مالي و الذي نفسي بيده ما مثلي و مثل الدنيا إلا كراكب سار في يوم صائف فاستظل تحت شجرة من النهار ثم راح و تركها ". 5

وقال صلى الله عليه و سلم  : " إن الدنيا حلوة خضرة وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون فاتقوا الدنيا و اتقوا النساء فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء "  رواه مسلم. 6

 وقال صلى الله عليه و سلم  : " إن مما أخاف عليكم من بعدي ما يفتح عليكم من زهرة الدنيا " متفق عليه .


و قال صلى الله عليه و سلم : " يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار، فيصبغ في النار صبغة، ثم يقال له : يا ابن آدم هل رأيت خيرا قط ؟

هل مر بك نعيم قط ؟ فيقول : لا و الله يا رب . و يؤتى بأشد الناس بؤسا في الدنيا من أهل الجنة فيصبغ في الجنة صبغة، فيقال له : يا ابن آدم هل رأيت بؤسا قط ؟ هل مر بك شدة قط ؟ فيقول : لا و الله يا رب ما مر بي بؤس قط ، و لا رأيت شدة قط " . رواه مسلم . 6

و قال صلى الله عليه و سلم : " من جعل الهموم هما واحدا، كفاه الله سائر همومه، و من تشعبت به الهموم من أحوال الدنيا، لم يبال الله في أي أوديتها هلك " . 7

و قال صلى الله عليه و سلم : " من جعل الهم هما واحدا؛ كفاه الله سائر همومه ".

و قال صلى الله عليه و سلم : " من كانت الآخرة همه؛ جعل الله غناه في قلبه، وجمع له شمله، و أتته الدنيا و هي راغمة، و من كانت الدنيا همّه، جعل الله فقره بين عينيه و فرّق عليه شمله، و لم يأته من الدنيا إلا ما قدّر له ". 8


مَرَّ رسول الله صلى الله عليه و سلم  عَلَى مَزْبَلَةٍ فِي طَرِيقٍ مِنْ طُرُقِ الْمَدِينَةِ ، فَقَالَ : " مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا ، فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذِهِ الْمَزْبَلَةِ " ، ثُمَّ قَالَ : " لَوْ أَنَّ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ ذُبَابٍ ، مَا أَعْطَى كَافِرًا مِنْهَا شَيْئًا ، ثُمَّ ذَكَرَ الْمَوْتَ وَغَمَّهُ وَكَرْبَهُ وَعَلَزَهُ ، فَقَالَ : ثَلاثُ مِائَةِ ضَرْبَةٍ بِالسَّيْفِ ". ابن المبارك في الزهد و الرقائق.


1.  صحيح الجامع . ص 969

2 . ابن القيم . الدواء الشافي . ص 17

3 . صحيح الجامع . ص 973

4 . صحيح الجامع . ص 989

5. صحيح الجامع ص 989

6. صحيح مسلم

7. حسين العفاني . علو الهمة الجزء الأول ص 89

8. صحيح الترمذي

9. ابن المبارك . الزهد و الرقائق.




عن ابن عباس قال : مر النبي صلى الله عليه و سلم بشاة ميتة فقال : " لزوال الدنيا على الله تبارك و تعالى أهون على الله من هذه على أهلها ".

و عن أبي هريرة رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه و سلم  : " الدنيا سجن المؤمن و جنة الكافر ".

و عن عبد الله بن عمرو قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " الدنيا متاع، و خير متاع الدنيا المرأة الصالحة ".

و عن أبي هريرة قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " من طلب الدنيا أضر بالآخرة، و من طلب الآخرة أضر بالدنيا" فمسعته يقول فأضروا بالفاني للباقي.

و عن زيد بن أبي ثابت عن النبي صلى الله عليه و سلم قال : " من كانت نيته الدنيا فرق الله عليه أمره، و جعل فقره بين عينيه و لم يأخذ منها إلا ما كتب له،  و من كانت نيته الآخرة جمع الله شمله و جمع غناه في قلبه و أتته الدنيا و هي راغمة ".

و عن ابن عمر قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " من جعل الهموم هما واحدا كفاه الله همه من أمر دنياه و آخرته، و جعل غناه في قلبه، و من تشعبت به الهموم فلا يبالي الله في أي أوديتها هلك ".

و عن لأبي بن كعب قال رسول الله صلى الله عليه و سلم  : " بشر هذه الأمة بالسنا و الرفعة و التمكين، فمن عمل منهم عمل الآخرة لدنياه لم يكن له في الآخرة نصيب ".

و قال رسول الله صلى الله عليه و سلم " ليكن بلاغ أحدكم من الدنيا كزاد الراكب".

" يكفي أحدكم من الدنيا خادم و منزل ".

و قال رسول الله صلى الله عليه و سلم " يصب عليكم الدنيا حتى لا يزيغكم بعدي إلا هي ".

و قال " ستفتح لكم الدنيا حتى تنجدوا بيوتكم كما تنجد الكعبة ".

" ما الفقر أخشى عليكم و لكن أخشى أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها و تهلككم كما أهلكتهم ".

" أخوف ما أخاف عليكم من بعدي ما يخرج الله لكم من زهرة الدنيا ".

" ما لي و للدنيا و ما للدنيا و لي إنما أنا و الدنيا كراكب سار في يوم صائف فاستظل تحت شجرة ثم راح و تركها ".

و قال صلى الله عليه و سلم " عجبا لغافل و ليس بمغفول عنه، و عجبا لطالب الدنيا و الموت يطلبه، و عجبا لضاحك ملء فيه لا يدري أرضى الله أم أسخطه ".

و عن أبي بكر رضي الله عنه قال : جعل رسول الله صلى الله عليه و سلم يدفع شيئا و يقول : إليك عني إليك عني ! و لم أر معه أحدا فقلت يا رسول الله أراك تدفع عنك شيئا و لا أرى معك أحدا. قال : هذه الدنيا مثلت لي بما فيها فقلت إليك عني فتنحت و قالت أما و الله لئن انفلت مني لا يفلت مني من بعدك.

و قال صلى الله عليه و سلم : " يا أيها الناس إنه لم يبق من دنياكم فيما مضى منها إلا كما غبر من يومكم هذا فيما غبر منها ".

" إنه لم يبق من دنياكم فيما مضى إلا كما بقي من يومكم هذا ".

و قال صلى الله عليه و سلم " إن الله تبارك و تعالى إذا أحب عبدا حماه الدنيا كما يظل أحدكم يحمي سقيمه الماء ".

و قال صلى الله عليه و سلم : " لا تقوم الساعة حتى يغلب على الدنيا لكع بن لكع و خير الناس يومئذ مؤمن بين كريمين ".

" يوشك أن يغلب على الدنيا لكع بن لكع ".

" لا تقوم الساعة حتى يكون أسعد الناس بالدنيا لكع بن لكع ".

" لا تذهب الدنيا حتى تكون عند لكع بن لكع ".

" ترفع زينة الدنيا سنة خمس و عشرين و مائة ".

" رب كاسية في الدنيا عارية يوم القيامة ".


الزهد لابن أبي عاصم  63 – 97






الحياة عند الذين لا يؤمنون بالله و اليوم الآخر


قال تعالى : { فأما من طغى و آثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هي المأوى، و أما من خاف مقام ربه و نهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى } النازعات 37.                           

من الواضح البيّن أن الفارق الرئيسي بين المؤمنين و الكافرين هو قضية الإيمان باليوم الآخر، و لذلك فالذي لا يؤمن بالآخرة أصلا فكيف يؤثرها، و هنا تختلف العقلية تماما، و يختلف فهم الحياة و إدراك أعماقها، و تتميز الفلسفات المتعلقة بها و النظرة إلى الكون و الإنسان و الحياة، و كل العلوم المترتبة على ذلك. فالقضية متعلقة بإيثار الآخرة على الدنيا لمن أراد النجاة و الفوز، { و للآخرة خير لك من الأولى } و حب الدنيا إيثارا على الآخرة هو الطامة الكبرى ... و هي سيكلوجية أهل الكفر و النفاق .. الذين يجعلون الدنيا أكبر همهم و مبلغ علمهم و عملهم و غاية طموحهم ... فنظرتهم إلى الوجود و فلسفته  هي دائما بعين واحدة  عوراء ... عين ترى نصف الحقيقة، ترى جزءا واحدا من الصورة، جهة واحدة من العملة .. مادة بلا روح .. و لذلك كثر استدلالهم بقول " إنما تعيش مرة واحدة " و " استمتع بحياتك حتى الثمالة" و "القضية كلها تتمحور حول المتعة "  .. فإعاقتهم  إنما هي إعاقة روحية ناتجة عن استبعاد الوحي من مصادر المعرفة، ينتج عنها قصور  فكري و علمي خطيران، و هي نتيجة الإعراض عما أنزل الله تعالى، و اتخاذ دينه هزوا ..

Enjoy yourself

You only live once

It´s all about pleasure.

{ و الذين كفروا عن آياتنا معرضون } 

{ أيحسب الإنسان أن يترك سدى }

{ أحسبتم أنما خلقناكم عبثا و أنكم إلينا لا ترجعون فتعالى الله الملك الحق }

و هذه النوعية من البشر موجودة بكثرة على كوكب الأرض، و قد ذمها القرآن الكريم و قال { أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أم يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا }

إنها مشكلة حقيقية أن تعيش دون أن تدري لماذا و لا كيف و لا من أين أتيت و لا إلى أين تذهب، و الأقبح منها و الأخطر ألا تهتمّ ! فهل رأيت قط مسافرا يركب في محطة دون أن يدري لماذا و لا إلى أين ؟!

فمالكم كيف تحكمون ؟

 

 مبحث  المتشبثين بالدنيا

 و قادة حب الدنيا و كراهية الموت هم اليهود كما وصفتهم البقرة

و قد جاء وصفهم وصفا قبيحا مقززا  { أشربوا في قلوبهم العجل } 

{ و لتجدنهم أحرص الناس على حياة } 

{ قال الذين يريدون الحياة الدنيا يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون } 

و قد كشف الله بواطنهم في العديد من الآيات و منها { قل إن كانت لكم الدار الآخرة خالصة عند الله من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين و لا يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم و الله عليم بالظالمين }

فهم يزعمون أنهم أبناء الله و أحباؤه، و أنهم شعب الله المختار، و الوحي و العقل يقولان أنه ليس بعد  الموت سوى لقاء الله، فإذا كان كذلك فلماذا تخافون من الموت الذي يوصلكم إلى من يحبكم و هو قد اصطفاكم ؟ فأين الخلل إذن ؟!

هم يقولون أنه  إن كان هناك آخرة فهم أولى بها، و لا يصلون إليها إلا عن طريق الموت، فليتمنوه إذن إن كان الأمر كما يقولون، و لكنهم لا يفعلون لأن أعمالهم لا تسمح لهم بذلك ..و لأنهم في حقيقة أمرهم إنما يعبدون الدنيا و المال و لا يعبدون الله و لا يعرفونه .. و ذلك شأن كل كافر باليوم الآخر متكبّر في الأرض ..مغرور ..و هنا لابد أن أذكر منطقية الغربيين و توافقها مع فلسفتهم في الحياة  التي جعلوها كل شيء بالنسبة لهم فسعوا فيها إلى الهيمنة و القوة ..و لا منطقية المسلمين الذين زعموا أنهم يريدون الآخرة و لكنهم وقعوا في شباك الدنيا و اتبعوا شهواتها فلاهم جعلوا الدنيا فرصتهم الوحيدة فسادوا فيها، و لا هم تمحّضوا للعقيدة التي زعموا أنهم يؤمنون بها، وهذا تناقض واضح و عدم توافق بين الفكر و العمل!



 مبحث الساخطين عليها كما عند الوجوديين


الحياة بالنسبة للوجوديين لغز غير مفهوم، نأتي و نعيش المآسي ثم نذهب دون اختيارنا، و دون أن نفهم شيئا، و هذا عذاب أليم، و كل شيء في هذه الحياة الدنيا عذاب في عذاب، الحب عذاب، و الفراق عذاب، و العيش و الموت وكل شيء ..

يقول كولن ولسون : " لما حل القرن الثامن عشر اختفت فكرة هدف التاريخ، و صار التاريخ يعني ببساطة تتابعا من الحوادث في الماضي، و لم تعد للبشرية كل تلك الأهمية، فإذا كان لابد من وجود هدف للتاريخ البشري، فلابد من وجود هدف لتاريخ الكلاب و القطط و الضفادع و الأسماك، و حل الإتجاه العلمي محل الإتجاه الديني.

كان هذا كله بديعا إلى حد ما، لأنه قضى على عدد كبير من الخرافات و لكنه كان يعني أيضا أن حياة البشر هي رحلة من اللامكان إلى اللامكان فأدى ذلك، كالداروينية، إلى نفي الإرادة الحرة من الكون..

و الإنسان في الوجودية هو حيوان و ليست خطاياه نتيجة الإرادة الحرة و إنما هي نتيجة الضغط الإجتماعي و الظروف" (1)

و لذلك فلا معنى للجنة و النار في الوجودية.

يقول أنيس منصور : " الذين يكرهون الوجودية، يكرهون نوعا من التفكير لا يشل إرادتهم ولا يريحهم من الإختيار، لأنه تفكير بلا معجزات، بلا كرامات بلا أضرحة، تفكير بلا ملائكة بلا شياطين، بلا جنة بلا نار، بلا عذاب و لا عقاب.. إنه تفكير بلا مقابل ! .. و الوجودية تثير في نفس الإنسان القلق و المرارة و اليأس ". (2)

" و أعلن كيركجورد أن هناك شيء آخر يستحق أن يعيش من أجله الإنسان إنه الأبدية، و أن هناك حقيقة إنسانية مهمة جدا هي الفرد، الفرد قبل الدولة، و هذا الفرد تلاحقه الخطيئة، و لا فرار له منها إلا باليأس منها و من الوجود كله. و يصرخ نيتشه قائلا : بل لا خلاص من اليأس و الخطيئة إلا بالقضاء على الله.. فأعلن أن الله قد مات، فاختفت الأخلاق و توارى الضمير.. و يرد كافكا على نيتشه أنه لا توجد حقيقة واحدة على الإطلاق، فكل ما لدينا أوهام، و نحن لا ندرك إلا وهما " . (3)

الحياة أوهام و يأس و خطيئة و ملاحقة أبدية للإنسان و عذاب و بؤس لا معنى له...هذه هي الوجودية.


(1) كولن ولسون اللامنتمي ص 131

(2) أنيس منصور . الوجودية ص 18

(3) أنيس منصور . ص 38





مبحث الحياة عند  الهندوس

لاشك أن الديانة الهندوسية لها جذور في الكتب السماوية و قد تنتمي إلى صحف إبراهيم، و قد يكون هذا مصدر تسمية البراهمية.. أي الإبراهيمية، و نحن لا نشك أن الله تعالى قد أرسل إلى كل أمة رسولا. و لكن الرسالات حرّفت مع مرور الوقت و زيد فيها و نقص. و الهندوسية المحرّفة عن أصولها الأولى تؤمن بعقيدة وحدة الوجود و عقيدة تناسخ الأرواح حتى أصبح " الإيمان بحقيقة التناسخ، أو تقمص الروح في أجسام متتالية، له في الهند قوة و شمول، بحيث يعتنقه كل هندوسي، على أنه بديهة و فرض، لابد من التسليم بصحته، و لا يكاد يكلف نفسه عناء التدليل عليه.. و ترتبط عقيدة التناسخ ( سمسارا ) ارتباطا وثيقا مع شريعة كارما ـ الأعمال الصالحة ـ التي تقول إن خلق الإنسان و مركزه الإجتماعي و ثروته إنما تحدها هذه الشريعة، و هي تنص على أن المرء يحمل عبء أخطائه، كما يجازى على أعماله الصالحة إلى الأبد، و أن الروح تمر من تجسيد إلى تجسيد حتى تصل به في النهاية إلى ( الموكشا ـ الخلاص ) و أن من يحيى طبقا للقواعد، طاهرا، سيد نفسه، منعزلا، صادقا، مستوفيا واجبات طبقته، فسوف يرتفع في كل تجسيد إلى درجة أعلى في الطهارة، و في ترتيب طبقته.. و هكذا إلى أن يصل إلى مرحلة تؤهله لأن يدرك الحقيقة، حيث تلتقي روحه بشخصية البراهمان، و هنا تتوقف روحه عن التجسيد.. و الخلاص النهائي لا يعني فقط الإنسحاب من الحياة اليومية، بل من العالم أجمع، بما في ذلك الجنة،  وعالم الآلهة .. فالعالم ما هو إلا عجلة تدور معها الولادة و الوفاة، حتى أبد الآبدين، أما الحقيقة الدائمة فهي الروح ".  (1)

الحياة في الهندوسية إذن هي محاولة دائمة و سعي دائم نحو التطهر و الإتحاد بالبراهمة للتخلص من الخطيئة .. و ليس فيها آخرة و لا جنة و لا نار .. إنما هو تناسخ مستمر و كفاح مستمر و تطهير للنفس مستمر من أجل حصول الموكشا ـ الخلاص عن طريق الإتحاد ..و هذا يشبه ما جاء في قصة سيزيف في الأساطير اليونانية ..و كذلك فيه أن المرء يعطى أكثر من فرصة لتطهير نفسه .. و يعيش  حيوات لا نهاية لها .. و هذا غير معقول و لا جاء في كتاب من الكتب السماوية !

" ولو نظرنا فيما تبقى من نصوص دينية قديمة للديانة البرهمية، لوجدنا أن تلك الديانة قد أشارت نصوصها إشارات واضحة كل الوضوح للبعث بعد الموت، ولوجدنا أيضا أن رجال الدين في تلك الديانة قد قاموا بتحريف هذا المعنى الواضح كل الوضوح والذي يدل على البعث بعد الموت، قد حرفوه إلى ما يسمى بـ (تناسخ الأرواح)، بل إن من العجيب والغريب في الوقت ذاته أن جميع الباحثين الذين تناولوا هذه الديانة بالبحث والدراسة، قد أقروا على هذا الانحراف، حيث أجمع كثير من الباحثين على أن الديانة البرهمية (الهندوسية) الإيمان فيها بتناسخ الأرواح من صلب عقيدتها، وقد اعتمد هؤلاء الباحثون والدارسون في إقرارهم بذلك على ما جاء من تفسيرات وشروحات وفهم لرجال الدين القدماء الذين هم من ابتدعوا خرافة تناسخ الأرواح، ولم يكلف هؤلاء الباحثون أنفسهم عناء النظر في النصوص الأولى وتدبرها وفقهها بعيدا عن تفسيرات وفقه رجال الدين البراهمة، مما جعل هؤلاء الباحثون يقطعون بأن عقيدة تناسخ الأرواح هي عقيدة أصلية ثابتة لهذه الديانة.

إن بعض نصوص الديانة البرهمية التي أوردها الباحثون والدارسون الذين يدعون بأن تلك النصوص تقول بتناسخ الأرواح، هذه النصوص لا تمت بصلة من قريب ولا من بعيد بعقيدة تناسخ الأرواح وإنما هي نصوص صريحة في القول بخلود الروح، وعودة الإنسان بعد الموت، ونذكر نصا من تلك النصوص التي وردت في بعض الدراسات ونرى هل يقول بتناسخ الأرواح وعودتها إلى الدنيا بعد الموت أم لا؟، وذلك على النحو التالي:

نص ذكره كل من د. علي عبد الواحد وافي، ود. عمارة نجيب، عن ما نقله البيروني من نصوص الديانة البرهمية حول ما يسمى بعقيدة التناسخ، فجاء فيه ما يلي: (قال: (باسديو) (لآرجن) يحرضه على القتال وهما بين الصفين: إن كنت بالقضاء السابق مؤمناً فاعلم أنهم ليسوا ولا نحن معاً بموتى ولا ذاهبين ذهاباً لا رجوع معه، فإن الأرواح غير مائتة ولا متغيرة، وإنما تتردد في الأبدان على تغاير الإنسان من الطفولة إلى الشباب والكهولة ثم الشيخوخة، التي عقباها موت البدن ثم العود. وقال له: وكيف يذكر الموت والقتل من عرف أن النفس أبدية الوجود، لا عن ولادة، ولا إلى تلف وعدم، بل هي ثابتة قائمة، لا سيف يقطعها، ولا نار تحرقها، ولا ماء يغصها، ولا ريح تيبسها، لكنها تنتقل من بدنها إذا عتق (أي أصبح قديماً لا يصلح لاحتمال الروح ) نحو آخر ليس كذلك، كما يستبدل البدن اللباس إذا خلق (أي بلى)، فماذا غمك لنفس لا تبيد؟). (د. علي عبد الواحد وافي، ص165). و(د. عمارة نجيب, ص195) نقلا عن البيروني.
وبنظرة فاحصة للنص السابق، لا نجد فيه لا من قريب ولا من بعيد أية إشارة إلى القول بتناسخ الأرواح وعودتها إلى الدنيا مرة أخرى، بل إن هذا النص يتفق بصورة تامة مع ما جاء من نصوص في القرآن الكريم ".(2)


(1) كامل سعفان. موسوعة الأديان القديمة. ص 210

(2) نهرو عبد الصبور طنطاوي. موقع الحوار المتمدن مقال البوذية ديانة سماوية.





مبحث الحياة عند البوذيين

" يسجل التراث البوذي ما لا يقل عن 24 بوذا سبقوا (بوذا جوتاما) .. ووجودهم مؤكد كحقيقة تجلت، و أعلنها بوذا جوتاما. و ينسب إلى بوذا قوله ( لقد جاء عدد من بوذاـ أي المصلحين الدينيين ـ  قبلي، فلست وحيدا فريدا فيما أتيت، و إنما قصدي أن أنير الطريق أمامكم، كما فعل الأولون ).

و لقد تردد مثل هذا القول على ألسنة رسل الله، بوحي من الله سبحانه". (1)


و الحديث عن الإتحاد بالله، أو السعادة بعد الموت، يتجاوز فلسفة بوذا التي لا تؤمن بالخلود، و هذا دليل على تطور هذا المذهب، و تأثره بغيره من المذاهب. و على الرغم من ازدراء بوذا بالمعجزات، انتحل تلاميذه ألف حكاية من الأعاجيب التي تمت على يديه..(2)


و كانت البوذية ردة فعل لعسف البراهمة و استبدادهم و البوذية " لم تعن بالبحث عما وراء الطبيعة، فلم تتجه إلى الدراسات التي تتصل بالألوهية، و حدود سلطانها بل كل عنايتها كان لإصلاح الإنسانية بإنقاذها من الآلام، و إبعادها عن ويلاتها، برياضة الإنسان على هجر اللذات، و تربية الإرادة على إهمالها و عدم العناية بها " . (3)

 صارت البوذية ديانة، لكن هذا لم يكن من عمل بوذا نفسه، بل من عمل أتباعه. حين دعا إلى النرفانا لم يضع لها معالم، فجاء أتباعه و فسروا الكلمة بكل ما يمكن أن يقع تحت الشمس من ضروب التفسير المقدسة ..إنها حالة من السعادة يبلغها الإنسان باقتلاعه شهوات نفسه اقتلاعا تاما، و هي اتحاد الفرد بالله، و هي انعدام شعور الفرد بفرديته، و هي تحرير الفرد من عودته إلى الحياة، و هي فردوس من السعادة بعد الموت .. و الحديث عن الإتحاد بالله، أو السعادة بعد الموت، يتجاوز فلسفة بوذا التي لا تؤمن بالخلود، و هذا دليل على تطور في المذهب، و تأثر بغيره من المذاهب". (4)


(1) كامل سعفان . موسوعة الأديان القديمة. معتقدات آسيوية. ص 199

 (2) كامل سعفان . ص 211

(3) محمد أبو زهرة . الأديان القديمة.

(4) كامل سعفان . نفسه.




مبحث الحياة عند السيخ

نلاحظ أن كل من البراهيمة الهندوسية و البوذية و السيخية تحاول خلاص الإنسان عن طريق اتحاده بالله ...و لاشكّ أن فلسفة وحدة الوجود التي ظهرت بين المسلمين في الأندلس و في المشرق من هنا اقتبست ..

ففي الديانة السيخية، " خامسة المراحل .. و هي المسماة ( عالم الحقيقة)، و هي الإنجاز الأخير، حيث تجد الروح اتحادها الصوفي بالله، و في هذا الوضع الذي تشعر فيه بسعادة لا توصف تبلغ الروح مرحلة الإنعتاق المطلق باندماجها في الله ". (5)

و يؤمن السيخ بإعادة ولادة الإنسان مرة أخرى بعد موته، بحيث تتقرر حياته المستقبلية على ضوء حياته السابقة .. و هو نفس الإعتقاد البرهمي و البوذي ..

(5) كامل سعفان . ص 237

 

 

 

الحياة عند اليهود المغضوب عليهم و المشركين .

 

قال تعالى [ و لتجدنهم أحرص الناس على حياة و من الذين أشركوا ] البقرة 96.

العقيدة اليهودية ليس فيها إيمان بآخرة و لا جنة و لا نار، إنما هي الحياة الدنيا .. و هذا أمر غريب جدا، و لست أدري كيف تحسب هذه الديانة الإبليسية على الأديان السماوية ... و هي لا علاقة لها بما أتى به موسى و عيسى عليهما السلام !

و " ما عليه إجماع اليهود اليوم هو أنه ليس هناك بعث بعد الموت و أن الحساب و العقاب هو في الدنيا و حسب..و الأخيار و الصالحون يأخذون جزاءهم ثراء و مالا و غنى و جاها و صحة.. و أما الأشرار فيكون جزاؤهم المرض و التشرد و قصر العمر.. و لكن بعض الفرق اليهودية و هي فرقة الفريسيين صورت البعث تصويرا دنيويا فقالت إن الصالحين من بين الأموات سينتشرون في هذه الأرض ليشتركوا في ملك المسيح الذي سيأتي في آخر الزمان لينقذ الناس " 1

" و اليهود في عصور الأمان و الرخاء ينكرون الحياة الآخرة، و في عصور التشرد و الضنك و تبدد دولتهم يثبتون البعث و الحساب.. و مما يستلفت الأنظار أن اليهود حتى في لحظات إيمانهم بالجنة و النار و الحساب و العقاب كانوا يؤمنون بها بصورة مشوهة حيث ظنوا أن الجنة دار خاصة بهم لا يجوز لأحد من غيرهم دخولها، و أن النار مقصورة على كل ما عدا اليهود. " !! 2

1.  سعد الدين السيد صالح. العقيدة اليهودية و خطرها على الإنسانية . ص 283

2.  سعد الدين السيد صالح  ص 285


الحياة في النصرانية


يعتبر المسيحيون أن السر في الحياة المسيحية الناجحة هو إعطاء المسيح  الصلاحية الكاملة لتسيير حياتهم ..و بدون هذه العقيدة، و عقيدة الفداء التي تقول بأن المسيح صلب من أجل الناس كي يتم إنقاذهم لا يمكن للمرء أن يكون مسيحيا ... فحياة المسيحي تدور حول تأليه المسيح و التشبث بأنه هو المنقذ و المخلص الوحيد و عقيدة الصلب و الفداء ...و لذلك فالنصرنية فكر إرجائي محض، أي أنك ما دمت تؤمن بأن المسيح هو ربك، و هو من صلب من أجلك، فلا عليك أن تفعل ما تشاء و ذلك كفيل بإنقاذك !! و هو طبعا مبدأ تواكلي صريح . و لذلك فليست الحياة مسرح اختبار و امتحان كما هو في الإسلام..و من هنا جاء الإنحلال و تبريره.


الحياة عند فلاسفة اليونان


1 ـ الأبيقورية :

الأخلاق عند أبيقوروس هي محور الفلسفة و غايتها، " وكان تعريفه الفلسفة أنها " الحكمة العملية التي توفر السعادة بالأدلة و الأفكار " .. والآلهة موجودون، يدل على وجودهم أولا : أنهم موضوع فكرة سابقة، شائعة في الإنسانية جمعاء. ثانيا : عندنا فكرة وجود دائم سعيد، و الآلهة يقابلون هذه الفكرة. ثالثا : لكل شيء ضده يحقق المعادلة في الوجود، فلابد أن يقابل الوجود الفاني المتألم وجود دائم سعيد.

و علينا أن نطمئن نحن من جهتهم و أن ننفي عن نفوسنا الخوف منهم. و لقد كان هذا الخوف عظيما في اليونان ما توارثوه من أساطير عن القدريعبث بالبشر عبثا،  بما حشدت هذه الأساطير في العالم الآخر من حيوانات هائلة و عذاب أليم، فأراد أبيقوروس أن يرفع عنهم هذا الكابوس .. فآثر أن يمحو الجنة و الجحيم جميعا بهذا المذهب المتهافت السخيف ". (1)

(1) يوسف كرم. تاريخ الفلسفة اليونانية . ص 263


2 ـ الرواقية :


" إذا أردنا أن نجمل الرواقية القديمة في جملة واحدة قلنا : إنها مذهب هرقليطس، تقول بالنار الحية و اللوغوس أو العقل منبثا في العالم و تسميه الله و ترتب عليه الغائية و الضرورة المطلقة و تقيم الأخلاق على الواجب، فتعارض الأبيقورية التي تقول بالآلية و الإتفاق و الحرية  و تقصي الآلهة خارج العوالم و تقيم الأخلاق على اللذة... و الرواقيون ماديون، فكل معرفة هي عندهم معرفة حسية " . (2)

" و ما اللذة إلا عرض ينشأ حين يحصل الكائن على ما يوافق طبيعته و يستبقي كيانه.. و ليس للفضيلة معنى خارجي تتوجه إليه، و لكنها تنتهي عند نفسها و تقوم في إدارة المطابقة مع الطبيعة، و ليست تقاس قيمتها بغاية تحققها و لكنها هي الغاية تشتهى لذاتها "..(2)

وضع الرواقيون أساسا لفلسفتهم الطبيعية وهو أن ليس في الوجود غير المادة "و هذا مبدأ يتفق و رأيهم في المعرفة الذي يقول ما لم يحس لم يعرف. و كل شيء موجود هو مادة، حتى الروح و حتى الله.. ووحدة الوجود تتطلب هذا النظر .. فالله عندهم منبث في كل شيء في الوجود .. و العالم لن يلبث على صورته إلى الأبد بل سيتحول إلى نار عظيمة تصهر كل شيء كما كان أول مرة و سيعود زيوس فيحتضن العالم في نفسه و لا يكون في الوجود إلا هو .. و هكذا سيتعاقب على العالم صورتان الهدم و البناء إلى ما لا نهاية " (3)

(2) يوسف كرم . تاريخ الفلسفة اليونانية . ص 268 و 274

(3) أحمد أمين قصة الفلسفة اليونانية . ص 315




3 ـ الشكاك :

Cynics

"مذهب الشك هذا رأيناه في عصور مختلفة من التاريخ، فقد رأيناه عند السوفسطائيين، و في العصور الحديثة كان زعيم الشكاك " ديفيد هيوم " .. فالشيء الواحد يظهر بمظاهر مختلفة للأشخاص المختلفة لهذا كان من المستحيل أن نعرف أي الآراء حق، و من أوضح الأدلة على ذلك أن آراء العقلاء مختلفة كاختلاف آراء العامة، و كل وجهة نظر يمكن البرهنة على صحتها و تأييدها كنقيضها. و رأيي مهما كان واضحا عندي فعكسه واضح عند غيري و مقتنع به اقتناعي، فما عند كل إنسان رأي لا حقيقة.. فلا شيء في نفسه حق، و لا شيء في ذاته خير أو شر.. و ليس هناك مقياس نقيس به الحقيقة لا الحواس و لا العقل ". (1)

و هذه النسبية هدامة لكل المثل الدينية لأنها تجعل الحقيقة شيئا غير ملزم بل تجعلها نسبية !

(1) أحمد أمين . ص 336.



4-الكلبيون : 

Antisthenes

زعيمهم " أنتسثينيس " كان مفتونا بسقراط صاحب الشخصية القوية التي آثرت الحق و ازدرت الحياة المادية فنبذتها نبذ النواة، فلم يتردد في اعتبار الزهد معنى الفضيلة و سبيل الحياة الفاضلة و غايتها، و على هذا النظر عاش الكلبيون عيشة خشنة، لا تغريهم مغريات الحياة، و لا تميل نفوسهم إلى ثروة أو سلطان، واقتصرت حاجاتهم على الحد الأدنى، فلا يلبسون ناعم الثياب حين تكفي الأسمال، و لا يسكنون الدور ما دامت أرض الله الفضاء تكفيهم وطاء، و السماء تغنيهم غطاء، و قد اتخذ أحدهم و هو ديوجينيس لسكنه دنا يأوي إليه، و هو الذي أثر عنه أنه كان يحمل مصباحا يفتش به في وضح النهار عن الإنسان الكامل فلا يجده، و أن الإسكندر الكبير سأله عما يريد فأجاب : أريد ألا تحجب عني ضوء الشمس.. و لما كان العلم عند سقراط هو معرفة الفضيلة، فقد رغب الكلبيون عن العلوم و الفنون، و بالغوا في ذلك إلى حد عجيب، حدا بهم إلى أن يتخذوا الجهل مثلا أعلى و ماذا يجدي العلم و الفضيلة وحدها كافية لتحصيل السعادة و هي رهينة العمل، و لا تحتاج إلى القول الكثير و العلم الغزير، كما كان يقول زعيمهم أنتسثنيس .

انتشر تلاميذ هذه المدرسة في الأرض لا يبتغون من الناس شيئا و لكن ليحملوهم على الزهد و القناعة، و ليعلموهم أن لا خير إلا في الفضيلة، و أن لا شر إلا في الرذيلة فلا الضياع و المتاع و لا الملكية و لا التمتع بالحرية، بل ولا الحياة نفسها من وسائل الخير، بل الخير هو الفضيلة وحدها، كلا بل و لا الفقر و الشر و المرض و الرق، و لا الموت نفسه من وسائل الشر بل الشر هو الرذيلة وحدها، فليست العبودية بأسوأ من الحرية إذا كان العبد الرقيق يعيش عيشة الفضيلة، لأنه عندئذ يكون حرا في نفسه و لو كان مملوكا في ظاهره؛ و قد أجاز الكلبيون الإنتحار على شرط ألا يكون فرارا مما في الحياة من ألم و بؤس، بل لكي يقيم به المنتحر دليلا على أن الحياة ليست شيئا يدعو إلى التشبث بها .  (2)

و أرى أن المتصوفة في تاريخنا قد تأثروا كثيرا بهذه المدرسة جملة و تفصيلا و خلطوا منهجهم بالدين و هو ما نتج عنه إهمال علوم الدنيا فكان الضعف و الإنحطاط .. و هو منهج على الرغم من جاذبيته لأصحاب العقول الكبيرة المؤمنة بالمبادئ و القيم و الأخلاق و أصحاب الضمائر الحية، إلا أنه يتعارض كل التعارض مع المنهج القرآني الذي يقول { و لا تنس نصيبك من الدنيا } و يقول { هو الذي أنشأكم في الأرض و استعمركم فيها } فكيف يتم استعمار الأرض و إنشاء الحضارة فيها بهذا المنهج ؟!

إنه منهج جذاب لو أننا لم نكن مكلفين باستعمار الأرض . و كذلك نلاحظ التشابه بينهم و بين من يطلق عليهم جماعة التبليغ في عصرنا.

(2) أحمد أمين و زكي نجيب محمود قصة الفلسفة اليونانية ص 153




5- القورنائيون

Cyrenaics

Arstippus

 

مؤسس هذه المدرسة هو أرسطبّس، ولد في قورينا مدينة في شمال إفريقيا رحل إلى أثينا و تتلمذ على سقراط، و خلاصة مذهبه أن تحصيل اللذة، و الخلو من الألم هما الغاية الوحيدة في الحياة .

أليست الفضيلة عند سقراط هي الغرض الأسمى ؟ أوليست السعادة عنده وسيلة من وسائل الفضيلة و حافزا قويا لها ؟ إذن فلنحقق السعادة ما استطعنا إليها سبيلا، و لا يكون ذلك بأن نزدري الحياة ازدراء، و نعيش عيشة زهد و حرمان، و لكن عيشة استمتاع و لذة، فالخير فيما يلذ و يسر و الشر فيما يؤلم و يؤذي، فاعمل كل ما تشتهيه بالحياة ما ساعفتك، و ابتعد عما يؤلمك و يؤذيك، و اتخذ في كل ذلك نفسك مقياسا، فلا يجوز أن تهبط قوانين الأخلاق على الفرد من الخارج، و لا أن تفرض عليه من الجماعة فرضا ليس له مسوغ، و لكل إنسان أن يرسم لنفسه طريق السعادة فهو بنفسه بصير ( و هم في هذا النظر الأخير قد تأثروا بالسوفسطائيين ).

و اللذة عند القورينائيين قد تتحقق في التفكير و لكنها أقوى و أعظم إذا كانت حسية ينعم بها الجسم، و هم مع هذا قد وضعوا حدا خفف من حدة هذه النزعة الحسية، فنصحوا أن تكون حكيما حينما تنشد لذتك، فلا تجعل نفسك عبدا للذة، بل لتكن اللذة أداة طيعة للإستمتاع، إذا

ظفرت بها فاغتنمها، و لا تأسف عليه إذا أفلتت من يدك، كما نصحوا أن تكون اللذة مأمونة العواقب، و ألا تكون سببا في آلام أكبر منها.

فالحكيم هو من ضبط نفسه و أمسك بزمامها، فلا يميل مع شهوته حيث تميل بل يوازن في كل عمل بين لذته العاجلة و ألمه الآجل.. و اختلفت أقوالهم باختلاف رؤسائهم ". (1)

(1) أحمد أمين ص 156 


و إذا أردنا أن نشبه النظرة العالمانية الليبرالية، نظرة مابعد الحداثة في عصرنا هذا إلى الحياة،  بأخرى سابقة عنها ،لم نجد خيرا من المدرسة القورنائية اليونانية القديمة. و إذا قرأت أفكار كارل بوبر و أمثاله لم تجد فرقا يذكر بين أفكاره و أفكار القورنائيين ..


6 ـ الميغاريون 

Megarics

 

أسس هذه المدرسة أقليدس الميغاري، و الفضيلة عندهم تلتمس في حياة التأمل الفلسفي، أي معرفة حقيقة الوجود.. و تأثروا ببارميندس في إنكار الأشياء التي تقع تحت الحس .. فليس ثمت إلا حقيقة واحدة لا تعرف الكثرة و لا الحركة، هي الوجود نفسه. . و الله و الفضيلة و الخير كلها أسماء مختلفة لمسمى واحد، كما أن التغير و التعدد و الكثرة و الشر أسماء لمدلول واحد هو نقيض المدلول السابق، الأولى أسماء تطلق على الوجود، و الثانية أسماء تطلق على العدم .. فإن كان الكلبيون قد التمسوا الفضيلة في الزهد و الإستغناء، و القورينائيون في اللذة و الإستمتاع، فقد التمسها الميغاريون في معرفة حقيقة الوجود .." (2)

(2) أحمد أمين ص 157




7 ـ الفيثاغوريون 

Phytagoras

 

فيثاغورس شخصية قوية تستوقف النظر بين صفحات التاريخ، ولد 570 ق م، كانت مدرسته في بداية أمرها تدعو إلى الإصلاح الديني و مكارم الأخلاق، و طهارة النفس من الرجس و الدنس، و كان أعضاؤها يرتدون لباسا أبيضا شعارا لهم، قد آثروا في عيشهم الخشونة و التقشف، لأن الجسم لم يكن في رأيهم إلا سجنا حبس فيه الروح، فينبغي أن نحطم من قيوده و أغلاله ما وسعنا التحطيم، و لابد لنا أن نسلك بنفوسنا كل سبيل لتخليصها من سجنها على ألا يكون الإنتحار سبيلا مشروعا لأن الإنسان ملك لله.

و لعل ما حدا بفيثاغورس إلى إنشاء هذه الجمعية رغبة قديمة كان يطمح إلى تحقيقها منذ شبابه، ذلك أن طاغية جبارا يدعى "بوليكراتس" كان يسوم الناس الذل و العذاب، فكان ذلك حافزا لفيثاغورس في مستهل حياته على التفكير في النظم الإجتماعية القائمة، و من أي نواحيها أصيبت بالفساد، فلما اكتمل نضوجه العقلي، و كتبت له الزعامة الفكرية، أراد أن يكون جماعة مثالية تحقق المثل الأعلى

الذي ينشده، فوثق بين أعضائها برباط الإخاء، و دعاهم أن يسلكوا في الحياة صراطا مستقيما مهما كلفهم ذلك من عناء.

و لم تكن هذه الجماعة سياسية و لكن سرعان ما اصطدمت شعائرهم و نظمهم بالسياسة، لأنهم أرادوا أن ينشروا مبادئهم و يفرضوا تعاليمهم على أهل " كروتونا " فنتج عن ذلك اضطهاد الحكومة للفيثاغوريين، فأحرقت مكان اجتماعهم، و فرقت شملهم، و قتلت بعضهم و شردت آخرين.. كانت الجمعية الفيثاغورية ذات نزعة صوفية غامضة، و رأوا أن تطهير النفس من أدران الجسد لا تكون إلا بالتفكير في الفلسفة و العلوم، لأنهما مظهران للنشاط العقلي و الروحي، كما أن تعشقهما يؤدي إلى إهمال الجسد و لذائذه.  (3)

(3) أحمد أمين ص 41


خلاصة : 

نلاحظ أن المدارس الفلسفية اليونانية انبثقت من رحم التفكير الديني، و كان فيها ما يتوافق في قليل أو كثير مع الرسالات السماوية السابقة، و لاشك أنها أثرت بشكل أو بآخر في تلك العقول، كما نلاحظ تذبذب أفكار تلك المدارس بين الرأي و الرأي المضاد له، و كأن الواحدة نتجت كرد فعل عن الأخرى.. يمكن لنا أن نقول أن تلك المحاولات الفكرية تشكر على بذلها الجهد من جهة، و لكنها تلام على ضلالها و إعمالها العقل فيما لم يخلق له من جهة أخرى .. فإعمال العقل في مسائل الغيب هو بمثابة أن تريد أن تمضي سكة حديد  لقطار  فوق مياه  المحيط الأطلسي (  و هذا موضوع يتعلق بنظرية المعرفة، راجع كتابي عن نظرية المعرفة بقلم علي عروسي )  .. و لا يمكن أن يكون اليونان لم يتلقوا رسالة سماوية، بل الراجح أنهم تلقوها و زاغوا عنها كما حدث لمن قبلهم و من بعدهم ...

نستفيد من تلك الفلسفة و تاريخها، و لكننا لا نقدسها و ندرسها دراسة نقدية تاريخية في ضوء ما نملك من حقائق الوحي .. و الخبرة الفكرية التاريخية التي تراكمت في تراث البشرية منذ سيدنا آدم عليه السلام ..مع التأكيد على أن الباني الحقيقي لكل الحضارات البشرية هم أبناء آدم عليه السلام، و تحديدا سيدنا إدريس .

فنحن نلاحظ أن منها من اقترب من الحقيقة و منها من ابتعد، و الجامع بينها جميعا ضلالها في شؤون ما بعد الموت، و اختلال عقيدة اليوم الآخر، و لذلك فنحن نستفيد منها في ما لا يتعلق بذلك المجال طبعا...و نصحح أخطائها ... و نضيف ..فالعقل المسلم عقل نقدي بامتياز.



أحسن ما قيل في وصف الدنيا 

 

ـ غنيها يخشى الفقر، و صحيحها يخشى المرض، و حيها يخشى الموت، فأي اطمئنان لها إلا من ناحية الغباء ؟!

قال ابن الجوزي في ص 50 ( كتاب المواعظ و المجالس ).

قال قيس بن عاصم : وفدت مع جماعة من بني تميم على رسول الله صلى الله عليه و سلم، فلما دخلنا عليه قلت : يا رسول الله عظنا بموعظة ننتفع بها. فقال عليه الصلاة و السلام : إن مع العز ذلاّ، و إن مع الحياة موتا، و إن مع الدنيا آخرة، و إن لكل شيء حسيبا، و لكل حسنة ثوابا، و لكل سيئة عقابا، و إنك لابد لك من قرين يدفن معك و أنت حي، و تدفن معه و أنت ميت، فإن كان كريما أكرمك و إن كان لئيما أسلمك، لا يحشر إلا معك و لا تبعث إلا معه و لا تسأل إلا عنه، فلا تجعله إلا صالحا، و هو عملك، فقال : وددنا يا رسول الله أن هذا الكلام في أبيات من الشعر نعلمه لأبنائنا لينتفعوا، فقال الصلصال بن الداهش : يا رسول الله حضرتني أبيات من الشعر أحسبها توافق ما يريده قيس فقال : هاتها فأنشد :


تخير خليلا من فعالك إنه           قرين الفتى في القبر ما كان يفعل

فإن كنت مشغولا بشيء فلا تكن    بغير الذي يرضى به الله تشغل

فلن يصحب الإنسان من بعد موته      إلى قبره إلا الذي كان يعمل

ألا إنما الإنسان ضيف بأهله            يقيم قليلا عندهم ثم يرحل (1)


قال الشاعر :


هل الدهر إلا ما عرفنا و أدركنا        فجائعه تبقى و لذاته تفنى

إذا أمكنت فيه مسرة ساعة             تولت كمر الطرف و استخلفت حزنا

حصلنا على هم و إثم و حسرة            و فات الذي كنا نلذ به عنا

كأن الذي كنا نسر بكونه              إذا حققته النفس لفظ بلا معنى


و قال الآخر :


إن الليالي و الأيام قد كشفت            من مكرها كل مستور و مكنون

و حدثتنا بأنّا من فرائسها                 نواطق بفصيح غير ملحون

و استشهدت من مضى منا             فأخبرنا عن ذاك كل لقاء منا و مدفون

و نحن في ذاك نصفيها مودتنا            تبا لكل سفيه الرأي مغبون

أغوى الهوى كل ذي رأي فلست         ترى إلا صحيحا له  أفعال مجنون

حتى متى نشتري دنيا بآخرة               سفاهة و نبيع الغال بالدون

نجمع المال نرجو أن يخلدنا               و قد أبى قبلنا تخليد قارون


و قال الآخر :

ألا كل حيّ هالك و ابن هالك    و ذي نسب في الهالكين عريق

إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت     له عن عدوّ في ثياب صديق

فلا تحسب الدنيا إذا ما سكنتها    قرارا فما دنياك غير طريق

عليك بدار لا يزول نعيمها    و لا يتأذى أهلها بمضيق 


أما أبو العلاء المعري  و ما أدراك ما أبا العلاء تجربة و معرفة بالدنيا و بأحوال و طباع الناس، فيقول في ديوان سقط الزند ـ ص 64 ـ   :


و كالنار الحياة، فمن رماد   أواخرها و أولها دخان

إلامَ وفيمَ تنقلنا ركاب    و تأمُل أن يكون لنا أوان . 


و يقول  الإمام الماوردي في  كتابه ( أدب الدنيا و الدين ص 125 ) :


" و اعلم رحمك الله أن الدنيا إذا وصلت فتبعات موبقة و إذا فارقت ففجعات محرقة و ليس لوصلها دوام و لا من فراقها بدّ، فرض نفسك على قطيعتها لتسلم من تبعاتها و على فراقها لتأمن فجعاتها فقد قيل : المرء مقترض من عمره المنقرض مع أن العمر و إن طال قصير و الفراغ و إن تم يسير.

وورد عن عيسى عليه السلام أنه قال :  "الدنيا لإبليس مزرعة، و أهلها له حراث " .

و عن علي بن أبي طالب : " مثل الدنيا مثل الحية، لين مسها، قاتل سمها، فأعرض عما أعجبك منها لقلة ما يصحبك منها، و ضع عنك هموهما، لما أيقنت من فراقها، و كن أحذر ما تكون لها و أنت آنس ما تكون بها، فإن صاحبها كلما اطمأن منها إلى سرور أشخصه عنها مكروه، و إن سكن منها إلى إيناس أزاله عنها إيحاش ".

و قال بعض البلغاء : " الدنيا لا تصفو لشارب و لا تبقى لصاحب و لا تخلو من فتنة و لا تخلى من محنة فأعرض عنها قبل أن تعرض عنك و استبدل بها قبل أن تستبدل بك فإن نعيمها يتنقل و أحوالها تتبدل و لذاتها تفنى و تبعاتها تبقى ".

و قال بعض الحكماء : " انظر إلى الدنيا نظر الزاهد المفارق لها، و لا تتأملها تأمل العاشق الوامق بها " . (الوامق : المحب المفرط).


و قال بعض الشعراء :

ألا إنما الدنيا كأحلام نائم  و ما خير عيش لا يكون بدائم

تأمل إذا ما نلت بالأمس لذة  فأفنيتها هل أنت إلا كحالم

فكم غافل عنه و ليس بغافل  و كم نائم عنه و ليس بنائم


و روي عنه صلى الله عليه و سلم أنه قال : " من هوان الدنيا على الله أنه لا يعصى إلا فيها، و لا ينال ما عنده إلا بتركها " .


و عن علي كرم وجهه : " الدنيا أولها عناء و آخرها فناء، حلالها حساب و حرامها عقاب من صح فيها أمن و من مرض فيها ندم و من استغنى فيها فتن و من افتقر فيها حزن و من ساعاها فاتته، و من قعد عنها أتته و من نظر إليها أعمته و من نظر بها بصرته " .

و قال بعض البلغاء :

" إن الدنيا تقبل إقبال الطالب و تدبر إدبار الهارب، و تصل وصال الملول و تفارق فراق العجول فخيرها يسير و عيشها قصير. و إقبالها خديعة و لذاتها فانية و تبعاتها باقية فاغتنم غفوة الزمان و انتهز فرص الإمكان و خذ من نفسك لنفسك و تزود من يومك لغدك " .

و قال وهب بن منبه :

" مثل الدنيا و الآخرة مثل ضرتين، إذا أرضيت إحداهما أسخطت الأخرى " .

و قال عبد الحميد  الكاتب :

" الدنيا منازل ، فراحل و نازل " .

و قال بعض الحكماء :

" الدنيا إما نقمة نازلة أو نعمة زائلة " .

و قيل في منثور الحكم :

" من الدنيا على الدنيا دليل " .


و قال الشاعر :


تمتع من الأيام إن كنت حازما     فإنك منها بين ناه و آمر

إذا أبقت الدنيا على المرء دينه     فما فاته منها ليس بضائر

فلن تعدل الدنيا جناح بعوضة       و لا وزن درّ من جناح لطائر

فما رضي الدنيا ثوابا لمؤمن        و لا رضي الدنيا جزاء لكافر 

 

و قال الكناني ابن جماعة  في تذكرة السامع ص 10 :

 

" على العالم  أن يتخلق بالزهد في الدنيا والتقلل منها بقدر الإمكان الذي لا يضر بنفسه أو بعياله فإن ما يحتاج إليه لذلك على الوجه المعتدل من القناعة ليس يُعَدُّ من الدنيا وأقل درجات العالم أن يستقذر التعلق بالدنيا لأنه أعلم الناس بخستها وفتنتها وسرعة زوالها وكثرة تعبها ونَصَبِهَا فهو أحق بعدم الالتفات إليها والاشتغال بهمومها .


وعن الشافعي رضي الله عنه : "  لو أوصى إلى أعقل الناس صرف إلى الزهاد فليت شعري من أحق بالعلماء بزيادة العقل وكماله " .


وقال يحيى بن معاذ : "  لو كانت الدنيا تِبْرًا يفنى والآخرة خَزَفًا يبقى لكان ينبغي للعاقل إيثار الخزف الباقي على التبر الفاني فكيف والدنيا خزفٌ فانٍ والآخرة تِبْرٌ باقٍ " . 


قال شاعر في وصف الدنيا : 

 

انظر إلى الأطلال كيف تغيرت      من بعد ساكنها و كيف تنكرت

سحب البلى أذياله برسومها             فتساقطت أحجارها وتكسر

 و مضت جماعة أهلها لسبيلهم         و تغيبت أخبارهم و تنكرت

لمّا نظرت تفكرا لديارهم              سحّت جفوني عبرة و تحدّرت

لو كنت أعقل ما أفقت من البكا         حسبي هناك و مقلتي ما أبصرت

نصبت لنا الدنيا زخارف حسنها         مكرا بنا و خديعة ما فترت

و هي التي لم تحلُ قط ّ لذائق            إلا تغير طعمها و تمرّرت

وهّابة سلاّبة لهباتها                         طلاّبة لخراب ما قد عمّرت

و إذا بنت أمرا لصاحب ثروة           نصبت مجانقها عليه فدمّرت


و قال آخر :


و من يحمد الدنيا لعيش يسرّه            فسوف لعمري عن قليل يلومها

إذا أدبرت كانت على المرء حسرة      و إن أقبلت كانت كثيرا همومها (6)

(6) الإمام محيي الدين بن شرف النووي. بستان العارفين . ص 24



وقال علي رضي الله عنه  في الدنيا : ( أولها عناء، وآخرها فناء، حلالها حساب ، وحرامها عقاب ، من استغنى فيها فتن، ومن افتقر فيها حزن ) قلت : و هذا كلام يكتب بماء الذهب، و لا يقوله إلا حكيم رضع من مشكاة النبوة ..


وقال الحسن البصري : ( من نافسك في دينك فنافسه ، ومن نافسك في دنياك فألقها في نحره ) .

و قال الإمام النووي في مقدمة رياض الصالحين :  " الدنيا دار نفاد لا محل إخلاد، و مركب عبور لا منزل حبور، و مشرع انفصام لا موطن دوام، فلهذا كان الأيقاظ من أهلها هم العبّاد، و أعقل الناس فيها هم الزهاد " . (7)  

و قال عباس محمود العقاد : " ربما كان طالبوا اللذة القانعون بها هم أقل الناس نصيبا من دوافع الحياة " . (8)

قال جابر بن عبد الله الأنصاري : " خرجت مع علي كرم الله وجهه إلى خارج المدينة فتفكرت في أحوال الدنيا و غرورها و فتنها لنا، فقال  يا جابر : إن الدنيا أحقر من أن يفتتن بها لبيب، يا جابر إن لذاتها في ستة أشياء، مأكول، و مشروب، و ملبوس، و منكوح، و مشموم، و مسموع.

فأما المأكول : فألين ما يأكل العسل و هو رجيع ذبابة.

و أما المشروب : فألذ ما يشرب الماء و قد تساوى فيه جميع الحيوانات.

و أما الملبوس : فأفخر ما يلبس الحرير و مخرجه من دودة.

و أما المنكوح : فمَبال في مَبال .

و أما المشموم : فأطيبه المسك و هو دم دابّة.

و أما المسموع : فألذ ما يسمع الوتر و هو إثم كله .

ثم عقب ابن الجوزي :

فيا مهلكا نفسه التي لا قيمة لها، في طلب دنيا لا وقع لها، أما تراها تميد بأهلها و سكانها، و الشاهد يشاهد عواصف الحوادث تنسف جبال المقتنى، و معاول الزمن تهدم مشيد المبتنى، و كلما ارتفع كثيب أمل وهال انهال، فإلى كم هذا الحرص و لا تنال إلا المقدور.... لقد أنضى الحرص مطية عمرك و ما وصلت بلد الأمل .. لو قنعت الذبابة بطرف ظرف العسل ما تلفت.... و يحك أحسن ما في الدنيا قبيح لأنه يشغل عما هو أحسن منه، أترى لو ابتليناك بترك عظيم، كيف كنت تصنع؟ إنما رددناك عن دنس، و منعناك من كدر، ثم ما علمت أن الثواب على قدر المشقة، ويحك إن الأرباح الكثيرة، في الأسفار البعيدة ... ".  (9).

(7) الإمام النووي . رياض الصالحين. ص 5

(8) عباس محمود العقاد. ساعات بين الكتب. ص 44

(9) ابن الجوزي. المقلق. ص 44


 



قال تعالى { بل تؤثرون الحياة و الدنيا و الآخرة خير و أبقى } الأعلى 16.

و قال تعالى عن مؤمن آل فرعون أنه قال لقومه { يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع و إن الآخرة هي دار القرار } سورة غافر 39.

" و المتاع هو ما يتمتع به صاحبه برهة ثم ينقطع و يفنى. فما عيبت الدنيا بأبلغ من ذكر فنائها و تقلب أحوالها، و هو أدل دليل على انقضائها و زوالها، فتتبدل صحتها بالسقم، و وجودها بالعدم، و شبيبتها بالهرم، و نعيمها بالبؤس، و حياتها بالموت، فتفارق الأجسام النفوس، و عمارتها بالخراب، و اجتماعها بفرقة الأحباب، و كل ما فوق التراب تراب " .

قال بعض السلف  في يوم عيد و قد نظر إلى كثرة الناس و زينة لباسهم : هل ترى إلا خرقا تبلى، أو لحما تأكله الدود غدا ؟

و كان الإمام أحمد يقول : يا دار تخربين و يموت سكانك.

 و في الحديث : عجبا لمن رأى الدنيا و سرعة تقلبها بأهلها كيف يطمئن لها.

قال الحسن : إن الموت قد فضح الدنيا فلم يدع لذي لبّ بها فرحا. و قال مطرّف : إن الموت قد أفسد على أهل النعيم نعيمهم، فالتمسوا نعيما لا موت فيه " .

" عيوب الدنيا بادية، و هي بعبرها و مواعظها منادية، لكن حبها يعمي و يصمّ، فلا يسمع محبها نداءها، و لا يرى كشفها للغير و إيذاءها.


قد نادت الدنيا على نفسها     لو كان في العالم من يسمع

كم واثق بالعمر أفنيته         و جامع بددت ما يجمع


كم قد تبدّل نعيمها بالضر و البؤس، كم أصبح من هو واثق يملكها، و أمسى و هو منها قنوط يؤوس. قالت بعض بنات ملوك العرب الذين نكبوا :

أصبحنا و ما في العرب أحد إلا و هو يحسدنا و يخشانا، و أمسينا و ما في العرب أحد إلا و هو يرحمنا، ثم قالت :


فأفّ لدار لا يدوم نعيمها         تقلّب تارات بنا و تُصرّف

و بينا نسوس الناس و الأمر أمرنا       إذا نحن فيهم سوقة ليس ننصف

دخلت أم جعفر بن يحيى البرمكي على قوم في عيد أضحى تطلب جلد كبش تلبسه، و قالت : هجم عليّ مثل هذا العيد و على رأسي أربعمائة وصيفة قائمة، و أنا أزعم أن ابني جعفر عاقّ لي.

كانت أخت أحمد بن طولون صاحب مصر كثيرة السرف في إنفاق المال، حتى إنها زوجت بعض لعبها فأنفقت على وليمة عرسها مائة ألف دينار، فما مضى إلا قليل حتى رؤيت في سوق من أسواق بغداد و هي تسأل الناس.

خلع بعض خلفاء بني العباس و كحّل و حبس ثم أطلق، فاحتاج إلى أن وقف يوم جمعة في الجامع و قال للناس : تصدقوا علي ّ فأنا من قد عرفتم .

فما عيبت الدنيا بأبلغ من ذكر فنائها و تقلب أحوالها، و هو أدل دليل على انقضائها و زوالها، فتتبدل صحتها بالسقم، و وجودها بالعدم، و شبيبتها بالهرم، و نعيمها بالبؤس، و حياتها بالموت، فتفارق الأجسام النفوس، و عمارتها بالخراب، و اجتماعها بفرقة الأحباب، و كل ما فوق التراب تراب".  

كن من الذين يخرجون من الدنيا خروج الأحرار، قبل أن تخرج منها خروج اضطرار ..

و جاء في كتاب " الميسر في حياة الخلفاء " قد كان الصحابة رضوان الله عليهم يعرفون القيمة الحقيقية للدنيا، و على رأسهم أبو بكر رضي الله عنه و أرضاه، حيث يقول : " هذا ما دعا به أبو بكر في آخر عهده من الدنيا  خارجا منها و أول عهده بالآخرة داخلا فيها حيث يؤمن الكافر و يوقن  الفاجر و يصدق الكاذب ".



إنما هذه الحياة متاع                فالجهول المغرور من يصطفيها

ما مضى فات و المؤمل غيب     و لك الساعة التي أنت فيها      

 

و ذكر النووي في مقدمة رياض الصالحين أبياتا تكتب بماء الذهب :

إن لله عبادا فطنا       طلقوا الدنيا و خافوا الفتنا

نظروا فيها فلما علموا       أنها ليست لحي وطنا

جعلوها  لٌجّة و اتخذوا       صالح الأعمال فيها سفنا

 

 


يقول أحد العارفين : 

" الدنيا دار من لا دار له، و لها يجمع من لا عقل له " ..


و إذا أردنا أن نعرض مقارنة  بين الدنيا و الآخرة، و لا مجال إلا تجوّزا، تذكرنا ما قاله العلامة  ابن القيم في حادي الأرواح، عن عباد الله الصالحين : "  رفع لهم علم الجنة فشمروا إليه، و ووضح لهم صراطها المستقيم فاستقاموا عليه، و رأو ا من أعظم الغبن بيع ما لا عين رأت و لا أذن سمعت و لا خطر على قلب بشر، في أبد لا يزول و لا ينفد، بصبابة عيش إنما هو كأضغاث أحلام، أو كطيف زار في المنام، مشوب بالنغص، ممزوج بالغصص، إن أضحك قليلا أبكى كثيرا، و إن سر يوما أحزن شهورا، آلامه تزيد على لذاته، و أحزانه أضعاف أضعاف مسراته، أوله مخاوف، و آخره متالف.

فيا عجبا من سفيه في صورة حليم، و معتوه في مسلاخ عاقل، آثر الحظ الفاني الخسيس على الحظ الباقي النفيس، و باع جنة عرضها الأرض و السماوات، بسجن ضيق بين أرباب العاهات و البليّات، و مساكن طيبة في جنات عدن تجري من تحتها الأنهار، بأعطان ضيقة آخرها الخراب و البوار، و أبكارا عربا أترابا كأنهن الياقوت و المرجان، بقذرات دنسات سيئات الأخلاق مسافحات أو متخذات أخدان، و حورا مقصورات في الخيام، بخبيثات مسيّبات بين الأنام، و أنهارا من خمر لذة للشاربين، بشراب بخس مذهب للعقل، مفسد للدنيا و الدين، و لذة النظر إلى وجه العزيز الرحيم، بالتمتع برؤية وجه القبيح الدميم، و سماع الخطاب من الرحمن، بسماع المعازف و الألحان، و الجلوس على منابر اللؤلؤ و الياقوت و الزبرجد في يوم المزيد، بالجلوس في الطرقات مع كل شيطان مريد ". (11)

(11) سيد بن الحسين العفاني. صلاح الأمة في علو الهمة . ص 28.



فلا يصح للعاقل الذي سيهرم في يوم من الأيام و يفقد قوته الجسمية .. و هو يعرف أن جسمه خلق ضعيفا ليذكره بأن هذه الدنيا مؤقتة، فلا يبيع الحياة الآخرة و التي هي حياة الأمن و الإستقرار  الدائم بحياة فانية .

و مفهوم الحياة الدنيا عند كثير من المفكرين و الفلاسفة شيء يشبه الحلم تماما، فأنت : " تكون أثناء حلمك في غرفة مظلمة و هادئة و عيناك مغلقتان بإحكام، إذا أنت غير متصل مع العالم الخارجي .. و مع ذلك فأنت تمارس في حلمك نفس الأشياء التي تمارسها في يقظتك، ففي حلمك تنهض و ترتدي ثيابك مسرعا لتخرج إلى العمل، و في الحلم تستمتع بأشعة الشمس الدافئة في إجازتك .. إلى جانب ذلك، أنت لا تشعر بأدنى شك و أنت تحلم أن ما تراه حقيقة، فقط عندما تستيقظ تشعر بأن ذلك كان حلما، في حلمك تشعر بالقلق و الخوف و السعادة و الألم، و بنفس الوقت أنت تشعر بصلابة الأشياء، مع أنه لا يوجد مصدر يولّد هذه المدارك، فأنت لا تزال في غرفة مظلمة و هادئة ".. و هذه حقيقة فالإدراك يكمن في دماغ الإنسان و ليس في العالم الخارجي .. 

قلت : و هذا قريب جدا من الحقيقة، فالموت هو اليقظة الحقيقية الكاملة، و الإدراك المطلق المحرر من قيود المادة و محدودية الزمان و المكان، و ذلك مصداقا لما ورد في الأثر القائل " الناس نيام إذا ماتوا استيقظوا " .

و الله تعالى يقول عن الميت { لقد كنت في غفلة عن هذا فبصرك اليوم حديد } سورة ق . 

فما كان غيبا في الحياة الدنيا المغلّفة بالشهوات و الران و المشوشات، أصبح عند الميت شهادة يراها رأي العين، كالملائكة و الجن و أهل البرزخ و غير ذلك مما يدخل في عالم الغيب الغائب عن نيام أهل الدنيا ...

و يقول المنجد في كتاب ( ظاهرة ضعف الإيمان ص 37) : " ومن أكثر ذكر الموت أكرم بثلاثة أشياء : تعجيل التوبة ، وقناعة القلب ، ونشاط العبادة ، ومن نسي الموت عوقب بثلاثة أشياء : تسويف التوبة ، وترك الرضا بالكفاف، والتكاسل بالعبادة ".

يقول محمد الأمين شيخو في كتاب " السيد المسيح يلوح بالأفق ": " لابد من تعريف النفس بأن هذه الحياة الدنيا التي اطمأنت إليها و فرحت بها، إنما هي سريعة الزوال وشيكة الإنقضاء، و أنه مهما جمع الإنسان منها، و مهما عاش فيها، فلابد له من الموت و لابد من الفراق، و هذه حقيقة واقعية لابد من وقوعها حتما.

فإذا ما ضرب المرء لنفسه أمثلة لمن عاش قبله من آبائه و أجداده و ذويه، و عرفها بمن سكن في مساكنهم و من سبقوه، ثم بصرها بالموت و رهبته، و القبر و وحشته، و كرر لها هذا الدرس و أعاده عليها، فهنالك تخاف و ترهب، و تقلع عن الإسترسال في محبة الدنيا و الإنصراف إليها، و تطلب و تجدّ في معرفة المربي الذي يعنى بها، و تتحد جهود النفس مع الفكر، فيعمل منطلقا جادا في البحث، و ما يزال يقارن و يقايس و يحلل و يركب و يسأل ذاته بذاته و يجيب، حتى ينتهي به الإقرار و الحكم، بوجود الخالق العظيم، الذي خلق كل شيء، و يستمر به البحث، فيتوصل إلى الإيمان بأنه تعالى هو المربي و الممد، يربي المخلوقات و يمدها بما يلزمها ... و لا إيمان لمن لا عقل له، و لا دين لمن لا عقل له ".

و أبو بكر الصديق هو الذي يقول : " اطلبوا الموت توهب لكم الحياة ".

و الحياة عند المفكر  الأديب العملاق سيد قطب : " الحياة في التصور الإسلامي ليست هي الحياة الدنيا القصيرة  المحدودة، و ليست هي عمر الإنسان المحدود القصير، إن الحياة في التصور الإسلامي تمتد طولا في الزمان إلى أبد الآباد، و تمتد في المكان إلى دار أخرى في جنة عرضها السماوات و الأرض، أو نار تتسع لكثير من الأجيال التي عمرت وجه الأرض أحقابا من السنين". 

و هي عنده أيضا  كما جاء في الظلال :

يقول حسين العفاني في علو الهمة نقلا عن سيد قطب في الظلال  :

 " إن زينة الحياة الدنيا لا ترتفع إلى ذلك الأفق العالي الذي يتطلع إليه من يدعون ربهم بالغداة و العشي يريدون وجهه.

أما الهامات المتشامخة التي لا تخفف من غلوائها، و لا تطامن من كبريائها،  فهي و أقوال أصحابها سفه ضائع، لا يستحق إلا الإغفال؛ جزاء ما غفلوا عن ذكر الله .

هذا دين رفيع.. لا يعرض عنه إلا مطموس، و لا يعيبه إلا منكوس، و لا يغفل عنه و يحاربه إلا موكوس .

قال تعالى : { و من أراد الآخرة و سعى لها سعيها و هو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا } الإسراء 19.

الذي يريد الآخرة لابد أن يسعى لها سعيها، فيؤدي تكاليفها، و ينهض بتبعاتها، و يقيم سعيه لها على الإيمان، و ليس الإيمان بالتمني، و لكن ما وقر في القلب و صدقه العمل. و السعي إلى الآخرة يمد بالبصر إلى آفاق أعلى، و فلا يكون متاع الأرض هو الهدف و الغاية، و لا ضير بعد ذلك من المتاع حين يملك الإنسان نفسه، فلا يكون عبدا لهذا المتاع

و إذا كان الذي يريد العاجلة ينتهي إلى جهنم مذموما مدحورا، فالذي يريد الآخرة و يسعى لها سعيها؛ ينتهي إليها مشكورا، يتلقى التكريم من الملأ الأعلى، جزاء السعي الكريم لهدف كريم، و جزاء التطلع إلى الأفق البعيد الوضيء .

إن الحياة للأرض حياة تليق بالديدان و الزواحف و الحشرات و الهوامّ و الوحوش و الأنعام، فأما الحياة للآخرة فهي الحياة اللائقة بالإنسان الكريم على الله، الذي خلقه فسوّاه، و أودع روحه ذلك السر الذي ينزع به إلى السماء، و إن استقرت على الأرض قدماه. إنها رفرفة الروح إلى آفاق لائقة بكمال الإنسان، و أما الذين يقفون عند الحياة الدنيا؛ بما فيها من نقص و هبوط،و يرضونها و يستغرقون فيها، فلا ينكرون فيها نقصا، و لا يدركون أنها لا تصلح أن تكون نهاية البشر، فإنها تهبط بهم ثم تهبط؛ لأنهم لا يرفعون رؤوسهم  إلى قمة، و لا يتطلعون بأبصارهم إلى أفق، إنما يخفضون رؤوسهم و أبصارهم دائما إلى هذه الأرض و ما عليها .

قال تعالى { انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض و للآخرة أكبر درجات و أكبر تفضيلا } الإسراء 21.

من شاء التفاوت الحق، و من شاء التفاضل الضخم، فهو هناك في الآخرة.هناك في الرقعة الفسيحة، و الآماد المتطاولة التي لا حدود لها ... و في ذلك فليتنافس المتنافسون، لا في متاع الدنيا القليل الهزيل " . (13)

قلت : و لذلك فمن أوتي العقل و العلم و الدين قبل المال فقد أوتي مقومات و أدوات ملك النفس، و من أوتي المال بلا عقل و لا دين و لا إيمان و لا علم، فهلاكه أقرب إليه من شربة ماء ...

يقول محمد الأمين شيخو : " معظم الناس اتخذت الدنيا سبيلا، و اكتفت و ارتضت بها حياة .. و  سبيل الله أو سبيل الآخرة، هو باتجاه معاكس لسبيل الدنيا الدنية، فكلما ابتعد الإنسان عن حب الدنيا، اقترب من الله و استقام له طريقه، و ما دام في قلبه شيء منها، يظل مشدودا إليها، بقوة ما في قلبه منها، و في اللحظة التي يتخلص من عقالها، يكون قد تخلص من أكبر عقبة تعترض سبيله إلى الله، و عندها تبدو له الحقيقة سافرة من غير قناع " . (14)

(13) سيد حسين العفاني . ص 69

(14) أمين شيخو. ص 84



و الحياة في شعر  الشاعرة العراقية نازك الملائكة :


يا قلوب العشاق حسبك حبا   و اقبسي من مأساة قيس مثالا

هي هذي الحياة لا تمنح الأح   ياء إلا العذاب و الأهوالا

خدعتنا بالحب و الشوق و الذك  رى و ما خلفها سوى الأوهام

عالم سافل يضج من الإث   م و يحيا بين الهُوى و الظلام  (15)


و أنشد الماوردي :

 تمتع من الأيام إن كنت حازما   فإنك منها بين ناه و آمر

إذا أبقت الدنيا على المرء دينه  فما فاته منها فليس بضائر

فلن تعدل الدنيا جناح بعوضة   و لا وزن درّ من جناح لطائر

فما رضي الدنيا ثوابا لمؤمن    و لا رضي الدنيا جزاء لكافر


و قال عيسى بن مريم : لا تنازعوا أهل الدنيا في دنياهم فينازعوكم في دينكم، فلا دنياهم أصبتم و لا دينكم أبقيتم. و قال علي بن أبي طالب : لا تكن ممن يقول في الدنيا بقول الزاهدين و يعمل فيها عمل الراغبين فإن أعطي منها لم يشبع و إن منع منها لم يقنع يعجز عن شكر ما أوتي و يبتغي الزيادة فيما بقي، و ينهي الناس و لا ينتهي و يأمر بما لا يأتي يحب الصالحين و لا يعمل بعملهم و يبغض الطالحين و هو منهم . و قال الحسن البصري : الدنيا كلها غم فما كان منها من سرور فهو ربح. و قال بعض العلماء : إن الدنيا كثيرة التغيير سريعة التنكير شديدة المكر دائمة الغدر فاقطع أسباب الهوى عن قلبك و اجعل أبعد أملك بقية يومك و كن كأنك ترى ثواب أعمالك.

خلّ دنياك إنها    يعقب  الخير شرها

هي أم تعق من     نسلها  من يبرّها

كل نفس فإنها   تبتغي ما يسرها

و المنايا تسوقها   و الأماني تغرها

فإذا استحلت الجنى  أعقب الحلو مرها

يستوي في ضريحه   عبد أرض و حرّها

و قال عيسى بن مريم : تعملون للدنيا و أنتم ترزقون فيها بغير عمل، و لا تعملون للآخرة و أنتم لا ترزقون فيها إلا بعمل. و قال بعض البلغاء : من نكد الدنيا أنها لا تبقي على حالة و لا تخلو من استحالة تصلح جانبا بإفساد جانب و تسر صاحبا بمساءة صاحب، فالركون إليها خطر و الثقة بها غرر.  و قال بعض الحكماء : الدنيا مرتجعة الهبة و الدهر حسود لا يأتي على شيء إلا غيره و لمن عاش حاجة لا تنقضي. و لما بلغ مزدك من الدنيا أفضل ما سمت إليه نفسه نبذها و قال : هذا سرور لولا أنه غرور و نعيم لولا أنه عديم و ملك لولا أنه هلك، و غناء لولا أنه فناء و جسيم لولا أنه ذميم و محمود لولا أنه مفقود و غنى لولا أنه منى و ارتفاع لولا أنه اتضاع و علاء لولا أنه بلاء و حسن لولا أنه حزن و هو يوم لو وثق له بغد .و قال بعض الحكماء : قد ملك الدنيا غير واحد من راغب و زاهد، فلا الراغب فيها استبقت و لا عن الزاهد كفت. و قال أبو العتاهية :

هي الدار دار الأذى و القذى     و دار الفناء و دار العبر

فلو نلتها بحذافيرها                لمت و لم تقض منها الوطر

أيا من يؤمل طول الخلود       و طول الخلود عليه ضرر

إذا ما كبرت و بان الشباب    فلا خير في العيش بعد الكبر


و أوحى الله إلى الدنيا من خدمني فاخدميه و من خدمك فاستخدميه .

و قال بعض البلغاء : زد من طول أملك في قصير عملك فإن الدنيا ظل الغمام و حلم النيام فمن عرفها ثم طلبها فقد أخطأ الطريق و حرم التوفيق.  و قال بعض الحكماء : لا يؤمننك إقبال الدنيا عليك من إدبارها عنك و لا دولة لك من إدالة منك. و قال آخر : ما مضى من الدنيا كما لم يكن، و ما بقي منها كما قد مضى. و قيل لزاهد : قد خلعت الدنيا فكيف سخت نفسك عنها، فقال : أيقنت أني أخرج منها كارها فرأيت أن أخرج منها طائعا... و قال صاحب كليلة و دمنة : طالب الدنيا كشارب ماء البحر، كلما ازداد شربا ازداد عطشا. و كان عمر بن العزيز يتمثل بهذه الأبيات :

نهارك يا مغرور سهو و غفلة     و ليلك نوم و الأسى لك لازم

تسرّ يما يفنى و تفرح بالمنى        كما سرّ باللذات في النوم حالم

و شغلك فيما سوف تكره غبّه       كذلك في الدنيا تعيش البهائم


و سمع رجل رجلا يقول لصاحبه : لا أراك الله مكروها فقال : كأنك دعوت على صاحبك بالموت، إن صاحبك ما صاحب الدنيا فلابد أن يرى مكروها . و قال أبو العتاهية :

إن الزمان و لو يل    ين لأهله لمخاشن

خطواته المتحركا   ت كأنهن سواكن (16)


من كان يعلم أن الموت مدركه   و القبر مسكنه و البعث مخرجه

و أنه بين جنات ستبهجه          يوم القيامة أو نار ستنضجه

فكل شيء سوى التقوى به سمج   و ما أقام عليه منه أسمجه

ترى الذي اتخذ الدنيا له وطنا       لم يدر أن المنايا سوف تزعجه


و قيل لزاهد : ما بالك تمشي على العصا و لست بكبير و لا مريض ؟

فقال : إني أعلم أني مسافر و أنها دار بلغة و أن العصا من آلة السفر. فأخذه بعض الشعراء فقال :

  حملت العصا لا لضعف أوجب حملها   عليّ و لا أني تحنيت من كبر

و لكنني ألزمت نفسي حملها         لأعلمها أني مقيم على سفر


و قال ذو القرنين عليه السلام : رتعنا في الدنيا جاهلين، و عشنا فيها غافلين و خرجنا منها كارهين .


(15) نازك الملائكة . ديوان نازك الجزء الأول ص 149

(16) أبو الحسن الماوردي. أدب الدنيا و الدين . ص 126




و قال عبد الحميد : المرء أسير عمر يسير . و قال بعض الحكماء : المسيء ميت و إن كان في دار الحياة، و المحسن حيّ و إن كان في دار الأموات.

و مر بعض الزهاد بباب ملك، فقال : باب حديد و موت عتيد و نزع شديد و سفر بعيد ..

قال عبد الله بن الزبير عند مقتل أخيه مصعب :

ألا إنما الدنيا عارية من الملك الأعلى الذي لا يزول سلطانه، و لا يبيد ملكه، فإن تقبل لا آخذها أخذ الأشر البطر، و إن تدبر لا أبك عليها بكاء الحرق المهين".

" إنه و الله ما بالدنيا بأس، ما تدرك الآخرة إلا بالدنيا، فيها يوصل الرحم، و يفعل المعروف، و فيها يتقرب إلى الله عز و جل بالأعمال الصالحة، فإياك أن تذهب أنت و صاحبك فتقعوا في معصية الله عز و جل، ثم تقولوا قبح الله الدنيا، و لا ذنب للدنيا".

" عن حكيم بن قيس بن عاصم عن أبيه قال عند الموت : يا بنيّ عليكم باصطناع المال، فإنه منبهة للكريم و يستغنى به عن اللئيم ".

و عن سعيد بن المسيب : " لا خير فيمن لا يحب المال، ليؤدي عنه أمانته، و يصل رحمه، و يستغني به عن خلق ربه عز و جل ".


أزمة أهل النار في أولها و آخرها أزمة عدم قبول سماع العلم { و قالوا لو كنا نسمع أو نعقل }  النابلسي ... فمن أراد خير الدنيا و الآخرة فعليه بالعلم، و من طلب الدنيا وحدها خسرهما معا ....

و البطل يعيش في المستقبل لا في الحاضر، لأنه يعمل ليوم الحساب ... و لذلك اقترن الإيمان بالله باليوم الآخر دائما ....لا انفصال بينهما ...

فقبل أن تعمل و قبل أن تتصرف فكر دائما ... هل هذا العمل ينفعني في اليوم الآخر أم لا ... و هكذا تكون بطلا يعيش في المستقبل .... النابلسي..


قال الجنيد : " ما أخذنا التصوف عن قيل و قال، و لكن عن الجوع و ترك الدنيا و قطع المألوفات، و المستحسنات " ..



فلسفتنا في الحياة بين الترغيب و الترهيب 

وسطية الفهم  - جاءت نصوص بذمها ، فهل المقصود ترك الإعمار ؟

 و جاءت النصوص بالإعمار ، فهل المقصود  جعلها منتهى الأمل ؟

بعدما استعرضنا  ملخصا من بعض معتقدات الأمم و الأديان و  المذاهب و الفلسفات و في القليل غنى عن الكثير فالكل يدور و يحوم حول نفس المعنى فهي إما كل شيء و منتهى الأمل و إما لا شيء و لا معنى لها عبثية مطلقة غير مفهومة و الإنسان فيها إما وحش كاسر باحث عن السيادة و القوة و السيطرة و إما درويش مستسلم لكل شيء حوله و لا توجد حكمة أعمق و أوسط من التي في تراثنا الإسلامي و خلاصتها : " اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا و اعمل لآخرتك كأنك تموت غدا ".. لو فتشت ما بين ضلوع و خلايا عقلاء و حكماء العالم لم تجد أعظم من هذه الحكمة.

وكل ما جاء من ذم الدنيا و التحذير من الغرق في أوحالها ، إنما يصرف في الفهم إلى الحذر من الغفلة ، و نسيان أمر الآخرة الذي هو مربط الفرس ، حتى لا تصبح الدنيا هي الهدف الأسمى و المبتغى الأعلى ...

قال تعالى { و لا تنس نصيبك من الدنيا } نزلت في قوم زهدوا في الدنيا بأكملها و تركوا المباح و ما تقوم به الحضارات، فكان التنبيه .. أما اليوم فالناس غارقون في الدنيا و يحتاجون إلى من يقول لهم " و لا تنس نصيبك من الآخرة " !!

قال صلى الله عليه  و سلم في دعاءه " اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا و لا مبلغ علمنا " . فالدنيا لا ينبغي أن تكون أكبر الهمّ و لا مبلغ العلم، فهناك هم أكبر منها و هو هم الآخرة، و علم أكبر منها هو علم الآخرة ..  كما يصرف إلى ترك المعاصي و الحذر من الشواغل التي تحجب الإنسان  و تضله في طريقه إلى ربه، و تخرجه من طريق التزكية و العلم و الحكمة التي تؤهله لمعرفة ربه القدوس .

و روي عنه صلى الله عليه و سلم أنه قال : " يا عبد الله كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل و اعدد نفسك في الموتى " . (1)

و هذا لا يمكن أن يفهم إلا في إطار العمل الجاد للدنيا و السعي فيها طلبا للعلم و الرزق و تشييد الحضارة مع الحذر من فتنها و و كلاليبها، و ليس المقصود به أبدا ترك الدنيا و الرهبنة على المستوى الفردي أو الجماعي ! لأنه يخالف قوله تعالى { و استعمركم فيها } أي طلب منكم إعمارها و تشييد الحضارة . فلا بد للمجتمعات و الدول من قوة و لا قوة بدون العلوم ، و لا علوم بدون تعلّم و سعي و إنفاق و بحث و تدبير .. و كل ذلك مطلوب .. و لكن ليس مطلوبا لذاته و لا للإفساد في الأرض .. و لا يجب أن يغني أو يحيدك عمّا خلقت له ..

و هذا من نعم الله علينا ببعثة خاتم المرسلين الذي رفع به الأغلال التي كانت على قبلنا، و كانوا يقعون في حيرة الإختيار بين الدنيا  والآخرة، فكان الأمر عندهم إمّا و إمّا .. و لذلك تجد الإنجيل يقول " لا يدخل الأغنياء الجنة " و لا يجتمع الإيمان و المال في الإنجيل .. ( لا يقدر أحدكم أن يخدم سيدين، لأنه إما أن يبغض أحدهما و يحب الآخر، و إما أن يتبع أحدهما و ينبذ الآخر، فأنتم لا تقدرون أن تخدموا الله و المال ). (2)

(1)  ابن الجوزي . المقلق . ص 67

(2) العهد الجديد . متى 6 /24




و هذا التعارض هو من الأغلال التي رفعها القرآن الكريم و الشبهات التي أزالها و بيّنها، فسمى القرآن المال خيرا { و إنه لحب الخير لشديد } فبه تستقيم الحياة و تشيد الحضارات، و لم يضعه في موقف تعارض بل في خدمة الدعوة و الخير .. بل أرشد إلى فقه التعامل به و معه .. و حذر من جعله منتهى الأمل و من الطغيان في كسبه و إنفاقه . فإن خير الدنيا لا ينكر على الإطلاق،  إذ بها و فيها يتوصل العبد الصالح إلى عبادة ربه سبحانه و إقامة الصلاة و إيتاء الزكاة و السعي لطلب الرزق الحلال للقيام بالواجبات و طلب الذرية الصالحة التي توحد الله تعالى و تعبده و إعمار الأرض كما يحب ربنا ويرضى ... و قد سخر الله تعالى الكون كله و الأرض كلها للإنسان لكي يقوم بهذا الدور على أحسن ما يرام . فكيف تذم و هذا شأنها ، و قد جعلها الله و

ما فيها آيات للمؤمنين و نماذج لما هو خير و أبقى ....فالمال لبناء المدارس و الجامعات، و تشييد المستشفيات و مراكز البحوث، و كل ما فيه خير و نفع للمسلمين و غيرهم .

إنما يذم فيها الفساد و الإنشغال عن ذكر الله بالمعاصي و التوافه و سفاسف الأمور .... و أن تشغل الدنيا عن الآخرة ...كما قال صلى الله عليه و سلم : " الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله و ما والاه و عالما أو متعلّما ".

و الحياة الدنيا نعمة لأنها هي القنطرة الموصلة إلى النعيم الخالد و الزيادة ...و الزيادة هي النظر إلى وجه الله الكريم.

و قد تتحوّل إلى  نقمة بقدر ما يبعد فيها الإنسان عن  طريق الحق الموصل إلى الرحمن ... فالدنيا فانية و غير دائمة ... و الذي يهرول وراء الفاني أحمق يبحث عن سراب، فيطول بحثه و شقاءه، و لا يصل إلا إلى ما يؤلمه في نهاية الأمر ... ذلك بأنهم { نسوا الله فأنساهم أنفسهم } .

فاعبروها بهذا المفهوم .. أي اجعلوها قنطرة جميلة للتوصل بها إلى ما هو أفضل منها .. و لا يعني هذا إهمال تفاصيل الجماليات و التحسينيات للقنطرة بما أحل ّ الله تعالى [ قل من حرم زينة الله ...] و ليكن تذكرك للآخرة و نعيمها و عذابها هو الشغل الشاغل حتى يقال لك تذكيرا و تليينا [ و لا تنس نصيبك من الدنيا ] 

و لا تكن من الغارقين في الدنيا حتى يقال لك " و لا تنس نصيبك من الآخرة " فافهم ....و من روائع الحكم في تراثنا مقولة " اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا، و اعمل لآخرتك كأنك تموت غدا "، فهذا هو القول الفصل، و العمل الوسط الذي امتازت به هذه الأمة العظيمة التي ليس لديها تناقض و لا تعارض بين الدنيا و الآخرة، و لا بين علوم الكون و علوم الوحي .. و هي من الحكم العظيمة الجامعة المانعة و العميقة ..و لا أعتقد أن هناك حكمة أعمق و أغنى من هذه في هذا الباب.

فخلاصة الحياة كما جاء ذكرها في القرآن هي أن الحياة الآخرة هي الحيوان أي الحياة الحقيقية الكاملة التي لا نقص فيها و لا منغصات، و تلك الحياة هي دار الجزاء و ذلك منتهى المنطق ... أما الحياة الدنيا فهي امتحان و اختبار و تمرين و تدريب و نموذج و ابتلاء، و هي دار العمل، و لذلك ملئت بالمتناقضات و العراقيل و الفتن و المحن و الإبتلاءات، ليتم فيها تمحيص الصفوف و ترتيب المراتب و الدرجات على أساس الإستحقاق و التأهل، فلا يصل إلى القمم إلا أولو العزم و الهمم ... ثم الأولى فالأولى كل بحسب علمه و عمله و كفاحه و نيته ...

و الحياة الدنيا لعب و لهو و زينة و متاع غرور .. فلا يتشبت بها و يجعلها أكبر همه و مبلغ علمه إلا جاهل أحمق، و مغرور محروم ...

و لكل حرية الإختيار و الحركة، فالإيمان و الكفر تخييريّان، و كذلك الطاعة و المعصية { فمن شاء فليؤمن و من شاء فليكفر } .. { كلا نمد هؤلاء و هؤلاء من عطاء ربك و ما كان عطاء ربك محظورا } 


فاختر لنفسك أيها الإنسان ما يدوم و يبقى، و ما كمل .. و لا تكن من الحمقى ...

{ ربنا آتنا في الدنيا حسنة و في الآخرة حسنة و قنا عذاب النار } 

و إذا أردنا اختصار الحكمة المستوحاة قلنا :

ـ على الدول أن تطلب العلوم جميعا لتكون قوية و رائدة، و عليها في نفس  الوقت أن تستخدم العلوم و القوة في رضى الله من الأعمال الصالحة و الخيرة للبشرية .. و ذلك هو مفهوم الزهد الحقيقي، هو أن تكون عالما و غنيا و قويا ثم تريد الآخرة ووجه الله .. أما هذا الإنفصام المريض بين الدنيا و الآخرة، فترى أهل الدنيا أقوياء غافلين ظالمين، و أهل الآخرة دراويش ضعفاء مستضعفين فهو ليس مطلبا شرعيا و لا عقليا...

بل الأولى أن يكون أهل الآخرة هم أهل العلوم و الغنى و القوة في هذه الدنيا ليسود منهج الله في الأرض و تكون الرحمة و العدل و الخير و الجمال..

" و ذم رجل الدنيا عند علي بن أبي طالب، فقال له رضي الله عنه : الدنيا دار صدق لمن صدقها، و دار نجاة لمن فهم عنها و دار غنى لمن تزود منها .. و قال محمود الورّاق :

لا تتبع الدنيا و أيامها   ذما و إن دارت بك الدائرة

من شرف الدنيا و من فضلها   أن بها تستدرك الآخرة

و اعلم أن صلاح الدنيا معتبر من وجهين :

1 ـ ما ينتظم به أمور جملتها.

2 ـ ما يصلح به حال كل واحد من أهلها.


و اعلم أن ما به تصلح الدنيا حتى تصير أحوالها منتظمة و أمورها ملتئمة ستة أشياء هي قواعدها و إن تفرعت و هي : دين متبع، و سلطان قاهر، و عدل شامل، و أمن ، و خصب ، و أمل فسيح.

(3)

(3) أبو الحسن الماوردي . ص 146



فلسفتي حول مفهوم الحياة الدنيا 

ماذا أقول أنا ؟

أبعد كل هذا ؟


لا شكّ أنها الرؤية الوسطية التي تجعلها مزرعة للآخرة، سواء للأفراد أو الجماعات. فطلب الدنيا واجب شرعا و عقلا، طلب ما فيها من علوم و بحث و معرفة و خير و مال و قوة .. كل ذلك واجب و مباح و لا حرج فيه .. بل به تقوم الكيانات الفردية و الجماعية، و يهاب لك الجانب ..و لا يتحقق الزهد و الورع بالفقر و العجز .. بل بالغنى و القوة و العفة و التخلي بعد التحصيل .. و العفو عند المقدرة .. 

و الدنيا مجموعة من المعادلات المعقدة، و الإبتلاءات المتوالية،  و الأضداد المتعاقبة؛ و الحكيم من يتعامل فيها و معها على أساس مبدأ يتخذه و يسير عليه، فلا تغيره الظروف، و لا يبدل مبادئه و قيمه كما يستبدل ملابسه، فالمبادئ لا تبلى، و القيم لا تستبدل إلا في حالة واحدة، و هي معادلة استبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير، و هو اختيار مذموم .

و الغافل الواهم السطحي هو الذي ينظر إلى الغنى فيها و كأنه امتياز حصل عليه من دون الناس بما له من فطنة و ذكاء و دهاء { قال إنما أوتيته على علم عندي } في حين أن العاقل اللبيب يعلم أو يستدرك أن ما هو فيه من غنى إنما هو ابتلاء { لننظر كيف تعملون } ...

و كذلك الفقر ابتلاء و لكن الفقير الجاهل ينظر إليه على أنه شر محض، و يرى نفسه أنه ذليل و لا قيمة له أمام الأغنياء، و لكنه لا يرى ما في الفقر من فضائل و ابتلاءات و تجارب مفيدة جدا له في الحياة..

فليس الفقر مطلبا يطلب، و لا هدفا يبتغى، و لكن إذا كان قدرا مقدورا لا حيلة معه، فلا يصلح حينئذ إلا سلاح الرضى، و استقراء كنه الحكمة الخالدة، و اليقين بأنه امتحان زائل، و مرحلة عابرة، و دواء عاصم، و تجربة ضرورية، فليعشها بكل ما فيها من قسوة، و لكن بقلب راضي، و عقل حكيم، فالدنيا كلها نعيم زائل، و دوام الحال من المحال، و اختيار العلي القدير خير للمرء من كل طموحاته و إن رآها تتبخر أمام عينيه، و هذا بلسم ما بعد حلول القضاء، و ليس دعوة إلى الكسل و الخمول و عدم السعي ..

فالغنى ابتلاء و تتوقف عليه مطالب و حساب و مسؤوليات، و كذلك الفقر له مطالبه و حساباته، و لكنه أخف حملا ....

و قد يكون الغني ظاهرا أفقر الناس فكرا و ثقافة و علما و أخلاقا و بركة في الوقت و الصحة و العقل .. و قد يكون الفقير أعلم الناس و أحكمهم و أكثرهم ثقافة و اطلاعا و إيمانا و عملا صالحا .. فيبارك له في وقته و صحته و عقله و يذوق طعم و لذة الحياة الطيبة التي غابت عن أغنى الأغنياء ... و سبحان مقسم الأرزاق ...

قد يكون الغني من  أفقر الناس و أشدهم حرمانا، لأنه محروم من حلاوة الإيمان، و لذة الطاعة، و جمالية التفكر في خلق السماوات و الأرض، و عظمة و جلال الحياة في ظلال القرآن و بين آياته و حقائقه المعجزة، و روعة الدعاء، و بهاء الصلاة و الخشوع و الصوم و القيام ... فماذا نفعه ماله سوى أنه أبعده عن باب الكنز الدائم و شغله بلهو زائل  و لعب الصبيان ؟

تالله إنه لحرمان ليس بعده حرمان، و إنه للفقر بعينيه مغلف بصورة الغنى أمام الجهال ...

و هنا لفتة اجتماعية هامة، فإذا كان الغنى ابتلاء للغني، و الفقر ابتلاء للفقير، { و جعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون } فالغني مطالب بالصبر على تحمل أعباء و مسؤولية الإنفاق و مراعاة حق المسكين و الضعيف،  و الصبر على إخماد النفس الإستكبارية التي تصحب الغنى غالبا، و النفس الطاغية التي ترافق ابتلاء الغنى { كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى }  و تجنب الترف الذي فيه هلاك المجتمعات. كما أن الفقير مطالب بالصبر على إخماد نار الحسد الذي ينشأ من عقد المقارنات السطحية، و تغيب عنه الرؤية الشمولية لقضية الإبتلاء الجماعي، و هو مطالب بالصبر على عدم السعي في اتخاذ أي وسيلة و إن كانت غير مشروعة للحاق بقافلة من يحسبهم خير منه ـ جهلا و تقليدا ـ ....

و من سيكلوجية الكفر أن يرى الغني أنه لا واجب عليه تجاه الفقير، و قديما قال أسلافهم { و إذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله قال الذين كفروا للذين آمنوا أنطعم من لو يشاء الله أطعمه } يس ..

فالكافر يرى أن الفقير لا حق له عليه، و يرى أنها مسألة جبرية لا دخل له في تغييرها، و لذلك يلصق فقر الفقير بأنه قدر محتوم، و اختيار لازب، ليس على الغني و لا على المجتمع تغييره أبدا، واليوم اخترعوا فلسفة جديدة ضمنوها علم التنمية البشرية و قالوا للناس أن الفقير فقير لأنه اختار ذلك و أراده، لأنه يفكر كما يفكر الفقراء، و كسبوا الملايين من بيع ذلك الوهم و لم يصر غنيا سواهم!  و الغني الجاهل  يرى هذا بنظرة استعلائية يحسب فيها أنه غني لاستحقاقه، و أفضليته، و قربه من الخالق، و إلا لما كان رزقه ما رزقه، و حرم الفقير ما أعطاه هو .... و هذه هي مأساة البشرية، و مصيبة المجتمعات الرأسمالية المتوحشة .. الجهل بالله و بشريعة الله، و الجهل بالنفس .

و لو علم الغني ما وقع فيه من كفر و جحود لنعمة الله عليه، لأدرك كم هو فقير فكريا و روحيا و اجتماعيا، و لعلم كم هو محروم من النعمة الحقيقية الدائمة، و كم هو مغبون في صفقته الخاسرة ... إذ أن لب مقصد غنى الغني هو أن يشرك معه غيره في زكاة ماله، و يفكر في نمو إخوته و مجتمعه، ليتحقق التكافل و التضامن و النمو الجماعي الذي يحقق سعادة المجتمع ككل، و يستجلب بركات السماء، فالغنى تكليف بمسؤولية و ليس تشريفا أو تسريحا من الواجبات أو مدخلا إلى الترف و الإسراف و النبذير و الإستعلاء ... و الغني قائد في مجال الإنفاق فإن أحسن فهو قائد خير و إن أساء فهو صبي مراهق  طائش...

إن الغني الذي يحسب أنه حر في ماله، يفعل فيه ما يشاء دون حسيب أو رقيب، و ينفقه على نزواته و شهواته و أنانيته، دون مراعاة لحق الضعيف و المسكين لهو إنسان يكذب بالدين لأنه لا يحض على طعام المسكين، و إنه لإنسان رأسمالي ليبرالي روتشايلدي خنزير مهما ادعى أنه مسلم سلفي على الجادة ...

فالإيمان ما وقر في القلب و صدقه العمل، و ليس الإيمان ادعاء باللسان و مخالفة بالأعمال ....

{ و من يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا } 


{ أرأيت الذي يكذّب بالدين فذلك الذي يدعّ اليتيم و لا يحضّ على طعام المسكين } . فالأغنياء الذين لا ينفقون أموالهم في بناء المدارس و المستشفيات و أعمال الخير و البرّ ليسوا على شيء مهما صلوا و صاموا و حجّوا !  و الفقراء الذين أكبر همهم هو أن يصبحوا مثل هؤلاء الأغنياء هم أغبى من الأولين !

 


خلاصة الكتاب في نقاط : 

1ـ الحياة قنطرة و معبرة و ليست دار قرار.

2 ـ الحياة الدنيا تتعارض مع الآخرة حين تكون هي أكبر الهم و مبلغ العلم و العمل.

3 ـ الحياة الدنيا لا تتعارض مع الآخرة حين تكون نعم المطية و المزرعة لها .

4 ـ اختلفت وجهات نظر الناس إلى الدنيا كما إلى سائر الأمور بحسب العقيدة الدينية أو الفلسفية و كلها محض هراء و تفاهة إلا الرؤية الإسلامية الشمولية المتكاملة لأنها من مشكاة الوحي الرباني المحفوظ بحفظ الله ..

5 ـ أعظم حكمة في هذا الخصوص هي " اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا، و اعمل لآخرتك كأنك تموت غدا ".











المراجع : 


ابن رجب الحنبلي لطائف المعارف

ابن القيم الدواء الشافي

صلاح الراشد كيف تخطط لحياتك

ابن الجوزي المقلق

صحيح مسلم

صحيح الترمذي

صحيح الجامع

العفاني علو الهمة

العهد الجديد متى .

المسيح يلوح في الأفق ـ محمد أمين شيخو


ظاهرة ضعف الإيمان ـ محمد صالح المنجد

لا تتجاهل ـ هارون يحيى

رياض الصالحين ـ الإمام النووي

المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم  ـ محمد فؤاد عبد الباقي .

بستان العارفين

ساعات بين الكتب ـ عباس محمود العقاد.

تذكرة السامع و المتكلم في آداب العالم و المتعلم ـ الكناني

العهد الجديد

كولن ولسون اللامنتمي

أنيس منصور الوجودية


 كامل سعفان. موسوعة الأديان القديمة.

نهرو عبد الصبور طنطاوي. موقع الحوار المتمدن مقال البوذية ديانة سماوية.

سعد الدين السيد صالح. العقيدة اليهودية و خطرها على الإنسانية

محمد أبو زهرة . الأديان القديمة

يوسف كرم تاريخ الفلسفة اليونانية

أحمد أمين قصة الفلسفة اليونانية

ابن الجوزي . المواعظ و المجالس.


الماوردي . أدب الدنيا و الدين.

ابن جماعة الكناني . تذكرة السامع و المتكلم في آداب العالم و المتعلم .

الإمام محيي الدين بن شرف النووي. بستان العارفين .


الإمام النووي . رياض الصالحين.

عباس محمود العقاد. ساعات بين الكتب.

أمين شيخو السيد المسيح يلوح بالأفق

حسين العفاني صلاح الأمة في علو الهمة.


















تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.
تم عمل هذا الموقع بواسطة