علاقة المنطق بمناهج البحث
بقلم علي عروسي
" من لا يحس و لا يعرف قيمة المنطق لا يقف على قبري " أرسطو.
مقدمة
مما لا شك فيه أن علم المنطق هو العلم بالقوانين التي تنظم الفكر الإنساني و طريقة التفكير لمنع تلك العملية من الخلل و الخطأ. فإذا أخطأنا في المقدمات أو في التصور و النظر ، أخطأنا في النتائج لا محالة. و العكس صحيح. فكان من الضروري أن نتفق على أسس و قواعد هي من متطلبات العقل الرشيد و الفكر السليم لكي نتخاطب بنفس اللغة و نسير إلى الأمام و تحت الضياء في مجالات العلوم و المعارف . و ما سوى هذا فهو يعتبر سفسطة و جدل فارغ لا يوصل إلى نتيجة صالحة أبدا! ذلك أن الله سبحانه و تعالى فضل الإنسان بالعقل و جعل للعقل طرقا فطرية في التفكير و التوصل إلى معرفة الحقائق. حافظ عليها الكثير من العقلاء في تاريخ البشرية وطوّروها و عاشوا بها ، و اكتشفوا مصداقيتها نظريا، و طمس نورها من انتكست فطرته.
و لم تتقدم علوم البشرية في تاريخ تطورها إلا انطلاقا من المنطق السليم الذي نظم مناهج العلوم و أعطى لكل علم ما يناسبه من منهاج أو مناهج! و لذلك يمكن أن نقول بأنه لا يمكن وجود منطق بلا مناهج بحث، و لا مناهج بحث بلا منطق.
و لقد ذكرت في هذه الورقات بعد المقدمة تعريفا للمنطق، و تعريفا للمناهج ، و تعريفا للبحث لغة و اصطلاحا.
ثم تكلمت قليلا في الفصل الأول عن تاريخ منهج البحث.
و في الفصل الثاني عن الحضارة الإسلامية و مناهج البحث.
و في الفصل الثالث عن المنطق بين التأييد و الرفض، بينت فيه أن المقصود من تحريم العلماء للخوض في مجال المنطق كان هو الجدل و السفسطة و ليس المنطق كعلم بالغ الأهمية.
و ذكرت في الفصل الرابع العلاقة بين المنطق و مناهج البحث. و فيه مبحثان.
المبحث الأول: في منهج ديكارت.
و المبحث الثاني : في مناهج البحث في علم الإجتماع.
ثم الخاتمة.
تعريف المنطق
كلمة المنطق آتية من مادة النطق على صيغة المفعل اسم آلة، فكما المنجل .. و المصفاة... هي أسماء للوسيلة التي يتم بها فعل القطع و التصفية فكذلك المنطق اسم للوسيلة التي يتم بها النطق.
و النطق يختلف عن التلفظ و التكلم في أنه لا يعني كل صوت صادر عن الحلق، إنما يعني ذلك اللفظ المنظم الذي يعبر عن مفهوم، و قد كان الأدب العربي يستخدم المنطق في اللفظ الذي يعبر عن معنى منظم فمثلا حين ألّف ابن السكيت كتابا عن البحوث اللغوية، و سماه بإصلاح المنطق لم يكن يعني بذلك إصلاح اللفظ، بقدر ما كان يعني إصلاح الكلام الذي يعكس المعنى ليكون أفضل تعبير عنه.
و عن طريق التوسع في الكلمة أخذت لفظة المنطق تتسع لمفهوم العقل أو الفهم أو ما أشبه.
فحيث قالت الفلاسفة المسلمون التابعون لنظريات الإغريق حين قالوا، الإنسان حيوان ناطق فإنما عنوا بهذه الكلمة (النطق) المعارف و العلوم، و ليست (خاصة) القدرة على التحدث.
و لذلك عبروا عن العقل ب( النفس الناطقة) لأنها مستكملة في جوهرها عقل بالفعل.
فكان تعبيرهم ب( الإنسان حيوان ناطق) دليلا على أن مرادهم من النطق العقل ، و على أن كلمة المنطق، تعني عندهم أداة العقل أو أداة العلم كما قال ( أرسطو).
فالمنطق هو علم يعصم الذهن عن الخطأ في التفكير.
(لوجي)
وأما كلمة لوجي التي تعبر عن المنطق في اللغات الأروبية.. استخدمت في التعبير عن كل عملية عقلية منتظمة فإذا بالكلمة تدخل في لفظ كل علم من العلوم، فمثلا نقول بيولوجي لعلم الحياة و سوسيولوجي لعلم الإجتماع، و فسيولوجي لعلم وظائف الأعضاء.
تعريف أرسطو:
قال أرسطو عن المنطق بأنه آلة العلم و موضوعه الحقيقي هو العلم نفسه أو صورة العلم. و ابن سينا أحد شراح أرسطو المسلمون لم يتجاوز هذا التعريف حيث قال: " المنطق هو الصناعة النظرية التي تعرفنا من أيّ الصور و المواد يكون الحد الصحيح الذي يسمى بالحقيقة حدا، و القياس الصحيح الذي يسمى برهانا".
و قال الساوي: إنه " قانون صناعي عاصم للذهن عن الزلل، مميز لصواب الرأي عن الخطأ في العقائد بحيث تتوافق العقول السليمة على صحته..".
أما القديس توما الإكويني أحد أبرز أتباع أرسطو من فلاسفة المسيحيين فقد قال عن المنطق " بأنه الفن الذي يقودنا بنظام و سهولة و بدون خطأ في عمليات العقل الإستدلالية". (1)
تعريف المناهج:
جمع منهج أو منهاج و هو لغة الطريق الواضح و منه نهج الطريق بمعنى أبانه و أوضحه و سلكه و منه قوله تعالى: { لكل جعلنا منكم شرعة و منهاجا}[ سورة المائدة: 48].
و أما في الإصطلاح : فقد عرفه بعضهم بأنه:" الطريق المؤدي إلى الكشف عن الحقيقة في العلوم بواسطة طائفة من القواعد العامة التي تهيمن على سير العقل و تحدد عملياته حتى يصل إلى نتيجة معلومة". (2)
كما عرفه البعض الآخر بأنه : " فن التنظيم الصحيح لسلسلة من الأفكار العديدة إما من أجل الكشف عن حقيقة مجهولة لدينا، و من أجل البرهنة على حقيقة لا يعرفها الآخرون".
و من خلال هذا التعريف الأخير نلحظ أن هناك اتجاهين للمناهج من حيث الهدف.
- أحدهما : يكشف عن الحقيقة و يسمى منهج الإختراع.
- و الثاني : يبرهن أو يعدل عن مفاهيم سائدة و يسمى منهج التصنيف. (3)
البحث لغة:
الحفر و التنقيب و منه قوله تعالى: { فبعث الله غرابا يبحث في الأرض} [المائدة: 31] و يأتي بمعنى الإجتهاد و بذل الجهد في موضوع ما و جمع المسائل التي تتصل به و منه سميت سورة براءة بالبحوث، لأنها بحثت عن المنافقين و كشفت ما يدور في قلوبهم.
و أما في الإصطلاح:
فهناك تعريفات كثيرة تدور معظمها حول كونه وسيلة للإستعلام و الإستقصاء المنظم الذي يقوم به الباحث بغرض اكتشاف معلومات جديدة أو تطوير و تصحيح أو تحقيق معلومات موجودة بالفعل، و من بين هذه التعريفات ما يلي:
- البحث: إستقصاء دقيق يهدف إلى اكتشلف حقائق و قواعد عامة يمكن التحقق منها مستقبلا.
- البحث: وسيلة للدراسة يمكن بواسطتها الوصول إلى حل لمشكلة محددة، و ذلك عن طريق التقصي الشامل و الدقيق لجميع الشواهد و الأدلة التي يمكن التحقق منها و التي تتصل بهذه المشكلة المحددة.
- البحث: تقرير واف يقدمه باحث عن عمل تعهده و أتمه، على أن يشمل التقرير كل مراحل الدراسة منذ كانت فكرة حتى صارت نتائج مدونة مرتبة مؤيدة بالحجج و الأسانيد.
و أخيرا نستطيع أن نعرفه بتعريف مختصر يؤدي الفائدة فنقول: بأن البحث عبارة عن إضافة جديدة للعلم تقوم على الدليل و البرهان.
و إذا ما أضفنا المنهج إلى البحث كان المعنى العام للكلمتين مناهج البحث: هو مجموعة منظمة من المبادئ العامة و الطرق الفعلية التي يستعين بها الباحث في حل مشكلات بحثه مستهدفا بذلك الكشف عن جوهر الحقيقة.
و بمفهوم آخر فمنهج البحث:
هو القانون الذي يحكم أية محاولة للدراسة أو التقييم على أسس سليمة.(4)
و من هنا ندرك العلاقة الوثيقة بين المنطق و مناهج البحث.
الفصل الأول: كلمة عن تاريخ منهج البحث:
من الأمور التي أصبحت معروفة في زمننا أن الكثير من العلوم العربية و الإسلامية ترجمت إلى اللغة اللاتينية إبان الحروب الصليبية و قبلها و بعدها ، أضف إلى ذلك ما نقل حرفيا و طبع تحت أسماء علماء غربيين !!
و ( يحاول الكثير من الباحثين أن يرتدوا بتاريخ نشأة علم المناهج إلى روجر بيكون و فرنسيس بيكون و بطرس ريموس و جون استيوارت مل، فهم ينسبون إلى الأول وضع البدايات الأولى ، و إلى الثاني تفصيل المنهج، و إلى الثالث إتمامه والوصول به إلى نهاياته، و هم بهذه المحاولة إنما يخرجون على أصول البحث العلمي النزيه، فليس من نزاهة الباحث و هو يقرر حقيقة من الحقائق أن يأخذ لقطة واحدة من لقطات التاريخ، ثم يبني عليها أبحاثه و نتائجه دون أن يستقرأ التاريخ كله فيما يتعلق بموضوع بحثه و خصوصا و هو يقرر تاريخ علم من العلوم، أو تاريخ فكرة من الأفكار، و إذا كنا نلتمس العذر لمفكري الغرب النصراني في نسبة هذا العلم إليهم لجهل منهم بحقائق الإسلام و مراحل تاريخه، أو لحقد في نفوسهم يمنعهم من قول الحق، فإننا لنعجب أشد العجب من كتاب عرب و مسلمين يأخذون ما يقرره مفكرو الغرب في هذه القضية مأخذ التسليم، دون أن يكلفوا أنفسهم عناء الرجوع إلى كتب التراث الإسلامي، و التي تهدم كل الدعاوى التي تحاول أن ترتد بهذا العلم إلى فلاسفة و علماء الغرب النصراني.
... إن علم مناهج البحث و ليد الحضارة الإسلامية.. و مفكري الإسلام هم الذين خططوا له ووضعوا أسسه و بناءاته الضرورية و لكن حين نعود إلى الحضارات السابقة على الإسلام نجد عند بعضها إشارات عابرة إلى منهج البحث، و بذور غائرة في طيات الأرض لم تثمر ثمارها المرجوة...
- فأما الحضارة المصرية القديمة، فمع تقدمها في العلوم التطبيقية كما تشهد بذلك آثارها في علوم الهندسة و الطب والزراعة، إلا أن علماء هذه الحضارة لم يتركوا لنا قوانين أو نظريات تفسر لنا وسيلتهم و منهجهم في الوصول إلى المعرفة، و لم ينظموا معلوماتهم بالتالي تنظيما منهجيا سليما، و ربما كان لهم شيء من ذلك إلا أنه اندثر مع ما اندثر من آثارهم.
- و أما الحضارة الهندية و الصينية القديمة فقد و جدنا فيها بذورا لمنهج واحد من مناهج البحث العلمي و هو المنهج المنطقي الذي كتب عنه الحكيم الصيني "كونفوشيوس" كما كتبت عنه المدرسة الهندية التي تدعى " سامكيها" و إن كانت هذه الكتابات لم تحدد بصفة أساسية كل خطوط المنهج المنطقي، و إنما وردت كأفكار متناثرة عن الحدود و بعض الإستدلالات المنطقية.
- و أما الحضارة اليونانية فقد مرت بمراحل متعددة منها: مرحلة ما قبل الفلسفة و هي مرحلة لم تتعد القصائد و الأشعار و القصص الدينية المليئة بالخرافات و الأساطير مما يتعذر علينا أن نستخلص من تفكير هؤلاء بذورا للمنهج.
و كذلك قل عن المرحلة التالية و هي مرحلة ظهور الفلسفة المادية الأولى في اليونان و التي سار فلاسفتها على غير أساس من قوانين البحث العلمي.
ثم ظهر ثلاثة من فلاسفة اليونان الذين يعتد بكلامهم، و هم سقراط و أفلاطون و أرسطو، و إليهم يرجع الفضل في وضع بعض خطوط البحث العلمي، حيث صنفوا العلوم و حددوا لكل علم المنهج الملائم لبحثه، و إن كان ذلك بصورة بسيطة.
و الفلسفة اليونانية بصفة عامة قامت على أساس من المنهج العقلي المنطقي الذي حدد أرسطو موضوعاته، و فصل مسائله و أكملها، و أظهر علما متكاملا ، و مع أن أرسطو قد أشار إلى المنهج التجريبي من خلال حديثه عن الإستقراء التام و الناقص إلا أنه لم يهتم بالتجارب الواقعية، و لم يفصل المنهج التجريبي و يحدد خطواته، فالفضل في ذلك إنما يرجع إلى مفكري الإسلام ، كما أن الفكر اليوناني كان يرى أن العلم يبدأ بالكلي لا بالجزئي، بينما بدأ الفكر الإسلامي من الجزئي حتى وصل إلى الكلي، وبذلك حقق النظرة الموضوعية إلى الظواهر الطبيعية.
- أما بالنسبة للحضارة الرومانية، فقد كان الرومان هم ورثة المعرفة اليونانية، و كان إسهامهم يتركز في الممارسة العملية أكثر من متابعتهم للمعرفة ذاتها و لقد كان الرومان صناع قوانين، و مهندسين أكثر منهم فلاسفة و مفكرين و متأملين) ...(5)
الفصل الثاني: الحضارة الإسلامية و مناهج البحث:
لقد كانت هناك عوامل كثيرة ساعدت على ظهور هذا العلم في العالم الإسلامي و منها:
1- القرآن الكريم: فقد تحدث عن مناهج المعرفة البشرية ، و حدد الموضوعات الملائمة لكل منهج، و دفع الناس إلى دراسة الكون، و إلى البحث في الظواهر الحسية ، و إلى إعمال الفكر و العقل.
2- السنة النبوية المطهرة: التي دفعت العلم و حثت الناس على تحصيله.
3- حرية الرأي و البحث العلمي: التي كفلها الإسلام ، فقد تمتع العرب بحرية رأي ليس لها نظير، فلم يكونوا يخشون السلطان أو الحكام، و إنما كتبوا مباحثهم تحت رعاية و تقدير هؤلاء الحكام.
4- استعلاء العلماء المسلمين عن الترف و المال: حتى كان الحسن بن الهيثم يقول: " يكفيني قوت يوم".
5- الإستعداد الذهني و الصبر و الجلد على العمل و المناخ العلمي المناسب.
6- تعلم العلم للعمل و النظر إليه كهدف و غاية في حد ذاته دون قصد إلى أي هدف آخر من جاه أو سلطان أو رياسة: حتى قال الإمام الغزالي: العلماء يتعلمون القرآن للعمل لا للرياسة.
و يقول بشر بن الحارث: من طلب الرياسة بالعلم فإنه ممقوت في السماء و الأرض.
و بدافع من هذه العوامل وقف علماء الإسلام أمام منطق أرسطو وقفة ناقدة كشفت عن كثير من عوراته، و بناء عليه وضعوا منطقهم الخاص أو منهج البحث الملائم لحضارتهم الجديدة و هو المنهج التجريبي الواقعي، و يعد الكندي فيلسوف العرب الأول هو أول من وضع لبنة في بناء علم مناهج البحث في العالم الإسلامي حيث أشار إلى أن لكل علم موضوعا خاصا به، و منهج بحث يلائم هذا الموضوع، و نبه على عدم الخلط بين مناهج البحث في العلوم حتى لا يقع في الخطأ. (6)
ثم جاء من بعده الفارابي فوضع تصنيفه للعلوم من خلال كتابه " إحصاء العلوم" الذي يقول فيه:" قصدنا أن نخص العلوم المشهورة علما علما، و نعرف جل ما يشتمل عليها كل واحد منها ، و أجزاء مما له منها أجزاء، و جل ما في كل واحد من أجزائه".(6)
و بناء على ذلك وضع علماء الإسلام لكل علم منهجه الخاص به.
- فعلماء الحديث وضعوا منهج البحث في علم الحديث، و هو منهج علمي غاية في الدقة و العبقرية حيث قسموا الأحاديث إلى درجات و مراتب على حسب قوتها و ضعفها، و حددوا صفات من تقبل روايته ، و من ترفض روايته، و درجات الرواة، و اعتمدوا المنهج العلمي في نقد مصدر الرواية، و اعتمدوا منهج الشك في التجريح و التعديل، مما يجعلنا نقرر مطمئنين أن كل ما كتبه فلاسفة الغرب و علماؤه في منهج البحث التاريخي و دراسة الوثائق لا يعدوا أن يكون قبسا مما كتبه علماء مصطلح الحديث في العالم الإسلامي.
- و علماء الكلام وضعوا منهجا خاصا يقوم على أدلة و براهين نابعة من القرآن الكريم.
- و علماء الإجتماع وضعوا لعلمهم منهجا خاصا يقوم على الإستقراء الواقعي والإحصاء للأمم و لظروف نهضتها و اندثارها، و ظهر منهم علماء ينتقلون في البلدان منفذين قول الله تعالى: { قل سيروا في الأرض فانظروا} يزورون بلدانا و شعوبا يجمعون عاداتها و تقاليدها، و منهم البيروني و المسعودي و ابن بطوطة و ابن فضلان الذي أوفده الخليفة المعتصم إلى روسيا فكتب كتابا عن ( البلغار)، و ذكر أحوالهم و عقائدهم و تقاليدهم ، ثم ظهر ابن خلدون الذي وضع منهج البحث في علم الإجتماع، و هو المنهج التجريبي الواقعي على خلاف طريقة فلاسفة اليونان الذين كانت أبحاثهم الإجتماعية تدور حول المدينة الفاضلة المثالية بعيدا عن الواقع، و اعتمادا على التأمل و التصور البعيد عن الإستقراء العلمي التجريبي.
- كذلك و ضع الأدباء مناهج البحث الأدبي الخاص بهم و نذكر على سبيل المثال لا الحصر المنهج الرائع الذي وضعه الجاحظ في التأليف الأدبي حيث ينصح من ينشد المنهج السليم في الكتابة : " بأن يكون رقيق حواش اللسان، عذب ينابيع البيان، إذا حاور سدد سهم الصواب إلى غرض المعنى، و لا يكلم العامة بكلام الخاصة، و لا الخاصة بكلام العامة".
و كان الجاحظ يدفع الباحثين دائما إلى بذل الجهود و الإبتكار و التجديد حتى كان يقول: " إذا سمعت الرجل يقول ما ترك الأول للآخر شيئا، فاعلم أنه ما يريد أن يفلح" و قد ألف الجاحظ ما يقرب من ثلاثمائة و ستين كتابا و بحثا، و منه كتاب الحيوان الذي اعتمد فيه على المنهج الحسي و الإستقرائي الواقعي و الذي حدد بناء عليه صفات و خصائص الحيوانات، فقد كان يسقي الخمر للحيوانات لكي يرصد النتائج ، و يجري تجارب على ذكر النعام؛ ليعرف كيف يبتلع الجمر و الحجارة المحماة و الحديد و الزجاج، كما كان يقوم بالتجارب على الإنسان و الحيوان و النبات؛ بل و يدفع الناس أن يجربوا بأنفسهم.
و من علماء المسلمين من وضع أصول التأليف، و عمل البحوث، و حدد الهدف منها؛ لكي تكون نبراسا للباحثين، و نذكر منهم حاجي خليفة الذي يقول:
" إن التأليف على سبعة أقسام لا يؤلف عالم عاقل إلا فيها و هي:
* إما لشيء لم يسبق إليه... فيخترعه.
* أو شيء ناقص يتممه.
* أو شيء مغلق يشرحه.
* أو شيء طويل يختصره دون أن يخل بمعانيه.
* أو شيء متفرق يجمعه.
* أو شيء مختلط يرتبه.
* أو شيء أخطأ فيه مصنف فيصلحه".
و قد اشترط في التأليف إتمام الغرض الذي وضع الكتاب لأجله من غير زيادة و لا نقص، و هجر اللفظ الغريب و أنواع المجاز، بالإضافة إلى حسن الترتيب ووجازة اللفظ، ووضوح الدلالة...
و أخيرا فقد قام العلماء التجريبيون المسلمون بالتعاون مع علماء أصول الفقه بوضع المنهج العلمي التجريبي، و تحديد كل خطواته و مراحله و شروطه، و يكفينا في هذا أن نشير إلى كتاب القانون في الطب لابن سينا، فقد فعل فيه كل خطوات المنهج التجريبي...
بل إن علماء المسلمين لم يكتفوا بوضع أسس هذا المنهج التجريبي فقط، و إنما تعدوا مرحلة التنظير و التقعيد إلى مرحلة التطبيق، فأجروا التجارب، ووصلوا إلى كثير من المبتكرات في علوم الطب و الطبيعة والكيمياء و الفلك و الصيدلة و غيرها.
فالرازي على سبيل المثال هو أول من ابتكر خيوط الجراحة من أمعاء، و أول من استخدم المراهم في علاج الأمراض، و أول من شرح مرض الجدري و ميزه عن الحصبة، و له في ذلك كتاب "الحاوي "الذي يقع في عشر مجلدات ، و قد ترجم إلى اللاتينية، و قد أصبح المنهج المعتمد للتدريس في جامعات أوربا حتى القرن السابع عشر.
و كذلك ابن سينا الذي كان طبيبا بارعا، و اكتشف كثيرا من الأمراض و أساليب العلاج و دون ذلك في كتابه القيم " القانون" و قد ترجم أيضا إلى اللاتينية، و ظل يدرس في جامعات أوربا لفترة طويلة.
و أضف إلى ذلك مبتكرات ابن النفيس مكتشف الدورة الدموية ، و الخوارزمي في مجال الرياضة ، و الحسن بن الهيثم، و جابر بن حيان في الكيمياء، و علم الضوء و غيرهم من العلماء و الباحثين الذين وضعوا أسس النظريات العلمية التي قامت عليها الحضارة الأوربية. (6)
الفصل الثالث: كلمة عن المنطق بين مؤيديه و رافضيه!
المنطق علم يجمع الأصول والقواعد التي يستعان بها على تصحيح النظر و التمييز، و حكم الإسلام فيه – بهذه المثابة- واضح لا يجوز فيه الخلاف، لأن القرآن الكريم صريح في مطالبة الإنسان بالنظر و التمييز و محاسبته على عقله و ضلال تفكيره..
بيد أننا نحتاج إلى التفرقة بين شيئين مختلفين في هذا الموضوع قبل أن نعرض لفتاوى الفقهاء فيه بتحريم أو تحليل، و هما المنطق و الجدل أو الخطاب الإقناعي ، فإنهما ليختلفان و يتباعدان حتى ينتهي الإختلاف و التباعد بهما إلى الطرفين النقيضين..
فالمنطق بحث عن الحقيقة من طريق النظر المستقيم و التمييز الصحيح. و الجدل بحث عن الغلبة والإلزام بالحجة، قد يرمي إلى الكسب و الدفاع عن مصلحة مطلوبة، و قد يتحرى مجرد المسابقة للفوز على الخصم و إفحامه في مجال المناقضة و اللجاج..
و قد ظهر المنطق و الجدل بين اليونان الأقدمين فأكبروا المنطق و نظروا إلى الجدل نظر اشتباه و إنكار، و هو الذي سموه بعد بالسفسطة ، أو ترفقوا فسموه علم البراهين الخطابية Rhetoric و حسبوه صناعة لازمة في معرض الإقناع و التأثير..
و كان اسم السفسطة في نشأته الأولى معظما مبجلا بين الحكماء و تلاميذهم و جمهرة المعنيين بالحكمة و المعرفة، و كان اسم" السوفيست" أعظم شأنا من اسم الفيلسوف..لأن السوفيست ينتمي إلى ربة الحكمة " صوفية" فهو الحكيم الذي ألهمته تلك الربة و فرغ من مؤونة المعرفة. فلما ظهر الحكيم " فيتاغوراس" استكبر هذه الدعوى و تواضع فسمى نفسه فيلسوفا أي محبا للحكمة يطلبها و لا يزعم أنه وصل إليها، ثم نجم بعد قرن من عصر فيتاغوراس ناجم من فتنة الحذلقة باسم الحكمة يقودها بروتاغوراس الأبديري فراح يتحدى من ينكر عليه العلم أن يسأله فيما يشاء، و هو كفيل بالإجابة عليه بلا وقاء، و عدل عن اسم الفيلسوف الذي يقنع بمحبة الحكمة إلى اسم " السوفيست" مرة أخرى لزعمه أنه ملك الحكمة و استوفاها. و غلبت كلمة السفسطة من هنا على كل من يدعي هذه الدعوى و يتحذلق هذه الحذلقة. و كثرالإشتغال بالبرهان في المنازعات القضائية، و المناقشات السياسية، فانفصلت الصناعتان باتفاق المعلمين و المتعلمين، و صرّح أصحاب كل صناعة بما يريدونه من عملهم و تعليمهم، و أصبح من المفهوم المتفاهم عليه أن المنطق بحث عن الحقيقة ، و أن الجدل بحث عن المصلحة أو الرغبة المتنازع عليها.. ...
فلا شبهة في سوء الأثر الذي أصيبت به الأمة الإسلامية من آفة الجدل باسم المنطق المزيف، فإنها أشبه بالنقمة التي يصبها العدو على عدوه أو بالمكيدة التي يدسها عليه ليشغله بالشقاق و الشتات عن مهام دنياه و دينه، و هذه المحنة هي التي أرادها من أرادها بالحظر و التحريم من علماء المسلمين. فمنعوا الإشتغال بالجدل سدا للذرائع و اتقاء للفرقة التي تبلبل الأذهان و تفسد القلوب و تجر إلى هذه المشكلات أهل الفضول و البطالة فيوبقون معهم طوائف الأبرياء من أهل الجد و الإستقامة الذين لا طاقة لهم بالمنطق و لا بالجدل...
و كان دخول مصطلحات اليونان على أيدي أناس يجهلون العربية و يعجزون عن فهم ألفاظ القرآن و معانيه بابا آخر من أبواب الخلط و الغلط في تطبيق البرهان..
فمن كان من أصحاب المنطق أهلا لفهمه و معرفة وجوهه لم يكن أهلا لتطبيقها على معاني القرآن و عباراته لجهله بذوق اللغة و أسرار بلاغتها، و من كان يعرف اللغة لم يكن من ذوي المعرفة بالبرهان و القياس، و شر من هؤلاء من يجهلون اللغة كما يجهلون المنطق ثم يهرفون بما لا يعرفون في شؤون ترتبط بها سلامة المجتمع و طمأنينة الخواطر، و شر من هؤلاء أجمعين من يعرفون اللغة و المنطق و يسيئون النية عمدا لإزعاج الخواطر المطمئنة و تقويض المجتمع السليم..
و كل ما ورد عن علماء الإسلام الذين حرموا الجدل فإنما ينصرف إلى منع هذه اللجاجة التي لمسوا شرورها و تحققوا من جريرتها و لم يلمسوا معها منفعة تتحقق بالجدل و لا تتحقق بغيره. فما يغير قوما من الأقوام خطب أفدح عليهم من اشتغالهم بالجدل و تركهم العمل كما قال الإمام الأوزاعي...
و على كثرة الفقهاء الذين عرضوا لهذا الموضوع لا تجد واحدا منهم قصد بالمنع أو التحريم شيئا غير هذا الجدل العقيم الذي يمزق وحدة الجماعة و يصرف العقل عن الفهم و يأتي إلى المعنى الواضح فيغمضه و لا يتفق له يوما أن يأتي إلى الغامض فيجلوه و يقربه لمن خفي عليه...
و أكبر الفقهاء الذين أفاضوا في هذه المسألة ثلاثة من الأئمة المجتهدين هم: الغزالي، و ابن تيمية، و جلال الدين السيوطي، و آخرهم جلال الدين يتابع الإمامين السابقين و يقتدي بهما في علوم الرياضة و الفلسفة، و يقول عن نفسه إنه ليس من أهل هذه العلوم كما قال في كتابه حسن المحاضرة: " .. و أما علم الحساب فهو أعسر شيء عليّ و أبعد عن ذهني و إذا نظرت في مسألة تتعلق به فكأنما جبلا أحمله.."
و إذا أحيل البحث إلى الإمامين الغزالي، و ابن تيمية ، فنحن بين يدي حجتين من حجج المنطق لا يسبقهما فيه سابق من المتقدمين أو المتأخرين، و مناقشتهما للمنطق مناقشة تصحيح و تنقيح و ليست مناقشة هدم للأسس التي يقوم عليها أو تفنيد للأصول التي يرجع إليها فهما يريدان إثبات الخطأ على من يسيئون تطبيق القياس و البرهان و لا يريدان محو القياس و البرهان في علم من علوم الدين أو الدنيا التي جاءت من اليونان أو نشأت بين المسلمين...
فالغزالي في مفتتح الجزء الأول من كتابه المستصفى يذكر من شروط العالم المجتهد غير المقلد أن يحيط بعلم النظر، و يحسن إيراد البرهان و إجراء القياس، و كان ينعى على العلماء أنهم لا يشتغلون بتحصيل هذا العلم. فقال من كلامه على أحاصيل الفلسفة في كتابه " المنقذ من الضلال" : " إني ابتدأت بعد الفراغ من علم الكلام بعلم الفلسفة و علمت يقينا أنه لا يقف على فساد نوع من العلوم من لا يقف على منتهى ذلك العلم حتى يساوي أعلمهم في أصل العلم ثم يزيد عليه و يجاوز درجته فيطلعه على ما لم يطلع عليه صاحب العلم من غور و غائلة، فإذ ذاك يمكن أن يكون ما يدعيه من فساد حقا. و لم أر أحدا من علماء الإسلام صرف همته و عنايته إلى ذلك، و لم يكن في كتب المتكلمين من كلامهم حيث اشتغلوا بالرد عليهم إلا كلمات معقدة مبددة ظاهرة التناقض و الفساد لا يظن الإغترار بها بغافل عامي فضلا عمن يدعي حقائق العلوم. فعلمت أن رد المذهب قبل فهمه و الإطلاع على كنهه رمي في عماية. فشمرت على ساق الجد في تحصيل ذلك العلم بمجرد المطالعة من غير استعانة بأستاذ و معلم و أقبلت على ذلك في أوقات فراغي من التدريس".
و بعد دراسة المنطق رأى الغزالي أن خطأ المناطقة إنما يعتريه من ناحية التطبيق، و لا عيب في أصول النظر على استقامة فهمها و صدق الرغبة في المعرفة الصحيحة و من ذلك قوله في كتاب " مقاصد الفلسفة" : ( أما المنطقيات فأكثرها على منهج الصواب، و الخطأ نادر فيها و إنما يخالفون أهل الحق فيها بالإصطلاحات و الإيرادات دون المعاني و المقاصد".
و من كلامه في كتاب " محك النظر" : ( إنك إن التمست شرط القياس الصحيح و الحد الصحيح و التنبيه على منارات الغلط فيها وفقت للجمع بين الأمرين فإنها رباط العلوم كلها)..
و يقول في ختام كتابه " الميزان" : ( لو لم يكن في مجاري هذه الكلمات إلا ما يشكك في اعتقادك الموروث لتنتدب للقلب و ناهيك به نفعا إذ الشكوك هي الموصلة للحق فمن لم يشك لم ينظر و من لم ينظر لم يبصر و من لم يبصر بقي في العمى و الضلال نعوذ بالله من ذلك)..و بهذا يكون الغزالي قد سبق ديكارت بمئات السنين في هذه الفلسفة.
فالعقل عند الإمام الغزالي هو العقل في شرعة الإسلام، كلاهما عقل يبتغي الحقيقة حيث كانت و لا يحجم عن المعرفة حيث أصابها و لا يقيم فوقه أو بين يديه بابا مغلقا دون قبس من النور يريه ما لم يكن رآه أو يزيده بصيرة بما رآه...
و موقف الإمام ابن تيمية من المنطق و الجدل شبيه بموقف الإمام الغزالي، و لكنه يرى أن المنطق سليقة في العقل الإنساني يستغني عنه الذكي و لا ينتفع به البليد إذا جاء على غير سليقة و استعداد. و من كان هذا رأيه في المنطق فمحال أن يقال عنه إنه يلغيه و يحرمه لأنه لا يلغي الفطرة و لا يحرم تركيبا أودعه الله نفوس خلقه. و من نظر في كتب ابن تيمية التي ناقض بها أدعياء المنطق و عشاق الجدل علم أنه كان بصدد انشاء منطق صحيح و هداية إلى تطبيق أصول المنطق القويم، و لم يكن متصديا لهدم المنطق من أساسه على جميع وجوهه و في جميع تطبيقاته. فهو يستخدم قضايا المنطق ليبطل دعوى المناطقة الذين يضعون الحدود في غير مواضعها و يقيسون الأشباه و النقائض بغير قياسها و يهدرون الحقائق في سبيل المصطلحات و الألفاظ بغير دراية لمعناها. ... و غاية ما يقوله المنصف في التحريم عنده مقصود به اللغو و الجدل و الولع بالسفسطة على غير جدوى، و أنه تحكيم للعقل في المنطق إنقاذا له من تحكيم المنطق فيه، و لا يكون المنطق متحكما في العقل صارفا له عن النظر القويم إلا إذا غلبت فيه أشكال اللفظ و الصيغة على حقائق المعنى و جواهره. فهو بهذه المثابة ربقة للعقول ينبغي للمفكرين أن يطلقوها من شباكها ليستقيموا بها على سوائها..(9)
الفصل الرابع: العلاقة بين المنطق و مناهج البحث.
(لم يكن همّ المفكرين في أوروبا إلى القرن السادس عشر، سوى إعادة تركيب المنطق الأرسطي و إعادة هضمه و التدبر فيه.
و كانت المعرفة محصورة لديهم بما تمليه عليهم السلطات الدينية و الزمنية، التي أحكمت قبضتها على الجماهير و كان أعلم الناس عندهم أفهمهم لأفكار السابقين و أكثرهم حفظا لنصوصها.
و كانت همة العلماء مشدودة بخدمة التقاليد السائدة والأوضاع السياسية القائمة.
و كانت الكنيسة، ترمي كل فكرة تحررية بالإلحاد و بالمشابهة مع المسلمين الذين كانوا يشكلون حسب زعم الدهماء أخطر عدو للغرب.
و لكن منذ القرن السادس عشر أخذ الوضع يتطور و تلاحقت التطورات الفكرية و السياسية في القرن السابع عشر، ثم الثامن عشر، حتى انفجرت في الحضارة الغربية الحديثة التي بالرغم من فراغها الروحي الكبير فإنها ذات إطار مادي ضخم) (8).
و كان من أبرز دعاة التطور في أوروبا فرنسيس بيكون 1560- 1625م الذي ثار على الأوضاع القديمة في الثقافة بعنف و رمى السابقين بالجهل و نسب جهلهم إلى عاملين:
1- أن مناهجهم لم تك توصلهم إلى نتائج عملية- أو بالأحرى لم يكونوا يهدفون من وراء مناهجهم الوصول إلى نتائج عملية).
2- أن المنطق الذي كانوا يعتمدون عليه، و يستقون منه أفكارهم كان المنطق الصوري الذي لا يفيد علما جديدا، إنما ترسيخا للمعلومات السابقة و إلزاما للخصم بها ، بل العلم الجديد، ينشأ من القياس و التعقل، و استخراج الكليات من الجزئيات ، بعد الإستقراء فيها، و تنويعها، و التعقل فيها، و بدون ذلك يظل الإستدلال عقيما، و بدون أساس ثابت.
و بعد أن بيّن فرنسيس بيكون عقم الفلسفة القديمة شرع في بناء المنهج الصحيح للإستقراء و لكنه قال أنه لا يمكن الوصول إليه بدون معرفة أسباب الخطأ و التخلي عنها .. و ذكر أربعة أصنام اعتبرها أسباب الخطأ...(8 )
الصنم الأول : أوهام القبيلة
و يقصد به الطبع البشري الميال إلى التعميم دون الإلتفات إلى الحالات المعارضة، و يقصد به الالتصاق بما تمليه القبيلة من وجهات نظر و تصدره من أحكام و تتمسك به من أعراف و تقاليد و الإنصهار في طريقة تفكير العقل الجمعي الكلي للقبيلة.
الصنم الثاني : أوهام الكهف
و يقصد به الشعور العميق بالفردانية و التفرد بمثابة الكهف الأفلاطوني الذي ننظر منه إلى العالم و أن من الناس من يميل إلى الانتباه إلى ما بين الأشياء من تباين بينما الآخرون هم أكثر ميلا إلى البحث عن أوجه الشبه و المماثلة.
الصنم الثالث : أوهام السوق
الناشئة من الألفاظ و التصورات العامية و السطحية و توضع ألفاظ لأشياء افتراضية غير موجودة أصلا أو لأشياء غامضة و متناقضة و عائمة غير محددة المعاني و المضامين.
الصنم الرابع : أوهام المسرح
و هي أوهام تأتي مما تتخذه النظريات و الفرضيات و الثقافات و الأعراف المتوارثة من مقام و نفوذ و ما تفرضه مقتضيات السلطة .
و ذهب ديكارت إلى مساواة الناس في العقل و اختلافهم في مدى استثماره و السير به في الطريق الصحيح و لذلك فأفضل خدمة تسدى إلى العلم هي وضع منهج صحيح له و دعوة الناس إليه. فما هو هذا المنهج ؟
أولا- إذا كان مقدار العقل واحدا عند الناس جميعا، فلا بد أن يكون الذي يتبعه العقل، و يسير فيه أيضا واحدا. و بالتالي يجب ألا يكون هناك أي فرق بين العلوم المختلفة المنهج، فأي منهج موحد يجب أن تسير فيه العلوم جميعا ؟ إنه منهج الرياضيات التي تبحث عن الكم، لأنه منهج محدد وواضح. فلذلك يجب بحث جميع العلوم حتى الطبيعيات في ضوء هذا المنهج. و هكذا أدخل ديكارت القياسات الكمية في العلوم الطبيعية و نحن اليوم نعرف ببساطة كيف نحوّل المرض و القوة و الحرارة و ما أشبه ذلك إلى أمور مقاسة بالكم ( درجة الحرارة) ولكنه في ذلك اليوم كان أمرا جديدا بالمرة.
و شرح ديكارت طبيعة منهج الرياضيات وحاول سحبها إلى كل حقول العلم....
المبحث الأول: منهج ديكارت:
يبين ديكارت منهجه المتدرج إلى تحصيل العلم فيضعه في أربع قواعد رئيسية.
أ- الإستقلال الفكري " يجب ألا أعتقد إلا بما يكون لدي واضحا لا ريب فيه".
هذا مفاد القاعدة الأولى عند ديكارت و التي يجزؤها إلى أربعة بنود:
1- بما أن العلم حضور لأشياء عند النفس، فإن معرفة الإنسان بالأشياء تتم بصورة مباشرة مثل رؤية العين للأشياء فليس العلم قائما بصور عن الأشياء في الذهن كما كان يتصور القدماء بل العلم إنما هو إحاطة كشف و شهود.
فكلما كان واضحا عند النفس وضوحا شديدا كان معلوما، حتى و لو لم يكن واضحا عند القدماء.
إذا البند الأول هو رفض أفكار السابقين إذا خالفت العلم.
2- يجب ألا أتسرع في الحكم بشيء.
3- كما أن أفكار القدماء تأسر قلب المتعلم حتى يكاد لا يبصر الحقائق كذلك أهواء النفس قد تأسر القلب و لا تدعه يكتشف الحقائق. لذلك يجب التخلص من الأهواء الداخلية.
4- و أخيرا أجعل وجداني حكما على الأشياء بحيث لا أقبل أي شيء إلا إذا كان واضحا ماثلا أمام وجداني تماما.
ب ـ التحليل:
بما أن علم الإنسان أوضح بالبسائط منه بالمركبات فلا بد أن نلتزم بالقاعدة التالية و هي تحليل الحقيقة إلى أكبر قدر ممكن من البسائط.
و تأتي أهمية التحليل من الغموض الذي يكتشف عادة المسألة المركبة، بسبب وضوح جزء منه- و عدم وضوح جزء آخر بحيث يظل الفكر مترددا بينهما و التحليل ينقذه من هذا التردد و يضع لكل جزء من المسألة ما يناسبه. دون اختلاطه بالجزء الآخر.
ج ـ التدرج:
و لكن مشكلة التحليل أنه يعقد علينا ارتباط أي جزء بآخر، و هنا لا بد أن نطبق القاعدة الثالثة عند ديكارت لحل هذه المشكلة، فما هي القاعدة الثالثة، إنها تركيب الفكر و التدرج في البحث عن الواقع الأبسط فالأبسط.
د ـ الإستقراء:
و هنا نستقصي عن كل ما يكشف أي جزء من المسألة حتى نشبعه بحثا و تنقيبا فلا نتحول إلى الجزء الثاني إلا بعد أن ننتهي من الجزء الأول في البحث.
المهم في منهج ديكارت أنه اختار الطريقة الرياضية و خصوصا طريقة الجبر لمعرفة جميع العلوم و كان ذلك تسهيلا جديدا سبب اكتشافات علمية هائلة....
و لقد تنبه المتأخرون إلى مدى فرق العلوم عن بعضها. فوضعوا لكل واحد منها منهجا بعد الإشارة إلى المنهج العام الذي يشمل جميع العلوم.
و في القرن العشرين توضحت اتجاهات المنطق المختلفة.. و أخذ العلم الحديث يستثمر كل هذه الإتجاهات في تطوير البحوث و تعميقها ...
و يمكن أن نعتبر القرن التاسع عشر عصر الآيديولوجيات و كذلك عصر المنطق و المناهج، إذ يرتبط المنطق بالآيديولوجيا ارتباط الأم بابنتها! و قد اتخذ المنطق الحديث ملامحه النهائية، في نهايات هذا القرن، و بداية القرن العشرين.
و أبرز ملامح المنطق الحديث هو:
1) تنوع المنطق و مناهج البحث حسب اختلاف و تنوع العلوم، فهناك منطق قياسي يعتمد عليه علم الرياضيات، و هناك منطق استقرائي تجريبي، يعتمد عليه علماء الطبيعة، و أخيرا هناك منطق اجتماعي تعتمد عليه علوم الإنسان.
و في كل فصيلة من العلم ، تختلف المناهج، فمثلا منهج للطب و التشريح، و منهج للجيولوجيين، و علم طبقات الأرض، و منهج لعلوم الفضاء و.و..
و بالرغم من فوائد عديدة اكتسبها العلم من اختصاص المناهج، إذ منحه الإختصاص مزيدا من الدقة و التركيز.
بالرغم من ذلك، فإن الإفراط في تجزئة المنطق، و مناهج البحث، أفقدها المرونة و العمق الضرورين لفهم الحياة و للبحث الإبداعي فيها.
يقول ألكسيس كارلايل في كتابه الشهير " الإنسان ذلك المجهول" : (من المستحيل أن يفهم العالم الأخصائي الإنسان ككل، طالما كان غارقا إلى أذنيه في دراساته الخاصة، تلك الدراسات التي تصرفه عما عداها، في حين أن دراسة الإنسان، و قد بيّن أهميتها لا يمكن أن يتم و الحالة كما هي الآن).(9)
2) المنطق الحديث نسبي في اتجاهه العام، لا نسبية فلسفية تشك في إمكانية العلم بالأشياء، إنما نسبية علمية لا تؤمن إلا بقدر ما توصل إليه العلم بوجه خاص، و هذه النسبية تنعكس على المنطق، إذ المنطق لا يعدو أن يكون بحث في البحث، أو دراسة لطرق العلم، و إذا كان العلم يتطور من يوم لآخر، فإن طرق دراسته هي الأخرى تتطور من يوم لآخر.
لذلك فإن المنطق الحديث، لا يبقى منفصلا عن العلم الحديث، بل ممتزجا معه مرتبطا به.
من هنا كان من أولويات الأسلوب العلمي الحديث للكتابة أن يذكر المؤلف منهجه في البحث في المقدمة، إذ أنه سيكون منهجا فريدا أو خاصا بالكتابة عن الموضوع ذاته!
3) المنطق الحديث نشأ و نما في جو مادي، و لذلك فهو يكفر منذ البداية بالأفكار ما وراء المادية، و لا يضع منهجا لمعرفة تلك الحقائق، و لا يعترف بذلك المنهج الذي يوصل المرء إلى معرفتها، و حتى إثبات قيمة للمثل العليا، أو قيمة للحدس الناشئ من التجربة، يخضع حسب المنطق الحديث للطرق المادية.
إن المنطق الحديث، تبعا لكل الأفكار الحديثة و المتشبعة بالروح المادية، لا يضع منهجا لمعرفة التفسير الفلسفي لمبدأ الوجود و غايته، و مبدأ الإنسان و مصيره، و لذلك فهو لا يستطيع الوفاء بكل حاجات البشر، إذ إن الحياة الروحية، تشكل الجزء الأهم من حياة الإنسان، و لا يمكن أن توجه الروح، إن لم يوضع لها منهج واضح، لمعرفة مبدأ الكون و غايته و مبدأ الإنسان و مصيره. ذلك أن هذه المعرفة هي التي تعطي الإنسان نظرة موضوعية شاملة إلى نفسه، و إلى الحياة من حوله، و بسبب غياب هذه النظرة ، يتخبط الإنسان في تقييم ذاته، و تقييم الوجود من حوله، حتى لا يميز بين الصالح و الضار، و الخير و الشر و يجهل أو يتجاهل مآلات الأمور و الوجود.
فالذي يريد أن يعرف حقائق الكون جميعا، عن طريق التجربة العلمية، حسب المصطلح الحديث لهذه الكلمة، لا يمكن أن يعرف الجواب على السؤال التالي : ما هو الخير و ما هو الشر؟ و لماذا وجدا ؟ و من الذي أوجد كل شيء ؟ و لماذا ؟ و كيف ينبغي أن أتصرف في الحياة ؟ وفق أية آيديولوجيا ؟ و كيف يتأثر سلوكي بالدعاية المضللة؟ ثم كيف أبصربنفسي الحقائق، دون أن أقع في شرك الدعاية؟ و هل عليّ أن أؤمن بالله سبحانه؟ أم كيف أستطيع أن أعرف ما إذا كانت هنالك حياة آخرة أم لا ؟ و ماذا بعد الموت ؟
إن هذه الأسئلة، لا يمكن أن يجيب عليها المنطق المادي، الذي يحصر ذاته في إطار ما يمكن أن يرى تحت المجهر...
ليس سواء البحث في علم النفس، و علم الطبيعة ! و ليس سواء المناهج المتبعة في علم الدين، و الفقه و علم الجيولوجيا، و الخطأ في اختيار منهج البحث يكمن في : هو التسوية بين كل الموضوعات، و تعميم منهج البحث الديكرتي أو البيكوني على سائر العلوم ، و استخدام وسائل بعيدة عن طبيعة كل موضوع، ذلك لأن الوسيلة غير المناسبة ستؤدي بالطبع إلى نتيجة غير صحيحة، و لقد تنبه العلماء حديثا إلى الفرق بين الموضوعات في مناهج البحث، فأخذوا يضعون لكل علم، منهجا يخصه و يتناسب معه، و نجحوا بذلك، في تجنب أخطاء كبيرة، و لكن لا يزال فريق منهم يحاول اليوم أن يعرف بعض الموضوعات، بما هو بعيد عنها من المناهج فمثلا يحاول إخضاع علم النفس، لمنهج علم الطبيعة، و إخضاع علم الدين لمنهج علم الكيمياء، و ينكر من الدين ما لا توصل إليه البحوث التجريبية و ما يرى تحت المجهر، علما بأن التجربة وسيلة واحدة و ليست وحيدة للبحث. فهناك البرهان و الكشف الإيماني...
و قد يكون الخطأ في اختيار المنهج، ناتجا عن الخطأ في اختيار عينة التجربة في الطبيعيات. أو وسيلة الإختيار في الفيزياء أو مرجع البحث في الإجتماعيات و التاريخ. و ما هو خطأ جزئي في المنهج يؤدي إلى الخطأ في النتائج . و لم يتقدم العلم الحديث خصوصا في بعض الجوانب الجديدة للعلم مثل العلوم الإنسانية – إلا بعد أن وجد الباحثون، طرائق جديدة للبحث عنها. (9)
المبحث الثاني: مناهج البحث في علم الإجتماع:
هناك مناهج للبحث يستخدمها علماء الإجتماع، و يتوقف استخدامها على الباحث، و طبيعة البحث، و الإمكانات المتوفرة، و درجة الدقة المطلوبة، و أغراض البحث، و لعل أكثر الطرق المنهجية شيوعا في الدراسات الإجتماعية، المنهج التاريخي المقارن، و التجريبي، و المنهج الوصفي و غيرها، مما قد تقتصر فيه النتائج على الوصف، أو تتعدى ذلك إلى التحليل و التفسير و قد لا يكتفي الباحث بأحد هذه المناهج، بل يتعدى إلى المزج بينها. و فيما يلي نبذة عن هذه النماذج:
1- المنهج التاريخي: يستخدم علماء الإجتماع المنهج التاريخي، عند دراستهم للتغير الذي يطرأ على شبكة العلاقات الإجتماعية، و تطور النظم الإجتماعية، و التحول في المفاهيم و القيم الإجتماعية. و عند دراستهم لأصول الثقافات، و تطورها، و انتشارها. و عند عقد المقارنات المختلفة بين الثقافات و النظم، بل إن معرفة تاريخ المجتمع ضرورية لفهم واقعه. و قد صاحب المنهج التاريخي نشأة علم الإجتماع ، و قد كان في البداية تطوريا يميل إلى وضع المراحل التطورية المختلفة للمجتمعات الإنسانية ، كما هو عند كونت و سبنسر. و لكن النزعة التطورية بدأت تتلاشى ، نظرا لعدم موضوعيتها. و تعد الوثائق .. من أهم مصادر المعرفة الإجتماعية.
2- المنهج الوصفي: يعد المنهج الوصفي من أكثر مناهج البحث الإجتماعي ملائمة للواقع الإجتماعي و خصائصه. و هو الخطوة الأولى نحو تحقيق الفهم الصحيح لهذا الواقع. إذ من خلاله نتمكن من الإحاطة بكل أبعاد هذا الواقع، محددة على خريطة، تصف و تصور بكل دقة كافة ظواهره و سماته. و قد واكب المنهج الوصفي نشأة علم الإجتماع، و قد ارتبطت نشأته بحركة المسح الإجتماعي في إنجلترا ، أو منهج "لوبلاي" في دراسة الحالة، و نشأة الدراسات الأنثربولوجية.*
و الفكرة الأساسية التي يقوم عليها المنهج الوصفي هي : أن المشكلة التي واجهت الدراسة العلمية للظواهر الإجتماعية، هي عدم وجود منهج علمي حقيقي، يصلح لتحليل هذه الظواهر. فلم تكن الملاحظة خاضعة لقواعد تنظمها، بحيث نعرف بدقة كيفية الملاحظة، و أهمية الظواهر التي تلاحظ، و أكثرها دلالة....
3- المنهج التجريبي: التجريب جزء من المنهج العلمي. فالعلم يسعى إلى صياغة النظريات التي تختبر الفروض التي تتألف منها، و تتحقق من مدى صحتها.. و التجربة ببساطة، هي : الطريقة التي تختبر بها صحة الفرض العلمي.
فالتجريب هو القدرة على توفير كافة الظروف، التي من شأنها أن تجعل ظاهرة معينة ممكنة الحدوث في الإطار الذي رسمه الباحث وحده بنفسه. و التجريب يبدأ بتساؤل يوجهه الباحث مثل: هل يرتبط ارتفاع المستوى الإقتصادي للفرد بإقباله على التعليم؟ أو هل هناك علاقة بين الدين و السلوك الإقتصادي؟ أو بين التنشئة الإجتماعية و انحراف الأحداث؟ و من الواضح أن الإجابة على هذه التساؤلات، تقتضي اتباع أسلوب منظم لجمع البراهين و الأدلة. و التحكم في مختلف العوامل التي يمكن أن تؤثر في الظاهرة موضوع البحث، و الوصول إلى إدراك العلاقات بين الأسباب و النتائج.(10).
* الأنثربولوجية : علم يبحث في أصل الجنس البشري و تطوره و أعراقه و عاداته و معتقداته.
خاتمة
نستطيع أن نقول بأن العلاقة بين المنطق ومناهج البحث هي علاقة وثيقة للغاية، فبلا منطق سليم لا يمكن أن نصل إلى منهج سليم في البحث العلمي ، و بلا منهج سليم في البحث، لا يمكن أن نصل إلى الحقيقة العلمية بموضوعية. ذلك أن المنطق هو علم البحث في البحث ، أي أنه العلم الذي ينظم طريقة التفكير و يعطي لها القوانين الصحيحة لكي تنطلق في طريق مستنير صحيح لا يقع في التناقض أو جزئية النظرة، و بما أن العلوم تتفرع و تتسع و تفترق كان لزاما أن تتنوع كذلك مناهج البحث لتناسب طبيعة الموضوع المبحوث عنه أو فيه .
و ( عندما نكفر بمنهج معين، ماذا ننتظر أن يحدث؟ إن النتيجة الطبيعية لذلك هي : أن ينتقم هذا المنهج منا و يسد علينا بابا جديدا للعلم. المدرسيون قديما كفروا بحق منهج الإستقراء، و غالوا بالمقابل، في شأن القياس، و حرموا أنفسهم بذلك علوما كثيرة، كانت تأتيهم من باب الإستقراء.
و بين المناطقة الجدد نجد (روجييه) هو الآخر، حط من شأن الإستقراء، إلى حد أن وصفه بأنه مناف للقواعد المنطقية، و أنه ليس جديرا بأن يسمى تفكيرا. و كانت النتيجة الطبيعية أن عقم التفكير البشري نتيجة اعتقاله في بيت القياس ( دون أن يفتح له المجال بالإنطلاق في رحاب التجربة). و من جهة أخرى وقع طائفة كبيرة من الباحثين في أخطاء متنوعة، نتيجة استهانتهم بالقياس، و اعتمادهم الكلي على الإستقراء، ذلك لأن هذا الأخير لا يمكنه لوحده أن يفيدنا لأن مجرد تسجيل الحقائق الجزئية المبعثرة، التي نصل إليها لا يكفي في نشأة العلم، و في تدعيمه بالأدلة و البراهين.
- فالمعرفة العلمية الحقة هي التي تبحث عن الربط بين الظواهر و العلوم و المعارف و البحث عن العلاقات بينها، في نظرة شمولية .. و عندما تقتصر المعرفة على ملاحظة كل ظاهرة على حدة، دون البحث عن الروابط و الصلات التي يمكن أن توجد بينها و بين الظواهر و العلوم و المعارف الأخرى، سبقت لنا معرفتها، أو هي في إطار الكشف، فإن ذلك يسمى بترا و تجزئة و تفكيكا للرؤية .. و بحثا في اللاشمولية ..و أحيانا يكون بحثا في اللامعنى .. كأن تكون خبيرا في صناعة السيارات مثلا، و لكن لا علاقة و لا دراية لك بطبيعة الطرق السيارة، أو بالوقود المستعمل و درجات الحرارة !
والماديون الذين أنكروا الوحي، حرموا أنفسهم من الإيمان بحقائق كثيرة، أهمها بالطبع الإيمان بخالق الكون، و برسله و كتبه وتعاليمه.
و الشكاكون بأنواعهم سدوا على أنفسهم أبوابا مشرعة من المعرفة ، و هكذا يجب على الباحث ألا يتعصب لمنهج معين، فينتقم منه سائر المناهج بحرمانه من معارفها....
و لا يقتصر خطأ الباحث في الإيمان أو عدم الإيمان رأسا بمنهج معين، بل و أيضا بمقدار استخدامه لهذا المنهج أو ذاك.. فمن الباحثين من أولع بالقياس و أكثر استخدامه، و بالرغم من إيمانه بمنهج الإستقراء، لا يوليه الإهتمام، لرغبته النفسية في القياس.
و من الباحثين من يحب الإستقراء، و يفضله عمليا على القياس.
و منهم من يناصر المنطق الوضعي، أو الديالكتيكي، أو الديكارتي، أو الأرسطي، أو الوسيلي، بينما الصحيح هو مناصرة العلم فقط، و استخدام كل هذه المناهج ، في سبيل الوصول إلى العلم الشمولي.
الهوامش:
(1) انظر ص 24 المنطق الإسلامي أصوله و مناهجه. محمد تقي المدرسي. دار الجيل بيروت.الطبعة الثانية.
(2) انظر مناهج البحث العلمي . د عبد الرحمن بجوي. نقلا عن ص: 8 . البحث العلمي و مناهجه النظرية. د. سعد الدين السيد صالح. مكتبة الصحابة. الطبعة الثانية 1993.
(3) انظر : البحث العلمي مناهجه و تقنياته. د. محمد زيان عمر. نقلا عن ص: 10 البحث العلمي لسعد الدين صالح . نفس المرجع.
(4) ص 11 نفسه.
(5) ص 25 نفسه.
(6) انظر ص 113 كتاب الكندي إلى المعتصم. نقلا عن ص 26 البحث العلمي لسعد الدين صالح.
(6) ص 28 نفسه.
(7) انظر ص 60 : التفكير فريضة إسلامية لعباس محمود العقاد.
(8) المنطق الإسلامي أصوله و مناهجه. ص 63. نفس المرجع السابق.
(9) ص 125 نفسه.
(10) انظر ص 34 الصياغة الإسلامية لعلم الإجتماع. الدواعي و الإمكان. الأستاذ منصور زويد المطري. كتاب الأمة 1413.
المراجع:
1- البحث العلمي و مناهجه النظرية. رؤية إسلامية. أ د. سعد الدين السيد صالح. مكتبة الصحابة جدة.الطبعة الثانية. 1993م.
2- التفكير فريضة إسلامية. عباس محمود العقاد. دار الكتتاب العربي .بيروت. الطبعة الثانية 1971م.
3- الصياغة الإسلامية لعلم الإجتماع. الدواعي و الإمكان. كتاب الأمة. للأستاذ/ منصور زويد المطري. الطبعة الأولى . 1413ه.
4- المنطق الإسلامي أصوله و مناهجه. محمد تقي المدرّسي. دار الجيل. بيروت.الطبعة الثانية.
5- المورد . قاموس إنجليزي عربي. منير البعلبكي. دار العلم للملايين.