من سخافات الشعوب

هل الشعوب مجرد قطيع تابع لكل ناعق ؟ هل لها  فعلا عقل جمعي ؟ أم أن ذلك مجرد خرافة ؟  الحقيقة و الواقع يؤكدان أن للمجتمعات أعراف و عادات و أمثال شعبية يجمعون عليها، و يتعارفون عليها،  منها ما هو صحيح و نافع و مفيد، و منها ما هو تافه و سخيف. و تتحوّل مع الوقت إلى ما يشكل ذلك العقل الجمعي، الذي لا يقبلون الخروج عليه أو تغييره، حتى و إن كان الجمود عليه في غير مصلحة المجتمع. و إن من هذه التفاهات التي يتظافر  " العقل الجمعي " لكثير من شعوب العالم على ترديدها و تكرارها، حتى تتحول الأوهام و الظنون إلى  اعتقادات جازمة، و  الخرافات إلى حقائق " علمية " !  ـ يجمعون عليها  ـ و كأنها وحي يوحى، و تتحول إلى طقوس مقدسة لا خروج عنها .. خرافة النظرة إلى " الآخر " تلك النظرة المبالغ فيها إما تقديسا أو تدنيسا. 

 ففي المغرب  مثلا،   يعتبر الشخص الإسباني في الذاكرة و  اللاوعي   مجرد " نصراني "  أو  "بورقعة "،   و أي أوربي هو مجرد " نصراني " حتى لو كان ملحدا أو بوذيا أو لا أدريا. .. فكلمة نصراني تعني " الآخر " الذي لا ينتمي إلينا نحن المسلمين،  و هو الذي يمثل ثقافة أخرى تكون في الغالب معادية لنا أو متضادة معنا أو لها معنا أو لنا معها مشكلة ما سياسية أو استعمارية أو دينية أو ثقافية أو حضارية أو تاريخية أو كل ذلك معا ... فكلمة نصراني ذات المعنى اللغوي و الإصطلاحي المقبول شرعا و عقلا  تتحوّل بفعل هذا العقل الجمعي إلى شتيمة و سبة غير مقبولة .. وإلى تعميم مزعج .. فقد يكون ذلك المنعوت بالنصراني ملحدا أو بوذيا أو لاأدريا لا علاقة له بالنصرانية من قريب و لا من بعيد، و مع ذلك يظل " نصرانيا " عند العقل الجمعي المغربي..

 و العكس أيضا صحيح، ففي إسبانيا مثلا نلاحظ نفس الشيء، فالشخص المغربي هو مجرد " مورو "،  أما الإنجليزي فهو " جيري "  بنطق كاف فوقها ثلاث نقاط ـ إن صح التعبير ـ .. فكل شعب يسعى إلى إثبات الذات و إثبات التميز و إثبات الوجود عن طريق التعالي على الشعوب الأخرى،  و التفاخر عليها و احتقارها. 

 هذا الجنون موجود لدى كل شعوب العالم بدون استثناء، و لم أر شخصا يتعالى عن هذه السخافات إلاّ أن يكون شخصا شديد الثقافة و التجربة و السفر .. أو شديد الإيمان و التقوى. 

و هناك مشكلة أخرى مضادة تماما لهذه المشكلة و هي مشكلة الشعور بالنقص تجاه الآخر .. و هذه بحاجة إلى مقالة أخرى، و قد فسرها ابن خلدون بولع تقليد الغالب للمغلوب في مأكله و ملبسه  ومشربه ..ظنا منه أن ذلك التقليد في السطحيات هو الذي يرتقي به إلى مراتب الأمم المتقدمة، و ما درى المسكين أن الانسلاخ من الهوية و التراث و اللغة و الثقافة ليس إلا دليل الهزائم و الإنحطاط و الذوبان، و ما درى المسكين أن سياقة آخر موديل من السيارات مع العجز عن  صناعة سيارة و لو من ورق  أو سيارة لعبة إنما هو التأخر و التقهقر و لعب الصبيان !

{ كل حزب بما لديهم فرحون }

و الغريب أن كل شعوب العالم تمارس داخلها  و بين مناطقها الداخلية نفس هذه العنصرية أو النظرة الإستعلائية، فتجد في كل بلد مشكلة الشمال و الجنوب، أو  سكان المدينة الفلانية  أحسن  من  المدينة الأخرى .. من أين يأتي هذا الغرور،  و هذا التكبر و  العجب  ؟! إنها النفس الأمارة بالسوء، و الشيطان الذي يسعى للتفرقة بين بني آدم و إشعال نار الفتن و الكراهية.

ففي إسبانيا مثلا، تعتبر منطقتا  غاليسيا  في الشمال الغربي أو منطقة  كاطالونيا في الشمال الشرقي من أكثر المناطق تعاليا على الإسبان أنفسهم و تميّزا عليهم باللغة و التاريخ و العادات. و   يزعم أهل تلك المناطق أنهم الأفضل ، و أن الإسبان الآخرين ـ و خصوصا أهل الأندلس الجنوبي ـ ليسوا سوى " موروس " أيضا .. أي أنهم أدنى قيمة.. و في دول العالم كله توجد  ظاهرة " الغجر " .. "الخيطانوس " المهمشين و كأن المجتمع يلفظ جزءا منه و يرميه إلى الهامش، أو أن جزء من المجتمع دائما يفضّل أن ينسحب و يمارس اللاإنتماء ..

و في المغرب يعتبر أهل طنجة أن أهل تطوان أدنى، و يعتبر أهل تطوان أن أهل طنجة هم الأدنى ! فما بالك حين تأتي العنصرية المقيتة بين أهل الجنوب الذين يطلق عليهم أهل الشمال مصطلح  " العروبية "، كما يطلق أهل الجنوب على أهل الشمال مصطلحات شتم أخرى ..

و أهل العرائش يقولون  أن أهل القصر الكبير " معمشين " و أغبياء !!   و هلم جرا، بحيث لا تخلو مدينة من الاستهزاء بمدينة أخرى، و هذا يوجد في كل دول العالم بدون استثناء ...

تتجلى تلك العنصريات و السخافات النتنة أكبر ما تتجلى في النكات الشعبية، و السخرية و الإستهزاء ـ البريء أحيانا و الغير بريء في أحيان أخرى ـ كما يظهر ذلك جليّا في  مباريات كرة القدم التي غالبا ما تتحول إلى حروب بين الجماهير تسيل فيها الدماء على الطريقة الهوليغانية ...

و لا يقتصر هذا  المرض النفسي هنا  على التعالي بين منطقة و أخرى، بل يتعدى إلى حارة و أخرى  تقطن جنبها،  في نفس المدينة، و هو حاضر بشدة بين   طبقة اجتماعية و أخرى، بل ينتقل  إلى سكان نفس العمارة أو الحارة، ثم إلى العائلات،  فيقال هذا ابن فلان و تلك ابنة فلان .. و هي أمور جاهلية لم يستطع العرب المتفاخرين بالأنساب أن يتعافوا من مرضها، أما الشعوب غير المسلمة فهي جاهلية بطبعها في كثير من العادات و الاعتقادات و لم تذق حلاوة العلم و الإيمان الذي يرتقي بالبشر إلى أعلى مقامات الأدب و الإحترام، فهم معذورون.  و لكن العرب أي عذر لهم ؟ ... فهو مرض ملازم للإنسان إذن،  بغض النظر،  عن دينه و بيئته .. هو من تلك الأمراض القلبية النفسية التي لا علاقة لها سوى بطبع الإنسان و التي بحاجة إلى الترويض و التزكية و التخلية مثلها مثل الحسد و الحقد و البغض و الغيبة و النميمة و السطحية و الثرثرة .. إنها أمراض لا دين و لا جنسية لها، أمراض تعب الأنبياء في علاجها، و أرهقت الفلاسفة و المربين و المصلحين على مر تاريخ البشرية المشحون بنماذج مكررة في كل زمان و مكان .. و هي التي ألهمت الأعمال الأدبية الخالدة و التي انعكست فيها الشخصيات البشرية الشديدة التنوع و التناقض، فهذا بخيل و ذاك سخي كرسم، و هذا جبان رعديد، و الآخر شجاع مقدام،  و هذا طماع و ذاك عفيف النفس،  و هذا فاضل ، و ذاك قواد،  و هذا حر طليق، و  ذاك عبد طوعي  يبحث عن جهة تستعبده لأنه كاره للحرية و الأحرار .

هذا حال الإنسان : أمراض نفسية و قلبية لم يستطع التخلص منها برغم كل الرسالات السماوية و الحركات الإصلاحية التي أعلنت الحرب ضدها ..

هل الغيبة و النميمة أمر مطلوب في الإسلام أو المسيحية أو اليهودية أو البودية أو في أي فلسفة أخلاقية ؟ فلماذا تراها منتشرة بين الأكثرية ؟ هل الإستهزاء و الضحك على عاهات الناس من الأخلاق التي حثّت عليها أية فلسفة أو دين ؟ فلماذا هي السائدة بين النساء و الكثير من الرجال ؟!

أليس أكبر عاهة هي أن تكون فيك هذه العاهات القلبية و اللسانية  و لا تسعى لعلاجها و التخلص منها ؟! فليس غريبا أن كان أكثر ما يكبّ الناس على مناخرهم في النار هو حصائد ألسنتهم كما جاء عن رسول الله صلى الله عليه و سلّم .

هذا حال الإنسان في كل العصور، جهل و سخافة و غرور و سطحية و تفاهة الرغبات و المطالب و الأقوال و الأفعال ...لم يشذ عن ذلك سوى الفئة القليلة ..و إني قد رأيت المتكلّمين و الترثارين كثر في كل قارات الأرض،  و لكني ما رأيت ناطقا بالحق إلا قليلا نادرا.

فالشعب الإسباني يطلق كلمة " مورو" على كل مغربي و على كل عربي و مسلم، و يقصد بها " الآخر " أي الذي ليس كاثوليكيا، و عندما ذهب الإسبان إلى الفيلبين ورأوا المساجد و الصوامع و الأذان و الصلاة اندهشوا و احتاروا و تسائلوا بسطحية شديدة و جهل بالتاريخ عميق : أهنا أيضا ـ حتى في الفيليبين ـ  يوجد " موروس "  ؟؟ كيف يعقل ؟  فكل من يؤذن و يصلي و يقيم شعائر الإسلام ما  هو  إلا مورو في العقل الجمعي الإسباني حتى لو كان صينيا أو أمريكيا أو فرنسيا/ بل حتى لو كان إسبانيا ؟!!  مع العلم أن عبارة مورو تعني سكان شمال إفريقيا، و هي مشتقة من موريتانيا، و لا عيب فيها و لا شتم و لكنها تحولت كما تحولت عبارة " النصراني " أ " اليهودي "  إلى شبه شتيمة لأنها تعبر عن " الآخر المرفوض " و عن  التمايز  وعدم الرغبة في الإندماج و القبول .. و إلى يومنا هذا توجد في الفلبين جبهة مورو بسبب تسمية الإسبان لهم كذلك إبان الكشوف الجغرافية في القرن السادس عشر .. فهذا الهوس الشعبي في التعالي على " الآخر" هو طبيعة بشرية حيوانية أيضا ـ أي داروينية ـ  تسعى الشعوب من خلالها إلى حماية نفسها من كل ما تجهل، و التميّز  الثقافي عن كل " دخيل " و إلى الشعور بالذات و تعزيز الهوية،  في مقابل " عدو " من الخارج .. من خارج الثقافة المعترف بها .. و إلى أخذ الحذر من  العدّو الذي يجب أن يكون " الآخر " .. و هو مرض بحاجة إلى علاج نفسي و أخلاقي و عقدي .. أما ديننا فقد عالجه بقوله تعالى { يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر و أنثى و جعلناكم  شعوبا و قبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم } و عالجه رسولنا صلى الله عليه و سلم " لا فرق بين عربي و عجمي إلا بالتقوى "  و كان من أصحابه بلال الحبشي، و صهيب الرومي، و سلمان الفارسي.. و أما الأديان الأخرى و الفلسفات الأخرى فعليها أن تدلي بدلوها في هذا المجال و تقول لنا كيف عالجته فلسفيا، و كيف طبقته تاريخيا.


بقلم علي عروسي



تم عمل هذا الموقع بواسطة