هو وعد الله للبشرية إبطالا لكيد الشيطان الذي توعّد بإضلال البشر
هو دعوة إبراهيم الخليل عليه الصلاة و السلام ليتلوا عليكم آياته و يعلمكم الكتاب و الحكمة و يزكيكم.
هو بشارة سيدنا عيسى عليه الصلاة و السلام حتى لا يقول قائل أن هناك دين آخر يقبل عند الله ..
هو الرحمة المهداة من الله تفضلا
هو طريق النجاة و كنه العلا
هو رحمة رب العالمين إلى الناس أجمعين.
{ ربنا اجعلنا مسلمين لك و من ذريتنا أمة مسلمة لك و أرنا مناسكنا و تب علينا إنك أنت التواب الرحيم. ربنا و ابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك و يعلّمهم الكتاب و الحكمة و يزكّيهم إنّك أنت العزيز الحكيم } البقرة
إن نعمة أن يأتيك رسول و يقوم بمهمة تلاوة الآيات و تعليم الكتاب و الحكمة و التزكية لا يقدّرها حقّ قدرها إلا من عرف ما معنى أن تكون بدون آيات و بدون كتاب و بدون حكمة و بدون تزكية ! و إنها و الله لهي نفس حالة الغثائية الذي انقلبت إليه الأمة حين تركت ذلك النور و دخلت في جحور الضبّ المظلمة ..
قال تعالى { لقد منّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلوا عليهم آياته و يزكيهم و يعلّمهم الكتاب و
الحكمة و إن كانوا من قبل لفي ضلال مبين } آل عمران 164
إنه محض منّ من الله و تفضّل، فمن لم يمتثل لطلب العلم و تزكية النفس، فكأنّه يرفض فضل الله عليه !
1ـ فبعثة سيدنا محمد صلى الله عليه و سلم فضل محض من الله تعالى و منّة منه على المؤمنين .
2 ـ بعثه من أنفس العرب و فيه دليل على أن كبار المؤمنين هم عرب أيضا، كيف لا و على رأسهم المبشرون بالجنة و الذين هم أحياء عند ربّهم يرزقون ؟! و فيه فضل الأمة العربية التي شرّفها الله تعالى ببعثة خاتم المرسلين.
3 ـ الغاية من بعثة سيدنا محمد إلى المؤمنين هي الإرتقاء بالمؤمنين إلى أربعة مراتب كبرى :
أـ تلاوة الآيات
ب ـ التزكية
ج ـ تعلمّ الكتاب
د ـ تعلّم الحكمة
ح ـ و إن كانوا من قبل لفي ضلال مبينن فيه المنة العظمى التي تفضل الله تعالى بها على المؤمنين بهذه النقلة و هذه الرفعة، و فيه كيف أن الذي يخلو من هذه المراتب الأربعة إنما يكون في ضلال مبين .. فحال العرب الذين يتبعون سيدنا محمد صلى الله عليه و سلم كيف يكون، و حالهم حين يعصونه و يجهلونه و يجهلون الغاية من بعثته كيف يكون ..
فالمؤمنون حقّا يفهمون هذه الغاية التي بعث من أجلها سيدنا محمد صلى الله عليه و سلم، و يشكرون الله تعالى الذي تفضل عليهم و منّ عليهم ببعثه و إرساله لهم كي يرتقي بهم إلى المعالي، و يبيّن لهم طريق الإرتقاء و هو في أربعة مراتب : تلاوة الآيات، ثم التزكية، ثم تعلم الكتاب، ثم تعلم الحكمة.
و الحياة كلها قد لا تكون كافية للإحاطة بهذه المراتب بكل تفاصيلها و لكن القليل النافع يكفي مع النية الخالصة و القلب السليم .. و الله تعالى يبارك في القليل و يفسح في الزمان و المكان ..كما يضاعف الحبة إلى سبعمائة ضعف فأكثر ..كذلك يبارك في الدقيقة فتكون خيرا من 700 مثلها، و في الساعة فتكون خيرا من 700 ساعة .. و ليلة القدر خير من أهل شهر ..
فليست العبرة بكثرة المكان و كثرة الزمان، و لكن بالبركة ..
و عندنا حياة الإمام النووي كمثال على هذا ..و حياة الكثير من الأولياء و الصالحين .
فالمؤمنون يسعون لقضاء أعمارهم بين هذه المراتب الأربع، يرتقون من مرتبة إلى التي تليها، يستمتعون بما في كل مرتبة من أغصان يانعة و فروع مثمرة بفوائد العلوم و المعارف { و مثل كلمة طيبة كشجرة طيبة تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها }
و هذه المراتب التي يرتقي إليها المؤمنون تجعل من أعمارهم و أعمالهم و مشاريعهم رحمة للعالمين، مصداقا لقوله تعالى { و ما أرسلناك إلا رحمة للعالمين } هذه الرحمة العالمية و الكونية يستفيد منها جميع الخلق و جميع المخلوقات، حتى أعداء المؤمنين يستفيدون من هذه الرحمة في مجالات شتى .
و هذه السلسلة الرسالية متتابعة و مكمّل بعضها بعضا قد بدأت منذ وعد الله تعالى تكفّله بإنقاذ الإنسان و بيان طريق النجاة له نكاية في حقد الشيطان، فقال تعالى بعد سؤال الملائكة و أمرهم بالسجود و عصيان إبليس اللعين { فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم، قلنا اهبطوا منها جميعا فإمّا يأتينّكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم و لا هم يحزنون و الذين كفروا و كذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } البقرة 39
فهذا وعد من الله تعالى بهداية البشرية جمعاء و عليها هي أن تختار طريقها ..و هكذا أثبت التاريخ صدق وعد الله تعالى فلم يخل عصر و لا مصر من نبيّ أو رسول، إلى أن جاء زمن ختم النبوات و الرسالات بآخر الأنبياء و المرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه و سلم و فيه إشارتان واضحتان :
الإشارة الأولى : بداية النهاية و اقتراب البشرية من آخر الزمان و نهاية تاريخ الإمتحان على هذه الأرض. قال صلى الله عليه و سلم " بعثت أنا و الساعة كهتين " ـ و قرن بين السبابة و الوسطى ..
الإشارة الثانية : نضج البشرية العقلي الذي سيكون مع الرسالة الخاتمة و هي رسالة عقلية منطقية في محتواها و مضمونها، و معرفة الله باستطاعة البشرية أن تصل إلى الهداية بنفسها مع وجود النضج العقلي و المعجزة الخالدة بين أيديها ..فلا حاجة لها بعد البعثة إلى رسالة سماوية أخرى .
يقول القرآن عن تسلسل الهداية عبر إرسال الرسل { تلك أمتكم أمة واحدة و أنا ربكم فاعبدون } و يقول تعالى { ألم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب و يقيمون الصلاة و مما رزقناهم ينفقون، و الذين يؤمنون بما أنزل إليك و ما أنزل من قبلك و بالآخرة هم يوقنون } و يقول تعالى { و ما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون }
فهي أمة واحدة لها هدف واحد و سارت على هداية ربانية واحدة في طريق مستقيم واحد منذ آدم عليه السلام إلى يوم أن تقوم الساعة .. رايتها لا إله إلا الله، و دينها الإسلام، و غايتها رضى الله و النجاة من كيد الشيطان ..
و مرورا بدعاء سيدنا إبراهيم الخليل عليه السلام و دعاء ابنه إسماعيل { ربنا اجعلنا مسلمين لك و من ذريتنا أمة مسلمة لك و أرنا مناسكنا و تب علينا إنك أنت التواب الرحيم. ربنا و ابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك و يعلّمهم الكتاب و الحكمة و يزكّيهم إنّك أنت العزيز الحكيم } البقرة 129
و سيدنا محمد هو دعوة سيدنا إبراهيم و هو أيضا بشارة سيدنا عيسى عليهم الصلاة و السلام أجمعين :
قال تعالى { و إذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة و مبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد } الصف 6. يعني عيسى أن التوراة بشرت به و هو مبشر بمن يأتي من بعده. و لفظ أحمد من ألفاظ النبي صلى الله عليه و سلم الذي قال " أنا محمد و أنا أحمد و أنا الماحي الذي يمحى بي الكفر و أنا الحاشر الذي يحشر الناس على عقبي و أنا العاقب " متفق عليه. و العاقب : هو الذي ليس بعده نبيّ.
فاستجاب الله تعالى دعوة سيدنا إبراهيم الخليل عليه الصلاة و السلام، و أرسل خاتم رسله سيدنا محمد، فقال عليه الصلاة و السلام " أنا دعوة إبراهيم، و بشارة أخي عيسى " .
قال حسان بن ثابت شاعر الرسول :
نبيّ أتانا بعد يأس وفترة من الرسل والأوثان في الأرض تعبد
فأمسى سراجًا مستنيرًا وهاديًا يلوح كما لاح الصقيل المهنـد
وأنذرنا نارًا وبشر جـنة وعلمنا الإسلام، فالله نحــمد
وأنت إله الخلق ربي وخالقي بذلك ما عمرت في الناس أشهد
بين آيتين :
{ ربنا اجعلنا مسلمين لك و من ذريتنا أمة مسلمة لك و أرنا مناسكنا و تب علينا إنك أنت التواب الرحيم. ربنا و ابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك و يعلّمهم الكتاب و الحكمة و يزكّيهم إنّك أنت العزيز الحكيم } البقرة 129
هنا في دعاء سيدنا إبراهيم نلاحظ أنه قدّم تلاوة الآيات و تعلم الكتاب و الحكمة على التزكية فكانت كنتيجة طبيعية لما سبقها .. و هذا هو المطلوب و هو غاية العلم و الحكمة ــــــــــ أي : التزكية .و التزكية هي عملية نظافة و تنظيف و طهارة و نقاء للباطن و الظاهر.. و للنفس و العقل و الجسد و القلب ..
و في الآية الثانية و هي متقدمة على الأولى :
قال تعالى { لقد منّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلوا عليهم آياته و يزكيهم و يعلّمهم الكتاب و الحكمة و إن كانوا من قبل لفي ضلال مبين } آل عمران 164
جاء في هذه الآية ذكر التزكية قبل تعلم الكتاب و الحكمة، فكانت كأنها شرط لما بعدها، و لذلك قال العلماء " التخلية قبل التحليلة " اي إخلاء الوعاء مما علق به من أوساخ و بقايا غير نقية، ثم ملئه بعد ذلك بالنافع ..
و لا تعارض بين الآيتين فالأولى نتيجة العلم و الحكمة هي التزكية ..
و الثانية التزكية تهيئة للمحل لتلقي العلم و الحكمة ..
{ و اتقوا الله و يعلّمكم الله }
و من هنا ندرك سرا من أسرار ذكرنا الصلاة الإبراهيمية في تشهد كل صلاة " اللهم صلى على محمد و على آل محمد كما صليت على إبراهيم و على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، و بارك على محمد و على آل محمد كما باركت على إبراهيم و على آل إبراهيم إنك حميد مجيد ".
لحرص سيدنا إبراهيم على هداية من بعده كما كان حريصا على أبنائه { ووصى بها إبراهيم بنيه و يعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتنّ إلا و أنتم مسلمون } البقرة 132
هذا غيض من فيض عن سيدنا محمد صلى الله عليه و سلم ، فكيف إذا أضفنا إليها حبه لأمته و حرصه على المؤمنين، قال تعالى : { لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتّم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم } . و قال تعالى { لقد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام و يخرجهم من الظلمات إلى النور }.
و عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه و سلم تلا قوله عز و جل : { إن تعذبهم فإنهم عبادك و إن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم } المائدة 118. فرفع يديه و قال : اللهم أمتي أمتى و بكى. فقال الله عز و جل، يا جبريل، اذهب إلى محمد، و ربك أعلم، فسله ما يبكيك ؟ فأتاه جبريل عليه الصلاة و السلام فسأله. فأخبره رسول الله بما قال، و هو أعلم، فقال الله : يا جبريل اذهب إلى محمد، فقل، إنا سنرضيك في أمتك و لا نسوءك.
بقلم علي عروسي