الإيمان بالقضاء و القدر من أركان الإيمان الستة عند المسلمين، و ما أغرب
أن تؤمن بشيء و أنت لا تفهمه ! الكثير من الناس ، و منهم الكثير من المسلمين، لا يفهمون معنى القضاء و القدر
و يخلطون بينه و بين الإجبار ! فيكونون جبريين دون أن يعلموا ..
و يتناقضون بين ما يعتقدون في قلوبهم و بين ما يقومون به من أعمال. ..و أريد أن أوضّح في هذا المقال هذا الموضوع.
فما معنى القضاء و القدر ؟
القضاء هو علم الله السابق بما سيحدث لأن الله تعالى ليس عنده ما سيحدث
أصلا، فكل شيء عنده قد حصل بالفعل، لأنه لا ماضي و لا مستقبل له فهو
على صرا ط مستقيم ..و هو متعال عن الزمان و المكان.
المستقبل يخصنا نحن المخلوقين، أما الله تعالى فهو فوق الزمان و المكان، و
هو خالق الزمان و المكان. فكل شيء عنده قد حصل و وقع، و هو عندنا إما ماض أو حاضر أو مستقبل.
فإذا فهمنا هذا الفرق الجوهري بين الخالق و المخلوق سهل علينا إدراك مسألة القضاء و القدر، إذ سيمكننا هذا الفهم من العلم المناسب لله و ليس قياسا على علمنا نحن المحدود داخل دائرة الزمكان.
فمعنى القضاء هو أن الله تعالى بسابق علمه علم ما سيكون قبل أن يكون
بالنسبة لنا. و تقريب هذا هو أنك تشاهد فيلما و ترى نهايته قبل الآخرين ..
و لله المثل الأعلى.
أما القدر فهو التقدير أي القدر و المقدار الذي سيكون لكل مخلوق من كل عطاء و رزق بشتى
أنواعه، من مال، و صحة، و ولد، أو بنت، و حتى عدد الأنفاس التي سيتنفسها كل مخلوق، فكل شيء عند الله ب
بمقدار.
فالقضاء و القدر لا يعني الإجبار كما تزعم الفرق الجبرية في تاريخ المسلمين، و التي تأثرت بالفلسفات الغنوصية المشرقية، ولا ينفي مسؤولية و مشيئة الإنسان المكلف المختار ..و لا علاقة لهذا بذاك.
و من هنا نشأ في تاريخ المسلمين فرقتان كلتاهما احتارتا في هذا الأمر فكانت الجبرية الذين جعلوا الإنسان ورقة في مهب الريح يتلاعب بها القدر الإجباري، و يسيرها كما تتلاعب الريح بأوراق الشجر، و فرقة و القدرية الذين نفوا القدر جملة و تفصيلا و جعلوا الإنسان هو المسؤول الأول و الأوحد عن كل ما يقع له، لكي يتخلصوا من جبرية الجبريين ـ في زعمهم ـ !! و كلا الفريقين على ضلال مبين، و كلاهما اتبع سنن الذين خلوا من قبل من ضلال اليهود و النصارى ..
نعود فنسأل ؟
الإنسان مخير أم مسير ؟
افترق الفلاسفة و المفكرون شرقا و غربا في حقيقة الإنسان و هل هو مسير أم مخير، فذهب فريق إلى قول أنه مسير لا حيلة له . و منهم : أصحاب عقيدة وحدة الوجود و على رأسهم ابن عربي القائل :
الحكم حكم الجبر و الإضطرار ما ثم حكم يقتضي الإختيار
إلا الذي يعزى إلينا ففي ظاهره بأنه عن خيار
لو فكر الناظر فيه رأى بأنه المختار عن اضطرار
و منهم ابن سبعين ، و ابن الفارض ، و التلمساني ، و الجيلي و غيرهم ...
و فكرة وحدة الوجود و الجبرية موجودة عند قدماء اليونان كهيراقليطس ( انظر ص 234 الموسوعة الميسرة 2 ).. و موجودة كذلك في الهندوسية الهندية و في الفلسفة الأفلاطونية المحدثة .. و عند جيوردانو برونو النصراني الإيطالي 1548 ـ 1611 م ، وباروخ سبينوزا اليهودي 1632 ـ 1677م ...و من جهّال المسلمين من يعتقد أن الإنسان مسير غير مخير، لأنه يرى نفسه بلا حيلة أمام ما يصيبه من أقدار، و عندما يقع في المعاصي و المخالفات الشرعية، يقول " هذا مكتوب "، ثم لا يتوب .. و هذا خطأ، فالتوبة أيضا مكتوبة، و علينا أن نختارها...
و هذه الفكرة الجبرية تخالف منهج القرآن و السنة اللذان يثبتان مشيئة العبد و من تمّ تحمله للمسؤولية عن أفعاله و معتقداته . و القرآن الكريم مليء بالآيات الدالة على مسؤولية الإنسان، كقوله تعالى :
{ و هديناه النجدين } { إما شاكرا و إما كفورا } { فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره و من يعمل مثقال ذرة شرا يره } { قد أفلح من زكاها و قد خاب من دساها } و غيرها كثير جدا من الآيات ...
و في القرن التاسع عشر عادت تتردد فكرة وحدة الوجود على يد بيرس شيلي الشاعر الإنجليزي 1792ـ 1822م .
و على يد الفيلسوف اليهودي باروخ سبينوزا ..
قال فلاسفة اليهود أن الله سبحانه خير محض و لا يصدر عنه إلا الخير و أثبتوا ذلك أو حاولوا إثباته بما ورد في الكتاب المقدس . أما الشر فقالوا أنه من صنع البشر و أنه ثمرة لتغلب المادة على العقل أو انتصار مبدأ المادة على مبدأ العقل . و قد نسبوا الشر للإنسان خشية أن يؤدي بهم الكلام فيه إلى الخروج . و قد أدت بهم نسبة صدور الشر إلى الإنسان إلى القول بأنه حرّ في إرادته و تصرفاته و يجب عليه أن يجعل أعماله منطبقة على مبدأ الخير الأسمى لئلا يقهره المبدأ المادي فيصير أسيرا للشر. و هذا هو مبدأ حرية الإرادة المعروف لعهدنا باسم مبدأ الخيار في الحياة باعتبار الإنسان مخيرا لا مسيرا . (انظر كتاب تاريخ فلاسفة الإسلام).
و عن علي رضي الله عنه قال : كنا في جنازة في بقيع الغرقد فأتانا رسول الله صلى الله عليه و سلم فقعد ، وقعدنا حوله و معه مخصرة فنكس و جعل ينكت بمخصرته ، ثم قال : " ما منكم من أحد إلا و قد كتب مقعده من النار و مقعده من الجنة " فقالوا : يا رسول الله أفلا نتكل على كتابنا ؟ فقال : " اعملوا؛ فكل ميسر لما خلق له " متفق عليه .
و أوامر الله عز و جلّ و نواهيه، دليل على تخيير الإنسان، و لو لم يكن مخيّرا في أفعاله، لكانت هذه الأوامر و النواهي عبثا لا معنى لها.
و من أكبر أخطاء الإنسان على مر العصور إلقائه باللوم على القضاء و القدر، و إلصاقه فشله و أخطائه على شماعة القضاء و القدر ..و كذلك هي طبائع الأجيال التي تأتي بعد طراوة الرسالة، فتنشأ البدع و تدخل في الدين الأفكار الخارجة عنه بعد أن تصبح القلوب قاسية مع مرور الزمن. و لابد من الرجوع إلى أصل الدين حين نزل.
فالأعمال السيئة التي يقوم بها الإنسان إنما هي من كسبه و اختياره لها، و من هنا يحاسب عليها ...
و الحياة الدنيا، طور امتحان و اختبار، و هذا يقتضي لزوما عدم تدخّل القدرة العليا .. فمن لوازم التكليف تمام الإختيار ...
و مثال ذلك، مثل الصيدلي، تريد أن تختبره للتوظيف في صيدليتك، فتريه رفوف الدواء، رف المضادات للإلتهاب، و رف المقويات، و رف السموم، الخ ... ثم تضع أمامه مئات الأدوية مبعثرة في مائدة، و تطلب منه أن يضع كل دواء مع ما يناسبه في رفه؛ ثم تتركه ليقوم بعمله، فتتمكن من الحكم عليه في نهاية الإمتحان ....
هل يعقل أن تتدخل في كل مرة يأتي فيها ليضع دواء خاطئا و تمسك بيده، و تمنعه من ذلك ؟ فأين قيمة الإختبار إذن ؟
فلو كان الإنسان مسيّرا لبطل الثواب و الحساب ، و لصار الإنسان غير مسئول عن أي فعل يقوم به ! سواء في الدنيا أو في الآخرة، و لما كان معنى للشرطة و المحاكم و القضاة !!
و لو كان مخيّرا مطلقا لاختار جنسه و آباءه و مكان ولادته و زمان وفاته، بل لاختار ألا يموت، و أن يعيش خالدا في جنات النعيم.. و هذا يدل على أنه مكلّف لا محالة، شاء أم أبى، لأنه يعيش هنا و الآن .. في هذه الدنيا .. بكل ما فيها من خير و شر.. و داخل حدودها الزمكانية، و بكل ما فيها من امتحانات { لقد خلقنا الإنسان في كبد } . فمجرد رفض الإنسان لفكرة الشر، دليل على أنه عاجز عن صناعة عالم أفضل ... فلم يستطع و لن يستطيع.. و ما عليه إلا الإستسلام لرب العالمين { ادخلوا في السلم كافة } مع تحمّل مسؤوليته كاملة، و القدرة على التمييز بين ما هو جبر محتّم لا مفرّ منه، و ما فيه خيار. و لو فعل ذلك و طبق منهاج الله في الأرض، لقلّ الشر، و لخفت وطئة الإمتحان .. و لعاش الناس في سعادة و وفاق و تعاون و حب و تراحم ...و لكن أكثر الناس لا يعلمون.
فالله تعالى أمر عباده تخييرا، و نهاهم تحذيرا، و أعطى على القليل كثيرا، و لم يعص مغلوبا ...
و الذين اختلطت عليهم المفاهيم، و قالوا بأن الإنسان مسيّر و كفى، إنما كان ذلك لأنهم نظروا في متشابه القرآن، و أغفلوا محكمه، و ذلك شأن أهل الزيغ، و هم دائما يقولون : { لو شاء الله ما أشركنا نحن و لا آباؤنا} . و منهجهم هو منهج أهل الزائغة قلوبهم، كما قال تعالى { منه آيات محكمات هن أم الكتاب، و أخر متشابهات، فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة و ابتغاء تأويله }.
و لو نظروا في الآيات المحكمة لوجدوا :
{ فمن شاء فليؤمن و من شاء فليكفر }
{ إنا هديناه النجدين إما شاكرا و إما كفورا }
و لكنهم ينظرون في متشابه القرآن أو يتبعون الأهواء بغير علم.
و يجهلون أو يتجاهلون أن الإضلال و الهداية لا تكون عبثا، و إنما تكون وفق أسس عدل و حكمة و سابق معرفة ....
فالهداية مرتبطة في القرآن الكريم بالعديد من اختيارات الإنسان، و ليست مسألة هبة عشوائية، توهب لفئة دون فئة ... ( انظر في هذا بحثي في التفسير الموضوعي حول الهداية في القرآن الكريم ) .
و كذلك الإضلال في القرآن، فالله تعالى يقول { و ما يضل به إلا الفاسقين } فهل يعقل أن يضل الله تعالى المتقين الصالحين المخلصين ؟ لا و رب الكعبة، و ألف لا .... حاشى لله تعالى ...
و من الإضلال ما هو جزائي، يكون جزاء لضلال اختياري ..
و منه ما هو إضلال حِكمي، يضعه الله تعالى في طريق من أحب له الهداية و التوفيق، و مثاله، قوله تعالى { قالوا ضلوا عنّا }.
فالمؤمن قد يقع في شرك قلبيّ خفيّ دون أن يشعر، و ذلك بأن يعلّق قلبه في كشف ضرّ أو حل معضلة مثلا، على أحد المخلوقين، كأخ له، أو صديق حميم، أو ذي منصب أو جاه مثلا .. و يمكن لهذا الذي علق عليه آماله أن يعطيه وعودا و عهودا .. ثم في ساعة العسرة يتنكّر له ، و يقول له : لا أعرفك، أو يعتذر بأي عذر كان ... فهنا الله سبحانه و تعالى يضلك عن الشركاء رأفة بك، و لمصلحتك لتعلم أنه { ليس لها من دون الله كاشفة } فتعرف حقيقة التوحيد.
و مثاله الآخر { و يوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلن تغن عنكم من الله شيئا } فقد قال المسلمون : لن نغلب اليوم من قلّة، حين رأوا أعدادهم و أعجبوا بها، فكان إضلالهم عن النصر، لمصلحة التوحيد في قلوبهم، و هو درس تاريخي لا ينبغي تغافله للفئة المؤمنة في كل الأجيال ....
فالمؤمن الذي يتوهّم جهة قوية، و يعتمد عليها، يلهمها الله تعالى أن تتخلى عنه، تأديبا على هذا الشرك الخفيّ.. و هذا هو الإضلال عن الشركاء ..
و لذلك قلت في أحد كتبي أن لا إله إلا الله حرية و حضارة، و هي الحرية الوحيدة الحقيقية للإنسان، لأنها تحرره من كل أنواع القيود و العبوديات الظاهرة و الباطنة، فلا يرجو إلا الله، و لا يرغب إلا في الله، و لا يرهب إلا من الله.. و لا يحب إلا في الله، و لا يبغض إلا في الله، و لا يرى و لا يسمع إلا بنور الله..فياله من مقام رفيع ..
و خلاصة القول هي أن الإنسان مسير في جوانب : كمكان و زمان الولادة و الوفاة، و عدم اختيار الآباء أو الشكل أو الجنس الخ .. فهو مسير في هذه الأمور، و في طبيعته و برمجته البيولوجية ، لا محالة.
و لكنه مخيّر في الأمور التي يسأل عنها كالدين ،و الأخلاق ،و السلوك ،و المعاملات ، و الطرق التي يمشي فيها، و لو لم يكن الأمر كذلك لانتفت المسؤولية و لانتفى معنى كل شيئ في الدنيا و في الآخرة، و لما كان للجنة و النار أي معنى، بل لما كان حتى لبوليس الدنيا و محاكمها أو لشهاداتها و امتحاناتها الدراسية أي معنى ! و تلك هي الحيرة التي وصلت إليها الفلسفات الوجودية و الأناركية الضالة في الغرب .. فتأمل ..
بقلم علي عروسي.