الاستعلاء الغربي ـ إيمانويل كانط كنموذج

الكثير من فلاسفة الغرب الذين يمجدهم الناس بدون علم، و لمجرد أنهم سمعوا أنه قيل عنه أنهم فلاسفة و كبار و عظماء، ثم يصبح المسكين ببغاء ترتارا يكرر ما سمع، دون أن يقرأ و يطلع و يبحث . 

يعد إميانويل كانط من أهم فلاسفة الغرب أو أهمهم على الإطلاق في عصر التنوير ( و عصر التنوير أو الأنوار هو حركة فكرية ثقافية فلسفية هيمنت على  الأفكار في أوربا في القرن 18 ) . نعم هو من أهم الفلاسفة في ألمانيا، و لكن هل يعني هذا أنه أهم مفكر أو فيلسوف بالنسبة للموزمبيق أو غانا أو كمبوديا أو الصين ؟! و هل يعني هذا أن أهل تلك البلاد لا مفكرين و لا فلاسفة لهم ؟!

ولد كانط سنة 1724 في مملكة بروسيا ـ أي قبل الوحدة الألمانية  و في ألمانيا لا علاقة لها بألمانيا التي نعرف اليوم ـ و يعتبر كانط آخر فلاسفة عصر التنوير الذي بدأ بالفلاسفة الإنجليز مثل ديفيد هيوم، و جون لوك، و جورج بيركلي.

القيمة المضافة التي قدمها كانط للفلسفة الأوربية هي جهوده في نظرية المعرفة، حيث مزج بين النظرة التجريبية و النظرة العقلية، في حين كان من قبله ينتمي إما إلى هذه المدرسة أو تلك.  فأهل المدرسة التجريبية يرون أن المعرفة لا تكون إلا من طريق التجربة ، و أهل المدرسة العقلية يرون أن المعرفة لا تكون إلا من طريق العقل وحده عن طريق نظام الشك الديكارتي، و كان صراع مستمر بين المدرستين، و أتى كانط و جمع بين المدرستين و قال أن المعرفة مصدرها العقل و التجربة معا. و فعلا كانط كان محقا،  و لكن ما كان يجري في أوربا لا يعني أنه كان يجري في العالم كله، و إذا كان كانط قد أنقذ العقل الغربي من جزئية النظر، و قصر النظر، فهذا لا يعني أنه قدم الشيء نفسه للعالم كله، فالطبيب يحتاجه المريض و لا يحتاجه السليم.  و رغم ذلك فإن كانط قد  وصل إلى نصف الطريق بنظريته تلك، إذ لو كان علمه أوسع لعرف أن نظرية المعرفة عند المسلمين قالت بما قاله هو منذ قرون قبله، و لعلم أن   القرآن الكريم كان  هو المرشد إلى استعمال العقل و الحواس معا  { قل هو الذي جعل لكم السمع و الأبصار و الأفئدة قليلا ما تشكرون } . { أ فلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار و لكن تعمى القلوب التي في الصدور } بل مصادر المعرفة في الإسلام أكثر من العقل و الحواس، حيث يدخل فيها الوحي، و الإلهام فيما يخصه من مجالات . و علماء المسلمين تبحروا في العلوم جميعها و مارسوا التفكير و البحث مسترشدين بالمنهج القرآني و  لم يكن لهم هذا الفصام و التخاصم بين العقل و الحواس كما شهدته أوربا. فالخوارزمي و ابن النفيس و البيروني و ابن سينا و  ابن البيطار، و  آلاف العلماء عاشوا  قبل كانط و ابتكروا و  اخترعوا و أضافوا إلى العلم البشري ، و لم يكن لهم ذلك الإشكال الأوربي التافه  بين الحواس و العقل أصلا !

و هذا الموضوع قد فصلته في كتابي " نظرية المعرفة من منظور إسلامي ". فليرجع إليه في محله.

 فهجوم كانط  على نظرية المعرفة الأوربية قبله له جدوى فيما يخص أوربا وحدها،  و له  أعمال  و مساهمات أخرى لها علاقة بالتاريخ و القانون و الدين. و بحث في حدود بنية العقل البشري، و في الجمال و الغائية، كلها يؤخذ منها و يردّ.

و ترك كتبا، أهمّها : كتاب نقد العقل الخالص، و كتاب نقد العقل العملي.

كان لكانط تأثير كبير في ألمانيا أثناء حياته و بعدها، و تأثر به العديد من الفلاسفة، نذكر منهم : فيلسوف القومية الألمانية الشهير و الهام يوهان جوتليب فيشتة ـ أو فيخته، و فريديريك شيلينغ، و الفيلسوف الكبير هيغل، و آرثر شوبنهاور. و تطورت مدرسة المثالية الألمانية متأثرة بأفكار و فلسفة كانط.

و كان  كانط من المؤمنين بالخالق، و لكن إيمانه كان غامضا متذبذبا تقليديا، و  لم يكن إيمانا واضحا ، فهو يقول أن " فكرة الله يبعثها العقل المجرّد، و لكن ليس لدينا سببا وجيها يدفعنا للتسليم بهذه الفكرة تسليما مطلقا " و هذا يدل على الحيرة و عدم اليقين، و لكنه لم يكن يستطيع الخروج على التقاليد البروتستانتية، ثم يحاول تخفيف تلك الفكرة بقوله " فكرة الله لا يمكن فصلها عن السعادة و الفضيلة و هي مرتبطة دائما بمفهوم المثال الأسمى و مفهوم الخير " . تصور كانط لله إذن هو تصوّر مموّه فضفاض غير واضح حتى له هو، و لكن يجب معرفة أن كانط تربّى تربية مسيحية  بروتيستانتية منغلقة،  تؤكد على الزهد و عدم اكتراث الإنسان لحاله، و في نفس الوقت عدم الاهتمام بالشعائر و العبادات و الطقوس، أي أنه كان  صاحب فكر إرجائي بامتياز.

و في الجانب الطبيعي كان كانط متأثرا بإسحاق نيوتن .

أما في المجال السياسي ففلسفة كانط تدور حول فكرة الجمهوريات الدستورية و سيادة القانون و السلام الدائم .و تعريفه للدولة هو أنها " اتحاد البشر تحت سقف القانون ". و هو تعريف دقيق . و عارض الديمقراطية و اعتبرها مجرد ديكتاتورية لأن حكم الأغلبية يشكل خطرا على الحرية الفردية.

و   أنا هنا لا أستقصي أفكار أو أعمال كانط،  و لذلك مقال آخر، و لكني أركّز على جانب واحد فقط من عقليته و شخصيته المتعلقلة بنظرته إلى " الآخر " و هي نظرة استعلائية عنصرية، تتماشى مع زرع فكرة مركزية الغرب في كل شيء، و الإهمال و التهميش المقصود لكل الأعمال الفكرية و الفلسفية لكل من هو ليس بغربي . 

فقد تم التهميش الممنهج و المقصود من قبل المؤسسات الأكاديمية الغربية لكل فلسفة الصين و الهند و إفريقيا و آسيا و أمريكا اللاتينية و العالم العربي. و تمّ الإعلاء من شأن الفلسفة الغربية و اعتبارها هي الامتداد الطبيعي لليونان و الروم، و تم اعتبار أنهما مصدر كل علم و معرفة و فلسفة في تاريخ البشرية، مع إقصاء حضارات و علوم و معارف أقدم بكثير من اليونان و الروم، نشأت في سومر ـ العراق و إيرن حاليا ـ و ما قبل سومر كانت الحضارة الكبيرة التي أسسها نبيّ الله إدريس عليه السلام ( راجع كتابي سيدنا إدريس  و تأسيس أول حضارة بشرية ).

الفيلسوف الألماني “إيمانويل كانط” مثلا، و رغم كونه أضاف للفكر الأوربي ما يزعمون أنه أضاف في نظرية المعرفة، إلا أنه واحداً من أهم المفكرين الذين دعوا إلى تصنيف الأجناس البشرية بحسب المعايير العرقية بشكل سافر. قام بتقسيم البشر على أساس اللون، واعتبر أن أصحاب البشرة البيضاء هم أكثر الأنواع البشرية ذكاءً وفاعلية ومقدرة على بناء الحضارات. ثم يأتي أصحاب اللون الأصفر في الدرجة الثانية، و في الدرجة الثالثة يأتي أصحاب البشرة السوداء، ومن خلفهم بقية الأجناس الأخرى، وفي الأسفل الهنود الحمر الذين صنفهم "كانط" أسوأ الأجناس وأقلهم تطوراً وذكاءً. نظرة استعمارية عنصرية همجية بكل المقاييس. فكيف يتمّ إعلاء شأن أشخاص بهذه العقلية ؟! و تكرار كلمات مدح  ببغاوية بأنه كان فيلسوفا كبيرا و عظيما ؟! إذا كان الفيلسوف العظيم عنصريا مقيتا فماذا ترك لغير الفلاسفة ؟!

الفيلسوف الألماني "إيمانويل كانط" تعامل باحتقار ودونية مع الفيلسوف الصيني “كونفوشيوس” حيث أنكر وجود فلسفة في سائر بلاد المشرق، وقال أن " الكونفوشيوسية" لم تضف أية تعاليم جديدة على العقيدة الأخلاقية المصممة في الأصل للملوك والأمراء الصينيين. بل ذهب إلى حد اعتباره أن أي من مفاهيم الفضيلة والأخلاق لم يدخل عقول الصينيين أبداً.

و هناك دراسات جادة  أثبتت أن أصل الفلسفة إنما بدأ في  الشرق،  و تحديدا في  الهند  و الصين، و قبلهما في سومر  ( أي أرض العراق )  قبل أن تسافر للإغريق، عبر الحضارة المصرية.  لكن تيار “إيمانويل كانط” استبعد الشرق من قانون الفلسفة حين أعادوا كتابة تاريخها، وجعلوا منها فلسفة مثالية من الناحية النقدية كي تبدو في أفضل حال. وهكذا تم التوافق من قبل المثقفين الغربيين على قبول فكرة تفوق العرق الأبيض، وأنه لا يوجد جنس آخر قادر على إنتاج وبلورة الفلسفة غيرهم. و من هنا جاء تاريخ الفلسفة يتحدث عن أن أصلها هو اليونان من أجل إثبات مركزية و أهمية الغرب منذ أقدم العصور .. و هي خرافة لا تثبت أمام البحث العلمي الجاد الذي يؤكد وجود حضارات عريقة و أقدم بكثير من اليونان كالحضارة السومرية و الآشورية و البابلية و المصرية و الهندية و الصينية، و منها ما كان قبل اليونان و منها ما عاصر اليونان و تبادل معها التجارة  و الفكر، فليست اليونان إلا وريثة الحضارة المصرية و التي ورثت ما سبقها من حضارات في حقيقة الأمر، و لكن تدخل اليد السياسية هو الذي يمجد شعوبا و أمما و يحتقر أخرى !

و قد قامت دراسات معاصرة كثيرة تؤكد هذا الذي أقول، منها كتاب صدر لأستاذ أمريكي اسمه براين فان نوردن بعنوان " استعادة الفلسفة بيان متعدد الثقافات "، يشير فيه إلى حقيقة التقاليد الفلسفية للصين و الهند و إفريقيا، و كذلك تقاليد السكان الأصليين للأمريكتين، و التي تم تجاهلها بالمرة من قبل معظم المؤسسات الأكاديمية في الغرب ، و أثبت في ذلك الكتاب مبالغة الغرب في الرؤية المركزية الإنغلاقية الإقصائية .


كانط و على الرغم من قيمته الفلسفية بالنسبة لأوربا و ليس للعالم كله ، كان إنساناً عنصرياً حين رتّب الأعراق البشرية بشكل هرمي تفاضلي، من الأحسن الأرقى إلى الأسوأ الأدنى، وربط موضوع الأعراق والأجناس كقضية علمية، بالقدرة على التفكير. ومن مفاهيم وأقوال “كانط” المثيرة للجدل والتي لا تخلو من مضامين عنصرية، أنه يعتبر العرق الأبيض يمتلك جميع المواهب الفطرية. والهنود يمتلكون السكينة، يبدون كالحكماء لكنهم يميلون للانفعال والغضب. والصينيون عند كانط أمة جامدة لا يعلمون عن الحاضر أكثر مما تعلموه في الماضي. والأفارقة شعوب حيوية لكنهم ثرثارون، يمكن تعليمهم لكن فقط كخدم. أما الهنود الحمر برأيه فإنهم قوم غير قابلين للتعلم، كسالى لا يمتلكون المشاعر ولا الخيال.. و طبعا العرب هم   كسائر أمم الشرق أقدر الشعوب قابلية للعبودية و الاستعباد في رأي العديد من فلاسفة الغرب كنيتشه و ليبنتز و كانط و غيرهم كثير !

و  ذكر الأستاذ فان نوردن أن كانط قال ذات  مرة متهكما على  ثقافة أحد الأشخاص : " لقد كان الوغد أسود البشرة بالكامل، من أعلى رأسه إلى أخمص قدميه " ! فعنصرية كانط جعلته يردّ على سؤال له علاقة بالفكر و الثقافة بجواب له علاقة بلون الإنسان ! و هنا تجلى غباء الفيلسوف الكبير تجليا كبيرا ..

هذه هي عقلية كبار فلاسفة الغرب الذين مجدهم و يمجدهم الكثير من الأغبياء و الأتباع العمي دون قراءة جادة و تمحيص.

لابدّ من تمحيص الكلام و الفلسفات و الأفكار، و لا تأخذوا كل مقولة و كل مدح على أنه وحي يوحي. عليكم بالدراسة الناقدة المتأنية ..و العلم و المعرفة و الفلسفة و الفكر هي تراكمات ساهم فيها كل البشر من جميع الأجناس و الثقافات، و تلك هي طبيعته الحقيقية، و طبيعة جميع العلوم. لا يوجد عبقري واحد يمكن له أن يبدا من الصفر و يخترع العجلة دون الرجوع إلى علوم و معارف و جهود من سبقوه، بغض النظر عن عرقهم و لون بشرتهم.  و لكن تمّ إعلاء شأن فلاسفة الغرب تحديدا خدمة للاستعمار و فكرة سيادة الرجل الأبيض و دسّ عقد النقص لدى الشعوب الأخرى ..و تلك هي طبيعة الحرب النفسية و الحرب الحضارية .


بقلم علي عروسي



تم عمل هذا الموقع بواسطة