العقل حين يبحث و ينظر و يفكر في مجاله يأتي بالعلوم النافعة و يكتشف قوانين الكون المبثوتة، و ذلك هو مجاله. مجال العقل هو السعي إلى اكتشاف القوانين التي بثها الله في الكتاب المنظور، عبر التجربة و البحث و النظر. و لكن حين يدخل نفسه و يحشرها في غير ما خلق له و في علوم ليست من مجال تخصصه و إمكاناته، فإنه يأتي بالخزعبلات و الأهواء و الضلال المبين .. و صدق الذي قال أن عدم الوجود لا يدل على وجود العدم. أي أنك إذا لم تجد شيئا أو لم تره فهذا لا يعني أنه غير موجود، فهل إذا نفى الأعمى وجود القمر و الشمس و الكواكب الأخرى كان على صواب ؟! { فإنها لا تعمى الأبصار و لكن تعمى القلوب التي في الصدور}
قال لي مرة أحد المتحذلقين و هو يحسب نفسه أنه من أذكى خلق الله و يعرف كل شيء، و يجادل في كل شيء، أحيانا بعلم، و أحيانا أخرى بغير علم و لا كتاب منير، قال مكررا مقولات " العقلانيين " : " كل شيء يوجد هنا في العقل " " كل المعرفة و العلم تعرف بالعقل " و ما لا يعرف بالعقل فلا سبيل إلى معرفته، و ذلك لا يكون " علما " ! فقلت له : نعم الرأي رأيك، و ما أعظم العقل حين يعمل النظر في مجاله، و لقد منّ الله تعالى على الإنسان بنعمة العقل و زوّده به لكي يصل بواسطته إلى الحقائق و العلوم، و حضّ على إعماله و إعمال التفكّر، بل و جعل التكليف مرتبط به، فالقلم مرفوع عن المجنون و النائم.. و لكنه ليس هو وسيلة العلم الوحيدة، فالعقل وسيلة من وسائل العلم و المعرفة، و لكنه ليس الوسيلة الوحيدة، فهناك الحواس، و الوحي، و الإلهام.
و سأضرب لك مثالا بسيطا للغاية .. قل لي بعقلك، و اعرف لي بعقلك ماذا يوجد في جيبي الآن ؟! هل يمكن أن تعرف بعقلك ماذا يجري خارج غرفتك أو بيتك بالتفصيل ؟ هل يمكن لك بعقلك أن تعرف من الذي يمشي الآن في شارع شوبنبهاور في جزيرة الوقواق ؟! فبهت الذي كفر .. فقلت له : إذا كنت عاجزا أنت بعقلك و بعقل أكبر لوذعي على وجه الأرض أن تعرف ما يوجد في جيبي فكيف لكما أن تعرفا ما بعد الموت بعقليكما القاصرين ؟! إن عقلا يعجز عما تستطيعه الأصابع و العين لهو عقل ناقص فعلا !
لو أدخلت أصابعك في جيبي و سحبت ثم نظرت بعينك لعرفت ما يوجد في جيبي بكل بساطة، و لما احتجت إلى فلسفة كارل بوبر و لا برتراند راسل و لا ليفي شتراوس !
فلا تقل مرة أخرى أن كل شيء يعرف بالعقل ! ذلك خطأ فادح .. و كبير و خطير .. و لا يدل إلا على الغباء على الرغم من أن قائليه زعموا به أن يدعوا أنهم أذكى خلق الله !!!
هل يمكن أن تعرف بعقلك ما يوجد وراء جدار منزلك ؟! بل هل يمكن أن تعرف بعقلك كم صفحة توجد في كتاب قبل أن تفتحه و تنظر إليه ؟!
هل تعرف بعقلك ما يوجد داخل جسمك ؟ هل يمكن أن تعرف بعقلك ما الذي سيحدث غدا لك أو للعالم ؟
صحيح أن الإنسان يمكن أن يستنتج و يحلّل ضمن معطيات معينة فيكون تحليله صائبا أو مخطئا بسبب تدخل عوامل لم تكن في الحسبان، و صحيح أن هناك علم اسمه علم المستقبليات، و لكن ذلك موضوع آخر.
المشكلة هي في بعض أنصاف المثقفين و أنصاف الدارسين الذين يزعمون أن العقل هو كل شيء، , و لسان حالهم يقول : " ما لم أستطع أن أعرفه أنا بعقلي أو أن أصل إليه أنا بعقلي فهو غير موجود، و غير " علمي " ! هذا تأليه للعقل .. و هو جهل مركّب بالتأكيد.
فالعقل الإنساني قاصر للغاية حين يحشر نفسه في مجال لا علاقة له به، و لم يخلق له أصلا !
إن العقل ليس وسيلة معرفة مطلقة أو مقدسة كما يزعم " العقلانيون " أو العقليون ! العقل البشري مخلوق، و هو قاصر و ناقص، فهو ليس بإله، و هو ليس وسيلة كل العلوم، بل هو وسيلة لمعرفة بعض العلوم الظاهرة، و الخاضعة للتجريب، و رغم ذلك فالبحث و النظريات في تطوّر مستمّر، و ما يصدقه العقل اليوم و يجعله صحيحا، قد ينفيه غدا و يجعله " غير علميّ"، و العقل بدون الحواس و بدون الوحي الصحيح لا يمكن أن يصل إلا إلى الظلام المطلق، تماما كالعين بدون الضوء، هل يمكن لعينك أن تنفعك في غرفة مظلمة لا ضوء فيها ؟ تخيل شخصا عاقلا و لكن أبكم و أعمى و أصم، فماذا سيفعل بعقله ؟! و تقديس العقل و إعطائه سلطات مطلقة أكثر من طاقته و مما يمكن أن يحتمل و جعله المصدر الأوحد و الأعلى لكل العلوم و المعارف و اليقينيات المتعلقة بما في ذلك عالم ما بعد الموت، و ما وراء الطبيعة هو خرافة محضة و جهل كبير، و تحجيم لوسائل المعرفة الشاملة التي تعتمد على العقل و الحواس و الوحي و الإلهام.
فالذي لا حدود لعلمه هو الله تعالى و ليس العقل. { و ما أوتيتم من العلم إلا قليلا }
{ قل هو الذي خلقكم و جعل لكم السمع و الأبصار و الأفئدة قليلا ما تشكرون }
و قل الشيء نفسه عن الحواس بلا عقل، تنظر و تسمع و لكن لا تملك القدرة على التجريد و التأويل و التحليل و المقارنة و التفكيك و التركيب و التفكير و النظر في ما وراء الأشياء ..و الروابط بينها، و الأسباب و المسببات ..فالذي يقول أن هذا الكون ليس له خالق كمن ينظر إلى لوحة من لوحات بيكاسو الرائعة و لكنه ينكر وجود شخص اسمه بيكاسو لأنه لم يره بعينيه ! فلوحة بيكاسو شيء، و بيكاسو راسمها، من هو، و متى رسمها، و لماذا، ذلك شيء آخر و موضوع آخر، و من لا يستطيع الربط بين الأمرين مع التفرقة في نفس الوقت فلا عقل له أصلا، فكيف يسمونه " عقلانيا "!!
العقل قاصر و هو بحاجة إلى الحواس لكي يدرس المدركات الحسية ثم يستعملها ليقوم بعمليات التحليل و التفكيك و التركيب و التأمل و الإستنتاج و التفكر و المقارنة و الاستقراء الخ ... و هو أيضا بحاجة إلى الوحي لكي يدرك عن طريقه ما وراء الحياة و ما بعد الموت . و ليدرك كذلك لماذا خلق الخالق هذا الخلق، و ما الغاية من خلق الإنسان و الكون و الحياة، فالعلوم التجريبية التي هي مجال العقل الكبير، تستطيع أن تفسّر لك كيف تعمل الأشياء و ما هي القوانين التي تتحكم في الأمور المتعددة بحسب ما تصل إليه الأبحاث و التجارب، و لكن العقل لا يستطيع أن يفسر لك شيئا لا قدرة له عليه، و من هنا كان الوحي هو الذي يقول لنا لماذا خلق الله الكون و ماذا يوجد بعد الموت و بعد هذه الحياة، و ذلك هو مجال الوحي بامتياز، و لا دخل للعقل هنا.
فنظرية المعرفة المتكاملة هي التي تجمع بين العقل و الحواس و الوحي و حتى الإلهام في تناغم و تكامل ..و من أراد أن يجعل العقل حاكما على الماورائيات و ما بعد المادة كالذي يريد أن يسيّر القطار فوق الماء قصرا أو أن تسبح السفن فوق التراب !
لابد من احترام مجال كل وسيلة من وسائل المعرفة، و ذلك هو النظام الدقيق الذي يجعل لك عقلا واعيا يعي حدوده و قدراته، و يعي حاجته إلى الوسائل الأخرى في تكامل و تناغم بلا تضارب أو تضاد. و اعلم أن تلك المحاولات التي أرادت أن تخلق التضاد و الصراع في الفكر البشري و الفلسفة البشرية بين العقل و الحواس، و بين العقل و الوحي، و بين العديد من الأشياء التي خلقها الله تعالى لتتناعم و تتكامل، إنما هي محاولات شيطانية تسعى لأن تفرّق بين المرء و زوجه ..
لمزيد من الإطلاع حول هذا الموضوع، راجع كتاب ( نظرية المعرفة من منظور متكامل تأليف علي عروسي ) .
بقلم : علي عروسي