أهمية اللغة في حياة الأمم

اللغة ليست مجرد حروف متناثرة، فهي وعاء الفكر، و الفكر هو أداة صناعة الحضارة. و ما أهمل قوم لغتهم إلا ضلوا و انهزموا و صاروا في ذيل قافلة الأمم، و ما اهتموا بلغتهم و اعتزوا بها إلا كان لهم مكان تحت الشمس. 

اللغة فلسفتها هي أن تكون أو لا تكون،  و هي وعاء الثقافة التي بها تتكوّن روابط المجتمعات على أساس متين، و إذا أردت هدم وحدة مجتمع أو وحدة وطن، فبلبل لسانه، و اجعل كل شبر فيه يتحدث بلهجة مختلفة، فسرعان ما تدب نيران التفاخر و الأحقاد و التمايز بينهم، فيكون ما بعدها أدهى و أمرّ.

و قد منّ الله تعالى على الأمة الجديدة التي أخرجها للناس بأن اختار لها لسانا عربيّا مبينا، و لم يكن ذلك عبثا، بل لأن تلك اللغة هي الأوسع مفردات، و الأجمل نطقا، و الأقدر على التعبير و على مسايرة التطور البشري،   لتحمل رسالة رب العالمين إلى الناس أجمعين في كل زمان و مكان إلى أن يرث الله الأرض و من عليها.

و الإنجيل يعتبر بلبلة الألسن عقابا من الله، جاء في سفر التكوين 11 ـ 1  : " وكانت الأرض كلها لسانا واحدا و لغة واحدة    " هلمّ ننزل و نبلبل هناك لسانهم حتى لا يسمع بعضهم لسان بعض " .

و لا شك أن النظرة القرآنية إلى اختلاف الألسن تختلف عن هذه النظرة الإنجيلية، فالقرآن يعتبر اختلاف الألسن آية من آيات الله، و ليس عقابا كما يقول الإنجيل.  قال تعالى { و من آياته خلق السماوات و الأرض و اختلاف ألسنتكم و ألوانكم } الروم 22. 

و لكن في نفس الوقت  يمكننا بسهولة  أن نفهم من كون اختلاف الألسن عقابا لأي مجتمع،  حين تصبح  اللغات متضاربة و صانعة للفتن و التقسيم و مفرّقة لوحدة الأمة الواحدة، هذا الاستخدام للغات و اللهجات لا شك أن فيه عذاب لأي وطن يقع في هذا الفخ ! و لكن عندما لا تكون داعية إلى التمييز العرقي و الإثني و التقسيم فحينها يكون التعدد اللغوي نعمة كبرى، و هذا في حقيقة أمره لا علاقة له  بآية سورة الروم لأنها تتحدث عن قدرة الله الكبيرة و آية من آياته في خلق العديد من اللغات التي يتحدث بها البشر، فتنوع اللغات كتنوع المخلوقات فيه آية ربانية و إشارة إلى عظمة و قدرة الخلاق العليم، و الآية جاءت في هذا السياق.

 و لغة كل قوم هي التي تعبرّ عن المستوى الفكري و الحضاري الذي وصلوا إليه، و كلّما كان عدد المفردات المستعملة لدى الأفراد و المجتمعات أكثر،  كانت إمكانيات التفكير و الإبداع أكبر. و العكس صحيح، بحيث تتقهقر الأمم و المجتمعات العاجزة عن  التعبير عمّا تراه أمام أعينها من أشياء و منتوجات و قضايا و مخترعات،  أو ما يدور في خلدها و أعماق نفوسها من مشاعر و أحاسيس و خواطر، فكيف بصناعة المستقبل و ما يتطلبه من ابتكار و إبداع؟!  اللغة أخطر مما نتصوّر.  و من هنا منّ الله تعالى على الإنسان بقوله { الرحمن علم القرآن خلق الإنسان علّمه البيان } الرحمن. فما هو هذا الإنسان بدون بيان ؟ أتراه كان قادرا على صناعة الحضارة ؟!

   اللغة هي وعاء الفكر و الثقافة و الحضارة.  و لا يكره لغته إلا عدوّ للعلم و الفكر و الثقافة و الحضارة و البيان الذي تفضل به الرحمن على عباده ! و كان هذا الأمر مفهوما واضحا عند العرب في جميع العصور، و كانت لغتهم شرفهم، و كانوا يعرفون ذلك جيدا، كما كانوا يذمّون العيّ و اللحن و يعدون ذلك عيوبا وجب إصلاحها . و الأٌقوال في هذا لا تعد و لا تحصى في كتب التراث. قال أبو بكر : " لأن أقرأ فأسقط، أحب إليّ من أن أقرأ فألحن ". و مرّ عمر على قوم يسيئون الرمي، فقرعهم، فقالوا : إنا لقوم متعلمين . فأعرض مغضبا و قال : " و الله لخطؤكم في لسانكم أشد عليّ من خطئكم في رميكم "، سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : " رحم الله رجلا أصلح من لسانه ". و ورد إلى عمر كتاب أوله " من أبو موسى الأشعري، فكتب عمر لأبي موسى بضرب الكاتب سوطا ".

 فكلما ازداد عدد أسماء الأشياء / المصطلحات ـ  في ذهن الإنسان، كلما اتسعت دائرة قدرته على التعبير و التفكير و الربط بين الأشياء و الأفكار. فاللغة هي الوسيلة الوحيدة للتعبير عن الإحساس و الأهداف،  وهي الطريق الأوحد إلى التفكير داخل و خارج الإنسان، أي أنها وسيلة تواصل الإنسان مع ذاته، و مع الكون، و مع الناس و الحياة . فبدون لغة لا يوجد تفكير و لا تعبير عن الإحساس، و لا قدرة عليهما، كما لا يمكن أن يكون هناك استيعاب كامل  لما يقوله المفكرون و لا لما ينطق به  الكتاب المسطور ـ القرآن الكريم ـ و لا الكتاب المنظور ـ أي الكون ـ . و بدون اللغة لا تراكم للعلوم، و بدون تراكم للعلوم لا توجد حضارة و لا تاريخ.

 اللغة إذن هي أهم ما يملكه الإنسان، أهم من كل شيء آخر، و لذلك قيل في تراث الفكر البشري : تكلّم حتى أراك .. و قال الشاعر : لسان الفتى نصف و نصف فؤاده فلم يبق إلا صورة اللحم و الدم.. و قال أبو حنيفة النعمان مقولته الشهيرة : " حان لأبي حنيفة أن يمدّ رجليه " حين نطق رجل مظهره أنيق و منطقه سقيم، فكان مثالا لتفاهة لغة متكلّم يبهر منظره و هندامه و لكن كلامه يفصح عن سطحية تفكيره و سخافة أسئلته، مما يدلّ على قلة العقل، عافانا الله و إياكم !

بل في القرآن الكريم ما يشير إلى أن اللغة و البيان هي أعظم نعمة أنعمها الله عز و جل على الإنسان. {  و علم آدم الأسماء كلها } فقيمة آدم الحقيقية تكمن في قدرته على تسمية أسماء الأشياء، أي في إمكانية صناعة الحضارة، فلا حضارة بدون لغة.  فلم يكن الملائكة المقربون و هم مخلوقات نورانية لتسجد لمخلوق طينيّ لولا أنه تميّز عليها بشيء خارق لا قدرة لها عليه، و ذلك هو العلم بالأسماء كلها، إنها اللغة ... فاللغة ذلك السر العجيب القادر على فهم و اختراع الجديد، بمعناه الواسع هي القدرة على تسمية كل موجود و كل ما يمكن أن يوجد..أي كل ما يمكن أن يتم إبداعه و اختراعه في تطور الحضارة البشرية ..  و من خلال تلك التسمية لكل ما هو موجود تأتي مرحلة القدرة الكبيرة الواسعة على التفكير و الربط بين الموجودات و استخلاص النتائج الجديدة في سيرورة مستمرة للعمل الحضاري المتجدد باستمرار. هكذا تصنع الحضارة، فلا حضارة بلا لغة،  و لذلك  وجب ملاحظة الخيوط  الرابطة بين واقعنا العربي المنحط و بين عجز الشعوب  العربية عن الإرتقاء إلى مستوى لغتها  و استبدالها بلغات أو لهجات أو مزيج من هذا و ذاك لا تسمن و لا تغني من جوع.

يمكننا أن نقول بقناعة كبيرة بأن ما يطلق عليه " شعوبا عربية " هي  ليست كذلك  في حقيقة أمرها و  لا في واقع فكرها، لأنها لا تتحدث اللغة العربية و لا تستطيع استخدامها استخداما يوميا بشكل طبيعي، و لا أن تعبر على كل ما تراه بلسان عربي مبين.  العربية لغة و ليست بعرق ! و" من تكلم العربية فهو عربي " كما جاء في الأثر.  هذه الشعوب التي تنتسب إلى العرب و العروبة ليس لها أي دليل على ذلك، سوى القول بغير علم. و هذا موضوع سأناقشه في مقالة قادمة إن شاء الله  ـ.

  من هنا فإن لكل جيل لغته، و لكل عصر لغته، فاللغة مطالبة بالتعبير عن هموم و قضايا و مشاكل و حقائق و تطلعات و معارف عصرها، كما هي مطالبة بتقديم مسميات جديدة باستمرار، لكي تستخدم في إطار أوسع ليتم التواصل المعرفي بين أبناء المجتمع الواحد باتساق و توافق  مع العصر الذي يعيشونه، و إلا أصبحوا خارجه زمانا ـ تاريخا ـ ثم مكانا أيضا ـ جغرافية ـ ! لأن التخلف اللغوي يؤدي إلى التخلف الفكري، و التخلف الفكري يؤدي إلى الزوال الحضاري، الذي يؤدي إلى الاحتلال الأجنبي، في إطار قانون هيمنة الأقوى على الأضعف في كل مجال. 

 فالأمة التي تفقد هويتها و تفقد ثقافتها و أصولها تتعرض للغزو الفكري و العسكري و تتحول إلى مجرد ملحقات تابعة للحضارة الغالبة . فلا قيمة للغة تجمد على ما وصل إليه الأسبقون! لأن العالم يتطور باستمرار، و لا يمكن للغة جامدة متقولبة في قاموس قديم أن تفهم الحاضر الأكثر تطورا، فضلا عن أن تصنع مستقبلا إلا في إطار التخلف و التقوقع إلى الوراء ! فما بالك إذا عجزت لغة المعاصرين حتى عن استيعاب إنجازات السابقين، و فقدت الإتصال بماضيها و القدرة على التعبير بلغتها عن حاضرها ؟! و لذلك فأنا أرى أن جلّ مشاكلنا و مصائبنا السياسية و الاجتماعية و الفكرية المعاصرة سببها الرئيسي هو غياب اللغة الأصيلة عن حياتنا اليومية. و هذا المرض أخطر بكثير مما نتصوّر. لما يتسبب عليه من عواقب.

اللغة كائن حيّ يخضع لسنة التطور و التقدم المستمر، و ليست بكائن جامد، فهي وسيلة التعبير لا غايته، و من هنا كان تطويرها و تجديدها  و إدخال المصطلحات المستجدة يوميا في قواميسها أمر لابد منه، و تلك هي مهمة الأمم المتحضرة الواعية، و على رأسها علماء اللغة. و إذا رأيت دولة تفعل عكس هذا فاعلم أنها دولة تسير إلى الهاوية .

و كلما كان الإنسان أقدر على تسمية الأشياء الموجودة، و تخيل أسماء الأشياء التي لم توجد بعد، كان إنسانا أقدر على صناعة الحضارة، و العكس صحيح، فكلما كان الإنسان عاجزا عن تسمية الأشياء، كان متقدّما في تخريب الحضارة!  إنها ليست بالقضية الهيّنة كما قد يتبادر إلى بعض الأذهان، و ربّما نستشّف من هنا الإشارات القرآنية المبكّرة إلى القسم الإلهي بالكثير من الحروف .. { ألم } { ألمر }  { كهيعص }  { يس } { طسم } الخ ..

 إنها ليست مجرد حروف، إنما هي المادة الخام لصناعة الحضارة. و هي الحروف ذاتها التي يعجز عن قراءتها و كتابتها  اليوم ـ في القرن الحادي و العشرين ـ أكثر من نصف سكان الشعوب العربية المعاصرة البالغ عددها 350 أو 400 مليون نسمة .

و من هنا ندرك الربط الهام بين القراءة و هي أول ما نزل في الوحي { إقرأ باسم ربك } و بين الكرامة الإنسانية المتمثلة في قوله تعالى { اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم } ! فطريق الكرامة الأوحد هو القراءة .. و القراءة بمفهومها الأشمل و كل متعلقاتها التي لا يتم الواجب الحضاري إلا به، من التهجي إلى البحوث العلمية و الدراسات الميدانية و مراكز البحوث المتخصصة و  المتعمقة ..

فبدون قلم لا يوجد تدوين العلوم و المعارف و لا تراكم  للمعرفة.. فلا شيء مهمّ بعد اللغة سوى القلم الذي يدوّن ما تصنعه اللغة من فنون و علوم و معارف و أفكار و قيم و فلسفة. و في تراثنا  القلم هو أول ما خلق الله!  ترى هل كان ذلك صدفة ؟َ! كما أن الله تعالى يقسم في سورة نون بالقلم : { نون و القلم و مايسطرون } فالقسم هنا بالقلم و بما يسطر الناس به، و يشمل ذلك كل ما تخطه يد الإنسان من أفكار و معارف و فلسفات و آداب على مر التاريخ البشري!  أليست هنا إشارة واضحة إلى أن كل الحضارات ستخرج من رحم اللغة و القلم ؟ فالمعارف الإنسانية لا يستهان بها سواء جاءت استنباطا من الوحي مباشرة ، أو من خلال الكتاب المنظور الذي هو الكون و الحياة، أو من خلال التجارب  البشرية التاريخية المتراكمة أو الأفكار و الخواطر الشخصية  الذاتية ! كيف  لا و قد أقسم القرآن بها ؟!  تلك القيمة الحقيقية للإنسان، و ذلك هو سر سجود الملائكة له تقديرا و تعظيما لما سيقوم به من رسالة حضارية فريدة من نوعها في عالم الكائنات و المخلوقات !

فأي قيمة للإنسان الغير قادر على التعامل مع اللغة .. صناعة اللغة .. فهم اللغة .. ؟ أي قيمة للإنسان حين يعجز عن التحدث بلغته الأم  ؟ إنه يفقد من كرامته و عزته و قيمته بقدر ما يفقد من لسانه و لغته ..

نستطيع أن نقول بكل تأكيد أن أهم طامة تعيشها الشعوب العربية المعاصرة، و هي طامة أخطر من كل القتل و الدمار و الطائفية و العشوائية و التيه و الخراب المشاهد، هي طامة العجز عن الإرتقاء إلى مستوى اللغة العربية، تلك اللغة الجميلة الشاعرة بتعبير عباس محمود العقاد، بل أستطيع أن أزعم أن كل هذه الطوامّ ما هي إلا مظهر من مظاهر و نتيجة من نتائج ذلك العجز التام في تعامل الشعوب العربية مع لغتها العربية. و هذا هو الذي قصدت به أن عرب اليوم لم يعودوا عربا بمعنى الكلمة ..

يكمن ذلك العجز القاتل في أن الشعوب العربية لا تتحدث بلغتها المكتوبة، فهي تدرس لغة في المدارس لا تستخدمها في البيوت و المجتمعات، مما يخلق فجوة فكرية هائلة، على خلاف الشعوب الأخرى التي تربطها بلغاتها روابط جد قوية، فلغة المدرسة هي لغة الحديث اليومي، و هي لغة الآداب و العلوم، أي أنها هي أداة الفكر و التواصل. فلا يوجد إشكال البتة في سلاسة الحديث و التفكير الذي ينطلق دون عوائق تعوقه.  أما في المجتمعات العربية فداخل دماغ كل فرد مجموعة  قيم و أفكار متضاربة،  و عجز صريح عن تسمية أبسط الأشياء بلغة عربية سليمة، و  عوائق صنعها الإنفصام المزعج بين  لغة العلم  و المعرفة و لغة الحديث اليومي،   و صنعتها المصادر المتضاربة في التلقي و الثقافة.  من هنا تخلق الفجوات المروعة بين الفرد و تراثه، و بين الفرد و نفسه، و بين  النخب المثقفة و العامّة، و بين الحاكم و المحكوم، و بين المحكومين أنفسهم بعضهم مع بعض ! فلا تستغربوا من الفتن و الحروب الأهلية و الحروب الطائفية و العرقية و الإثنية !!

كما أن اللهجات العامية من طبيعتها أن تعبر تعبيرات محدودة لا يفهمها إلا من هم في دائرة ضيقة، كالمدينة الواحدة، بل و كثيرا ما تزداد ضيقا حتى تكاد تجد لكل أهل حي و حارة مصطلحاتهم الضيقة الخاصة التي لا يفهمها غيرهم.  بالله عليكم قارونا بين عدد مفردات اللغة العربية في قواميسها و عدد اللغات الأخرى ـ و لا أقول اللهجات الدارجة ـ و سوف ترون الفرق الشاسع، و ليس على الأجيال الحاضرة و القادمة سوى أن تنزل تلك المفردات و تستعملها في حياتها اليومية و تواكب المستجدات و سوف ترون كيف تنصلح كل القضايا عندما ينصلح اللسان .. و ينتشر الوعي، و تعرف قيمة الحضارة و الطرق المؤدية إليها.

اللهجات و  اللغات الدارجة العامية هي إرث ثقافي يجب المحافظة عليه و إعطائه حقه في الوجود بدون شك، و لكن تظل  في إطارها الصحيح دون أن تضخّم على حساب اللغة الأم و اللغة الأكبر و اللغة الأهم.  اللغة الأهم هي كذلك لأنها لغة جامعة للجميع نحو هدف توحيدي واحد، هي لغة العلم و التراث و الثقافة و التاريخ و الدين، فكيف إذا كان قاموسها هو أضخم قاموس بين قواميس جميع لغات العالم ؟!

افي حين أن اللهجات، لا ترتقي إلى مستوى اللغة الأم، و هذا ليس احتقار لأي لهجة و لكنه تحصيل حاصل، و أمر واقع، نحترم اللهجات و نضعها في دائرتها المناسبة لها، و لكن عندما تريد أن تصبح  وسيلة قطع الصلة بين الأمة و تاريخها و تراثها و دينها، هنا تتحوّل هذه اللهجات إلى عدوّ يفرّق الوحدة و يشتت الشمل و يخلق الفتنة !  اللغة جعلت ليكون هناك تفاهم و  حوار بين الناس في المجتمعات، و حين يكون المجتمع مجتمعا على لغة منذ قرون و تعارفوا على كونها لغة الثقافة و العلم و التواصل و الدين، فمن أتى يبلبلها بألسنة أخرى فإنما هو  دخيل  يريد أن يخلق الفرقة، في حين أن الأصل في اللغة هو التواصل و التثاقف و تبادل الفكر النافع من أجل صناعة الحضارة و الإجماع على أساس الاتحاد القوي !  نعم للهجات في إطار التنوع ضمن الوحدة، و لا و ألف لا للهجات في إطار الفرقة و التمايز و العنصرية و تشتيت الجهود و الآمال.

إن اللغة ليست قوالب جامدة، بل هي تطور مستمر.

مصيبة  أخرى نعاني منها تكمن في عجز الشعوب عن فهم و إدراك لغة النخب المثقفة التي تغرد خارج السرب غالبا، و بلغة غامضة غير مفهومة حتى من طرف من يكتبها ! لغة لا تعبر إطلاقا عن هموم و تطلعات القواعد الشعبية الغارقة في الأمية و الجهل و قاموس لغوي دارجي محدود بحدود المعدة و الحاجات  البيولوجية الضيقة ! و عجز المثقفين عن التواصل مع الشعوب، فترى الكثير منهم،  بدلا من القيام بمسئولية الإرتقاء بها، يصابون بالنرجسية النخبوية المتعالية، و يرتمون في أحضان الإرتزاق الفكري و التشدق بلغات أجنبية من أجل التعالي على العامة !

فأي قيمة للكتابة في عالم شعوبه لا تقرأ ؟ بل قل شعوب لا تقدر على فعل القراءة و لا تقدّرها حق قدرها ؟! و كيف تفعل ذلك و نصفها  أميّ لا يعرف القراءة و الكتابة، في عصر لم تعد الأمية فيه تقتصر على تلك المصيبة الأولى ـ عدم القراءة و الكتابة ـ ، بل أصبحت الأمية فيه تتعلق بمن يجهل علوم المستقبليات و البيولوجيا و الثورات العلمية المتعاقبة و السريعة كما يقول علاّمة المغرب المفكر المهدي المنجرة رحمه الله .

و أي قيمة لكتابة لا تسعى لنفع الناس و الإرتقاء بحياتهم و لا تساهم في حلول مشاكلهم ؟!

إنها شعوب تفقد كرامتها مرّتين، مرة  بنص القرآن { إقرأ وربك الأكرم }  فلا كرامة لمن لا يقرأ. و مرة ثانية مقارنة مع شعوب معاصرة تتنافس في قيمة العلوم و عدد المطبوعات و عدد القرّاء، حيث لا مجال لمقارنتها مع أمة  تزعم أنها تؤمن بأن أول ما نزل عليها من السماء هو { إقرأ } و لكنها لا تقرأ شيئا  !

إنه إيمان الحمقى و المغفلين .. إيمان الجنون و اللامعقولية و الغباء ! إيمان الترديد الببغائي العاجز !

إيمان الجاهل الذي يعتقد أنه أفضل من العالم، و المريض الذي يظن أنه أفضل من السليم !

إنه إيمان لا ينفع و ادّعاء بحاجة إلى بيّنة، فكما أن هناك علم لا ينفع فهناك أيضا إيمان لا ينفع، و إسلام لا ينفع، و تدين لا ينفع، و عروبة لا تنفع، و ادعاءات كلها ترهات و خرافات لا تثبت أمام التمحيص العلمي !

و خلاصة القول أن عجز الإنسان العربي عن الإرتقاء إلى عظمة لغته هو لبّ الأزمة الحضارية الطاحنة، تلك الأزمة التي تخلق فجوات و عوائق و قيود بين الإنسان و ذاته،  و الإنسان و الكون، و الإنسان و الحياة، و هو ما يفسّر التيه الجماعي و اللامنطقية في المجتمعات العربية المعاصرة، و الفجوات اللانهائية، و التناقضات العجيبة ..

فالخطوة الأولى في  طريق الخلاص من الإنحطاط الحضاري أمام الشعوب المنطقة العربية هي أن :

1ـ   تعقد الصلح مع لغتها أولا، و تقوم بإتقانها تعلّما و تعليما.

2 ـ تتعامل مع اللغة العربية ككائن محترم عزيز، فهي لغة العلم و المعرفة و الآداب و الدين و التاريخ، كما أنها لغة البيت و الشارع و الحياة اليومية.

3 ـ أن يقوم أهل الإختصاص بتطوير اللغة وفق العصر و آفاق المستقبل، و يتم إخراج قواميس عصرية شاملة، و تتم الإضافات المستمرة للمصطلحات المستجدة،  ثم تتسلل المصطلحات العصرية الضرورية إلى لغة الحياة اليومية بشكل طبيعي، تخلّصا من الهذر و السطحية و السفاهة و الركاكة و الكلمات الأجنبية الدخيلة.

4 ـ غربلة التراث العربي غربلة دقيقة و شاملة، مع إبقاء النافع المفيد، و كشف وإهمال التافه السقيم والمكذوب و المندسّ و الكلمات الغريبة الشاذة الغير مستعملة.

5 ـ الإنفتاح على لغات و ثقافات العالم من منطلق قويّ و راسخ، بلغة ثقافية قوية راسخة.

 6 ـ المحافظة على اللهجات المحلية و الإعلاء من شأنها في إطار ما يتناسب مع قاموسها و ما تشكله من إرث ثقافي في دائرة التنوع ضمن الوحدة.

بهذا فقط يمكن القضاء على الإنفصام المرضي في سيكلوجية العربي التائه المعاصر، تائه بين فهم خاطئ للذات و التراث، و بين أن يكون مجرد ذيل "للآخر" ، كببغاء يردد كلمات الآخرين، و يستهلك مخترعات الآخرين .  كما يمكن إعادة الثقة في نفسيته و شخصيته المهتزّة، فاللغة لا تعطيك شيئا إذا قزّمتها في جانب محدود من حياتك، و ذهبت تتحدث طوال يومك بعامّيات قاصرة، و بقاموس مختزل محدود. فكيف بمن ليس بينه و بينها أية صلة أصلا، و لم يقرأ في حياته الممتدة كتابا واحدا بلغته الأم ؟! و كيف بمن يقرأ لكنه لا يفهم ما يقرأ .. أو من يقرأ لكنه يفهم عكس ما يريده الكاتب و الكتاب ؟! تلك قضايا  ومواضيع مهمة أخرى ..و كما أنه لا حاضر و لا مستقبل لمن لا ذاكرة له، فلا كرامة ولا فكر و لا حضارة  لمن لا لغة له. { خلق الإنسان علّمه البيان } . { إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون }.


و إلى لقاء آخر مع مقال : هل نحن عرب حقا ؟  أو : من هو العربي ّ ؟


بقلم علي عروسي



تم عمل هذا الموقع بواسطة